من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية.

ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة». رأس الخيمة - رباب جبارة

من الصعب أن يفكر أي مشاهد للتطور والعمران والتنمية الشاملة التي واكبت مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة، ورأس الخيمة بصورة خاصة، بأن ذلك جاء بسهولة ويسر، فتاريخ النهضة الذي بدأ منذ أكثر من أربعين عاماً، شهد محاولات جادة من كل إمارة لتطوير كيانها في مختلف المجالات، وخاصة مجال البنية التحتية كي تكون خطوة لبناء الإنسان الذي هو الهدف والوسيلة من عملية التطور.

إمارة رأس الخيمة بدأت بكل تأكيد هذه المسيرة التي بلغت ذروتها بعد تولي المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة مقاليد الحكم في الإمارة في الخمسينات، وكان حرصه على بناء رأس الخيمة شاملاً وواسعاً وطموحاً جداً، لهذا فقد جاءت كل خطوة من خطوات البناء مسبوقة بفكر واسع وخطط مدروسة وانتقاء ذكي للقوى البشرية النوعية من أبناء رأس الخيمة القادرين على تولي المسؤولية بكل كفاءة، والسير بكل ثبات في سبيل تحقيق تلك الرؤى.

عبدالله يوسف مدير عام دائرة الأشغال لثلاث مرات في تاريخ الإمارة، بدءاً من عام 1963م، أحد الشخصيات البارزة في تاريخ رأس الخيمة القديم بل والحديث، فقد شهد وساهم في رسم صورة رأس الخيمة وفق الرؤية التي خطها له المغفور له الشيخ صقر، التقينا عبدالله يوسف لنكشف للقارئ خطوط حياته التي أسهمت في بناء لبنة من لبنات إمارة رأس الخيمة.

حارة الشيوخ

ولد عبدالله يوسف في حارة الشيوخ سنة 1944م، لعائلة ممتدة مكونة من أربعة أعمام يعيشون متجاورين في محبة، وكان الابن الأول الذي نال قسطاً من الدلال نتيجة تواجد ثلاث بنات في العائلة بعده، قبل أن يأتي شقيقه الثاني.

وكان والده آنذاك يعمل في تصليح الأدوات والأجهزة القديمة وحتى السيارات، إضافة إلى امتلاكه أول قارب «البوم» في المنطقة مع الشيخ صقر، ما مكنه من السفر والتجارة واقتناء الأشياء الجديدة من أجهزة ومخترعات حديثة وبضائع مختلفة.

تلقى تعليمه على يد بعض المطوعات المعروفات في منطقته في وقتها، كعلياء بنت أحمد، والمطوعة «موزانة»، فتعلم حفظ وقراءة القرآن الكريم والقراءة والكتابة، مقابل بعض الأموال البسيطة التي تدفع لهن كل يوم خميس، لذلك فقد أطلق عليها «الخميسة»، واستطاع بذكائه أن يختم القرآن الكريم.

وهو لم يتجاوز السابعة من العمر، وكان الصبي الذي يختم القرآن في وقتها تقام له «تحميدة»، وهي احتفال يلبس خلاله الصبي حافظ القرآن ثيابه الجديدة و«الجوخة» المطرزة، بالإضافة إلى «قحفية» ويمشي في المنطقة يرافقه أصحابه مرددين بعض الشلات والأشعار مثل «ليس الغريب غريب الشام واليمن آمين، إن الغريب غريب اللحد والكفن آمين، لا تنهرن غريباً طالت غربته آمين.. إلخ».

مسؤولية مبكرة

ونظراً لعدم وجود مدارس نظامية في ذلك الوقت، كان الشيخ صقر يستأجر بعض المنازل في مختلف مناطق رأس الخيمة ويعين فيها بعض المعلمين العرب، كي يعلموا المواطنين وفق المنهاج الكويتي، إلى حين تأسيس أول مدرسة نظامية، وهي مدرسة القاسمية عام 1955.

والتي التحق فيها عبدالله يوسف وهو في عمر الحادية عشرة، ونظراً لكونه أكبر من المبتدئين فيها، فقد كان يدرس فيها خلال الفترة المسائية، أما الفترة الصباحية فقد التحق خلالها بالعمل مع والده إلى أن تفرغ تماماً للعمل بعد أن حصل على تعليمه المتوسط.

ويؤكد مدير عام دائرة الأشغال أن مسؤولياته في الحياة بدأت في وقت مبكر بعد أن أصر والده على أن يتزوج وهو في عمر السابعة عشر، وبعد عام واحد شاءت الأقدار أن يتوفى الوالد في حادث سيارة جعل من الابن الشاب والأب لطفل، مسؤولاً عن عائلة مكونة من ابنه وزوجته وإخوانه الأصغر سناً، ما أشعره بمسؤولية دفعته إلى العمل بجد ومثابرة لدعم عائلته مادياً ومعنوياً بتربية وتعليم أشقائه، وفعلاً استطاع أن يمسك بتجارة والده ويحقق العديد من الإنجازات فيها رغم صغر سنه.

أول دائرة للأشغال

يبين يوسف أن بداية عمله الرسمي مع الشيخ صقر كانت عام 1965م حين طلب منه أن يمسك بزمام دائرة الأشغال التي أسست حديثاً، وكانت أول دائرة أشغال في المنطقة سبقت فيها رأس الخيمة باقي الإمارات، وكان وقتها في بداية العشرينات أي أصغر مدير دائرة في وقتها، وكانت أول مهمة يتولاها هي بناء شارع النخيل الذي امتد من الخور وحتى منطقة النخيل .

حيث «غلف سينما» حالياً، واستطاع بإرشاد من الشيخ صقر أن ينجز العديد من المهام، كإمداد رأس الخيمة بالمياه بعد حفر الآبار وبناء الشوارع وإنشاء محطة الكهرباء، ما أسس البنية التحتية الأساسية لرأس الخيمة قبيل إعلان الاتحاد.

ويضيف عبدالله إنه بعد إعلان اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة لم يعد هناك حاجة للدائرة التي تحولت إلى وزارة تتلقى الدعم المادي الكبير، وقتها اختار أن يخرج من الدائرة ليؤسس عمله الخاص بمباركة من الشيخ صقر، وقد ظل التواصل والتشاور قائماً بينهما لما يهم مصلحة الإمارة، لتحكم هذه المصلحة بعودة عبدالله يوسف من جديد إلى دائرة الأشغال التي أعاد افتتاحها الشيخ صقر.

واقتطع جزءاً من مهام البلدية لتخصيص الفائدة وترتيب الأشغال في الإمارة، وذلك عام 1985، ويستمر في العمل تحت لواء صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة، الذي كان رئيساً لدائرة الأشغال، ويعاود الخروج منها عام 1989م، ويعود إليها من جديد بدافع رغبته الحقيقة في وضع بصمته على التطور الذي تشهده رأس الخيمة بيد ولي العهد سنة 2010م، الذي أصبح حاكماً للإمارة عام 2011م.

التربية بالحب

يرى عبدالله يوسف أن أفضل طريقة لتربية الأبناء، هي التربية بالحب والنصيحة الحسنة، مؤكداً أن علاقته بالأبناء كانت ولا تزال محاطة بالمحبة التي جعلت منهم رجالاً يفخر بهم وبمحبتهم له ومحبته لهم، مضيفاً إنه يتخذ من الحوار مبدأ دائماً في حياته مع أبنائه وموظفيه، فمن خلال الاستماع الجيد يستطيع أن يقدم النصيحة ويوجه الفرد إلى ممارسة السلوك الصائب.

ويبين مدير عام دائرة الأشغال أنه كان مديراً في شركته الخاصة لأكثر من عشرة آلاف موظف، ولا يزال بعضهم يتواجد في الشركة رغم مرور سنين طويلة، لارتباطهم وحبهم للعمل الذي يقدرونه ولأنه يقدرهم، فأي موظف في العالم يبحث عن البيئة المريحة والصحية لاستمراره، ولا شيء يستطيع إجباره على البقاء مادام لا يرغب في هذا الأمر، خاصة مع تواجد الكثير من فرص العمل النوعية في مجتمع دولة الإمارات المستمر في النمو.

رمضان الماضي

يصف عبدالله يوسف رمضان في السنوات الأولى من حياته بالحميم جداً والروحاني، نظراً لبساطة الحياة وخلوها من الملهيات التي تلهي عن الإحساس بالمعنى الحقيقي للصيام والعبادات المختلفة، فقد كانت بساطة الحياة تشعر الفرد بكل تفاصيل المتعة الرمضانية التي ظلت قائمة آنذاك.

ويتذكر أبو يوسف إنه حين كانوا صغاراً غير قادرين على الصيام كانوا يتسللون لأكل بقايا «الحدرة» المكونة من وجبة السمك والأرز، التي كانت تعدها والدته للسحور، إلى حين وقت الإفطار الذي كان يجمع أعمامه على مائدة مكونة من الوجبات التي أعدها كل منزل من الثريد والهريس واللقيمات.

مؤكداً أن البركة كانت تعم المائدة رغم بساطة المكونات، بل وتتسع للتوزيع على باقي الجيران. وأجمل لحظات رمضان كانت عند انتهاء صلاة التراويح عندما يذهب الصغار والكبار إلى أحد المطاوعة لقراءة القرآن، من أحد المتواجدين بقراءة مجموعة من الآيات بصوت عالٍ يسمعه الباقون، وعند انتهائه يبدأ شخص آخر بقراءة آيات أخرى، ويبقون كذلك حتى ينتهوا من قراءة مجموعة من أجزاء القرآن التي تمكنهم من ختم المصحف في أقل من أسبوع.