المنتجات التراثية في عصرنا الحاضر لم تعد عملاً فنياً نعلقه على جدار الغرفة، أو نضعه على طاولة للزينة داخل المنزل، أو على طاولة المكتب، وقد تطورت لتحاكي متطلبات العصر، إذ يمكن استخدام هذه المنتجات في الاستعمالات اليومية المتعددة كحقائب اليد والأواني والمطرزات من (السدو) وعلب الهدايا والسلال وحقائب البحر من سقف النخيل (الخوص) وأغلفة المصاحف وأساور وإكسسوارات من (التلي).

بهذه الكلمات تشرح موزة عبيد الناصر مدير تنفيذي إدارة تطوير الأعمال في مشروع «صوغة» التابع لصندوق خليفة لتطوير المشاريع، رؤية مبادرة صوغة للعمل التراثي والحرفي، وتؤكد أن من أهم أهداف المشروع دعم الحرفيين والحرفيات والارتقاء بالمنتجات التراثية الإماراتية من خلال مدها بأفكار وأساليب جديدة، تواكب التطور الذي تشهده الدولة.

للمرة الأولى

وتقول موزة إن منتجات «صوغة» ستدخل السوق العالمي للمرة الأولى خلال أقل من شهرين، إذ سيبدأ تسويق المنتجات في بريطانيا بعد أن حققت منتجاتها التراثية نجاحاً متميزاً في الإمارات ودول المنطقة.

وتوضح مدير تطوير الأعمال أن صندوق خليفة لتطوير المشاريع أطلق مبادرة «صوغة» في 2009 بالتعاون مع عدد من الهيئات الحكومية، كمبادرة اجتماعية واقتصادية وتنموية معتمدة بشكل رئيسي على تطوير وتسويق المنتجات الحرفية المستمدة من التراث الإماراتي محلياً وعالمياً. وتهدف المبادرة إلى الحفاظ على التراث المحلي عبر تطوير المهارات الريادية لدى الحرفيات والحرفيين المواطنين.

تحديات كثيرة

وتضيف: رأينا أن هنالك أكثر من تحدٍ يواجه الحرفيين منها أن بعض المنتجات التراثية تتكرر منذ قديم الأزل من دون تطوير أو رؤية وأفكار حديثة تواكب العصر ومتطلبات السوق، وتتماشى مع رغبات المستهلكين، إضافة إلى أن بعض أصحاب الحرف ليس لديهم الخبرة في تسعير المنتج فإما هنالك مبالغة في الأسعار أو تخفيض لها بشكل كبير، إضافة إلى أن الحرفيين لم يكن لديهم نقاط لبيع منتجاتهم، وتلك مشكلة في الوصول إلى المستهلك وبيع المنتجات.

وتشير مدير إدارة تطوير الأعمال إلى أنه قبل مبادرة «صوغة» انقطع الكثير من الحرفيين عن الحرفة، ونحن عملنا على إعادتهم إلى ممارسة الحرفة، وأصبح لهم دخل اقتصادي مستمر، إذ استطعنا أن نوفر مصدر رزق للحرفيين، وأن نحافظ في الوقت نفسه على ديمومة التراث الإماراتي، وتلك مجموعة أهداف تندرج تساير مسمى «مجموعة عصافير بحجر واحد».

منتجات إماراتية

وتؤكد أن مبادرة «صوغة» عملت منذ تأسيسها على مواجهة هذه الصعوبات والتحديات والتغلب عليها، مشيرة إلى أن المبادرة لا تقبل أي منتجات، وهي تشترط أن تكون إماراتية 100% من ناحية المواد الخام، وأن تكون يدوية، وأن تكون السلعة لها مواصفات معينة ومتقنة.

وتلفت إلى أن المبادرة عملت وما زالت على تنظيم ورش عمل تدريبية للحرفيين تركز على الشباب لتشجيعهم على الانخراط في الأعمال الحرفية التراثية، وتقدم لهم أفكارا حول المنتجات وتعطي لهم الحرية لتصميم هذه المنتجات، كما تتواصل «صوغة» مع الهيئات الحكومية والخاصة للترويج لهذه المنتجات وتسويقها.

مشيرة إلى أن هنالك نقاط بيع لمنتجات «صوغة» في أكثر من مكان بالدولة منها على متن طيران الاتحاد وفي مكاتبها، ولدى شركة «الدار» وكشك في السوق المركزي بأبوظبي، وفي فندق «الوفت» وفي نادي «مونت كارلو» بجزيرة السعديات، وفي أبراج الاتحاد، إضافة إلى دبي في بعض المقاهي بالمراكز التجارية.

معدل الأعمار

وعن أهم الإنجازات التي استطاعت «صوغة» أن تحققها منذ تأسيسها عام 2009، قالت موزة الناصر إن المبادرة استطاعت أن تشجع الشباب على الالتحاق بالأعمال الحرفية وصقل مهاراتهم، وقد أصبحنا نرى حالياً أن معدل أعمار الحرفيات المنضمات للمشروع انخفض بعد أن كان معظمهن 60 عاماً فما فوق، وبالتالي ارتفع إقبال الشباب والشابات الإماراتيين على المشروع، خاصة وأنه يوفر لهم دخلاً مادياً جيداً، ويمنحهم أفكاراً فنية تدعم عملهم.

وفي ما يتعلق بعدد الحرفيين المنتسبين إلى مبادرة «صوغة» حالياً، أكدت موزة أن عددهم 100 منهم ثلاثة رجال، والباقي من النساء، ولديهم دخل شهري اقتصادي ومبيعات شهرية، بالإضافة إلى المتدربين والهواة الذين يجري العمل على تدريبهم وتطوير مهاراتهم.

وعن مكان إنتاج الحرف اليدوية، توضح موزة أن الإنتاج بالكامل يتم في المنزل، لأن المبادرة تشمل كافة مناطق الدولة من خلال فروع صندوق خليفة، مشيرة إلى أن أكثر الأعمال ازدهاراً والتي يكثر عليها الطلب هي أعمال (السدو).

خطط مستقبلية

وبالنسبة للخطط المستقبلية للمبادرة، تؤكد مديرة تطوير الأعمال أن الخطة المستقبلية تركز على زيادة عدد الحرفيات والحرفيين، والبحث عن أسواق جديدة عربياً وعالمياً بهدف دعم ديمومة التراث والاقتصاد والتعريف بالتراث الإماراتي عالمياً، مشيرة إلى أن منتجات «صوغة» أصبحت رائجة حالياً في بعض المناسبات، منها شهر رمضان والأعياد الوطنية وغيرها، إذ يتم صناعة سلال التمر أو الهدايا بأسلوب (السدو).

وعن مدى الاختلاف بين «صوغة» والمؤسسات التراثية الأخرى، تؤكد موزة أن عمل «صوغة» يكمل عمل تلك المؤسسات، وأن هنالك تعاوناً مثمراً لدعم الصناعات الإماراتية الحرفية، إلا أن العاملين في تلك المؤسسات من الحرفيين يتلقون رواتب شهرية كموظفين ونحن في «صوغة» لا نعطي رواتب.

وإنما نساعد الحرفيين على تأسيس مؤسساتهم الصغيرة بحيث يكون لهم الحرية الكاملة في اتخاذ قراراتهم وتصاميمهم، وبالتالي يكون دخلهم من هذه المنتجات وفقاً لنوع السلعة وجودتها والكمية، لأن السوق يحكم على الجودة والإبداع.

«ماركة» موثوقة

 تأمل موزة عبيد الناصر بأن تكون «صوغة» الوجه الأول الموثوق به داخل الإمارات لاستقطاب الحرفيين، والمؤسسة الأولى التي تجذب الحرفي الإماراتي، وأن تتحول إلى «ماركة» موثوقة تمثل المنتج الإماراتي بصدق. وعن قدرة المشرع على جذب الطلبة وتعريفهم بالأعمال التراثية الإماراتية، قالت إن المبادرة توفر برامج توعية في الجامعات، إضافة إلى الدورات التي تنظم لربات البيوت، إذ يُنظم سنوياً من 30 إلى 40 دورة، من خلال فريق عمل من مصممين ومتطوعين لتدريب الحرفيين.

 أم محمد الأكثر تميزاً في صناعة منتجات «الخوص»

 ريسة المنصوري أم محمد، تعتبر واحدة من أكثر الحرفيات نجاحاً وتميزاً في برنامج «صوغة» نظراً لتميزها في أعمال «الخوص» التي تحظى بإقبال وطلب كبيرين، إذ تشارك سنوياً في مهرجان «مزاينة الرطب» في ليوا بالمنطقة الغربية بأبوظبي، ضمن جناح خاص بها، وتقدم سلال للرطب، وعلب هدايا بأشكال وأساليب مبدعة من خوص النخيل.

وتؤكد أم محمد التي تعتبر من أوائل الإماراتيات اللواتي التحقن بمبادرة «صوغة» أن المشغولات التي تقوم بها من الخوص ومنها السلال وعلب الهدايا مطلوبة بقوة في السوق المحلي وأسواق الخليج، وأن الإمارات ودول المنطقة تحوي غطاء نباتي متميز من النخيل، يتجاوز 40 مليون نخلة، مما يوفر للحرفيين مادة أولية جيدة، مضيفة إن الأعمال المصنوعة من سعف الجريد تلاقي طلباً أيضاً، إذ تصنع منها الأطباق وأواني حفظ الطعام والحصر والمكانس ومن ألياف ساقه تفتل الحبال.

وتشجع ريسة بنات جيلها من الشابات على تطوير هواياتهن وتعلم الحرف الإماراتية، مؤكدة أن هذه الحرف لها ميزات عدة فهي توفر دخلاً كافياً، وتشجع على العمل في مشاريع صغيرة وتساهم أيضاً في الحفاظ على التراث وتطويره.

وتؤكد ريسة أن مشروع «صوغة» ساهم في صقل حرفتها، وتسويق منتجاتها من خلال تأمين حضور المنتجات في المعارض التراثية، والتعاقد مع طيران الاتحاد، علاوة على التعاون المثمر مع شركة الدار، من خلال التواجد الدائم لمشروع «صوغة» في السوق المركزي، والذي ساهم في توزيع المنتج بشكل أكبر.