من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
ليس الحظ والقدر وحدهما أساساً للنجاح، وإنما ثمة قوى تستنهض الذات وتشعل فتيل العزم والإصرار لترقى بنا، ونحقق بها ما نصبو إليه. منذ أن كان صغيراً لم يكن لديه ضعف في الإرادة، ودائماً ما يغزوه شعور واثق بأن صوته سيتوثب حيزاً من فضاء المذيعين الرحب، وسيعلو نجمه يوماً ويعانق عنان السماء.
الإعلامي المخضرم سعيد الهش، شق طريقه من على مقاعد الدراسة وتحديداً في المرحلة الإعدادية، ونجح في الانضمام إلى إذاعة «صوت الساحل» في الشارقة، وعمل فيها وصقل موهبته حتى انتقل إلى تأسيس إذاعة دبي مطلع السبعينات، ومن ثم عمل مديراً للإذاعة والتلفزيون في أبوظبي حتى آل به القدر للعمل مسؤولاً عن الإعلام بالأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي.
ورغم كل هذه المعطيات التي ساهمت في ولوجه إلى سوق الإعلام، إلا أنه لم يكتف بهذا القدر، وذهب إلى الجامعة الأميركية في لبنان، لكنه لم يستمر نتيجة الأحداث التي عصفت بالمنطقة، والتي غيرت وجهته إلى الدراسة في مصر، ومن ثم توجه إلى الـ «بي بي سي»، وأكمل تعليمه في بريطانيا حتى تكلل طريقه العلمي المتعرج بالنجاح.
ثانوية دبي
ولد الهش بمنطقة الشندغة في دبي، وتحديداً في بيت الشيخ سعيد بن مكتوم، وانتقل مع أفراد أسرته بعدها، ودرس في الشندغة، ومن ثم في مدرسة عمر بن الخطاب، وأخيراً انتقل إلى ثانوية دبي. وساهمت إذاعة صوت الساحل في تشكيل ذائقته الإعلامية بقوة، وكان يستمع بشغف إلى البرامج التي تبثها هذه الإذاعة في نهاية المرحلة الإعدادية. ولعل من الأسماء التي تأثر بها في الإذاعة، رياض الشعيبي وسليم عرفات، رحمهما الله، وثائر حلاوة، إلى جانب أربعة آخرون ينتمون إلى الرعيل الأول أيضاً في الإذاعة، أبرزهم: أحمد المنصوري ومحمد الخوري والشاعر والأديب أحمد أمين المدني، رحمه الله، والإعلامية القديرة حصة العسيلي.
يقول الهش: أعلنت إذاعة صوت الساحل في تلك الأثناء عن حاجتها إلى مذيعين مواطنين عن طريق مسابقة، وفزت بذلك أنا وصقر المري الذي شغل منصب وكيل وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية فيما بعد، من بين 150 طالباً مترشحاً، فكانت تلك فرصة ذهبية للالتحاق بالعمل في الإذاعة التي لطالما كنت أستمع إليها.
يوم شاق
ويتابع: استمر عملي مع الإذاعة نحو عام أتقاضى حينها من الأجر ما يعادل 200 درهم، وكان إيقاع العمل مرهقاً نسبياً نتيجة امتزاج الدراسة بالعمل. فأنا أذهب إلى المدرسة الساعة السادسة صباحاً وأعود إلى المنزل الساعة الواحدة والنصف ظهراً في دبي، وأتناول غدائي سريعاً كي لا يفوتني موعد الصعود إلى سيارة «اللاند روفر» التي تقلنا إلى إمارة الشارقة، وأراوح مكاني في الإذاعة حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً، ونستغل الفاصل الإعلاني أو الغنائي في الإذاعة أنا ومن معي من الطلبة في حل الواجبات المدرسية. والشاهد على تلك الحقبة، يعي أهمية الإذاعة والتلفاز للناس، إذ ترى الجميع ملتفين حول المذياع ينتظرون موعد إعلان غرة رمضان أو العيد.
ويؤكد الهش أنه في عامي 1971 و1972 مع انسحاب الإدارة الإنجليزية من المنطقة، قررت حكومة دبي شراء إذاعة صوت الساحل تزامناً مع إعلان قيام دولة الإمارات، وعلى إثر ذلك فقد أسس الهش مع بعض زملائه إذاعة دبي، التي ما زال بثها متواصلاً حتى الآن.
ويضيف: بعد سنوات، بدأت عناصر الحداثة والتطور الإعلامي تقتحم العالم، واتجهت الأنظار إلى خاصية الألوان في التلفزيون، لاسيما وأن هذه الآلية قد غزت قنوات أجنبية عدة، وكنت عضواً في فريق تأسيس أول تلفزيون ملون في الخليج، وقد دشن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، هذا العمل في العام 1974. وحينها حظيت بشرف مسمى أول مذيع مواطن يظهر على شاشة تلفزيون دبي.
صدارة دبي
ويوضح أن السبق كان من نصيب تلفزيون دبي في شراء بعض الأعمال وعرضها ضمن سوق الإعلام العربي، ومن بين هذه الأعمال مسلسل «درب الزلق» الكويتي وغيره من الأعمال المميزة. وفي تلك الفترة أُنشئت مؤسسة الخليج للأعمال الفنية في دبي، وكانت بمثابة الذراع الطولى لتلفزيون دبي في إنتاج المسلسلات، والحقيقة أن لدبي أيضاً الصدارة في سباق إنتاج الأعمال الملونة. بدأ الهش حياته مذيعاً ومحرراً لنشرات إخبارية ومترجماً وفنياً، ومن الصعوبات التي كثيراً ما كان يفاجئ بها، خبر عاجل غير مترجم، وقد كان يؤدي أدواراً ثلاثية وهي ترجمة الخبر وتحريره وإذاعته.
ويستطرد: في عام 1975 حظيتُ بفرصة تقديم برنامج البث المباشر بجهود ذاتية وبمساعدة الأخ العزيز صالح بو حميد، ونتيجة شح وسائل الاتصال فقد واجهنا صعوبة في عملية التواصل بين الأطراف، إذ ترد إلينا الشكاوي عبر الهاتف ونكتبها، وفي أحيان أخرى تصلنا عبر الرسائل المرسلة إلى صندوق البريد، فضلاً عن صعوبة نقل جهاز التسجيل إلى المسؤولين. ويؤكد الهش أن برنامج البث المباشر هذا يعد الأول في منطقة الخليج، وقد حقق نجاحاً منقطع النظير. وسررت لانتشار برامج البث المباشر الآن على نطاق واسع.
العمل في المجلس
واستمر الهش في العمل بإذاعة وتلفزيون دبي حتى مطلع عام 1982، إذ انتقل إلى أبوظبي بناء على طلب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إلى محطة إذاعة وتلفزيون أبوظبي، ومن ثم انتدب إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون مديراً للإعلام والإذاعة والتلفزيون لشهر واحد، الذي امتد إلى نحو 20 عاماً.
وتزامن عمله في الأمانة مع الاضطرابات التي مرت بها المنطقة جراء دخول الجيش العراقي إلى دولة الكويت الشقيقة، وكانت بعض القنوات الأجنبية تحتكر بث الإرسال الفضائي، إذ كان لها السبق في تغطية أحداث العملية العسكرية التي بدأت في 16 يناير 1991 ضمن حرب الخليج الثانية «عاصفة الصحراء»، لكن الهش حرص على شراء فترات زمنية متقطعة من الإذاعات والمحطات الأجنبية لعرض تلك الأزمة على القنوات الإعلامية المختلفة.
الرجل الأول
يؤكد سعيد الهش أن زايد، رحمه الله، كان رجل الإعلام الأول، يتابع وسائل الإعلام في الصباح الباكر وحتى وقت متأخر، وينصح دائماً بإعداد البرامج الهادفة وإنتاج المسلسلات التاريخية العربية الإسلامية، وعندما يرصد أخطاء في عمل ما، يوجه بتصويبها أو إيقاف العمل، خاصة إذا كانت تلك الأخطاء تتعلق بالهوية الإماراتية، أما ما ينال إعجابه من أعمال فيأمر، رحمه الله، بضخ المزيد منها.
ويضيف: مررت بجانب أحد القصور في أبوظبي أنا وأبنائي، وشدني رؤية الشيخ زايد، رحمه الله، يساعد العمال المزارعين، ويحفر بواسطة المجرف إلى جانبهم، فعرجت للسلام عليه وعرضت عليه المساعدة فشكرني وقال لي: لا داعي.
لياقة إعلامية لا تبهت
لم تستطع السنوات ولا الظروف التأثير بالإعلامي المخضرم سعيد الهش وبهوايته الإعلامية على حد تعبيره، إذ يؤكد أنه على استعداد تام لممارسة أي من مجالات الإعلام ومنها إذاعة نشرات الأخبار أو تقديم مناظرة إعلامية أو حتى إعداد برنامج.
ويلفت إلى أن الإلقاء بحاجة إلى لياقة كالرياضة، وعلى المذيع أن يتمتع بلياقة الأحبال الصوتية وكتم النفس وضبط مخارج الحروف والألفاظ، مشيراً إلى أنه لا يزال يتمتع بهذه الخصائص جميعها، إذ كان في ما مضى يقدم نشرات الأخبار أثناء زيارته إلى محطات الإذاعة والتلفاز في بعض دول الخليج.
صاموا العيد بسبب البث
يتذكر سعيد الهش في منتصف الثمانينيات، عندما أُعلن عن موعد حلول عيد الفطر المبارك بغتة، في يوم ظن فيه الجميع أنه اليوم المتمم لشهر رمضان، إذ أعلنت المملكة العربية السعودية الأمر بعد إغلاق بث القنوات الأرضية المحلية، وعجزت القنوات الأرضية المحلية عن إذاعة الخبر إلى حين إعادة البث صباحاً.
ويصف الهش: هذا الموقف كان صعباً وطريفاً في آن معاً، إذ كان الجميع متجهاً إلى العمل، وحينما أذيع النبأ توجه المواطنون والمقيمون إلى المساجد لأداء صلاة العيد، تاركين يومهم الذي اعتقدوا أنه يوم صيام عادي.



