من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».

وسط واحات النخيل وبين الندود والحصون ومياه الأفلاج، وفي أحضان جبل حفيت الحصين المدافع عن حضارة عمرها آلاف السنين، وعلى مقربة من إحدى القلاع في حي الهرموزي، أبصرت فتاة عيناوية النور، أطلق عليها والدها راكان بن سرور الظاهري، اسم غاية، ومن هناك تبدأ الحكاية.

تلك المرأة العيناوية التي لا تزال حتى اليوم تذهب صباح مساء إلى واحات النخيل، تبادلها الشوق والحنين لذاك الزمن الجميل، تسلقت ذات يوم جبل حفيت مشياً على الأقدام، شغوفة بالتراث والتاريخ، وروايتهما بطريقة علمية وإبداعية، مشوقة، ترسم لك مدينة العين لوحة رائعة بأصدق وأعذب الكلمات، تأسرك في السرد والمضمون، وبصدق المشاعر، من خلال كلمات تبيّن مدى عشقها وحبها لكل ذرة من تراب الوطن، بل أكثر من ذلك فقد حملت في حقيبة سفرها عندما غادرت الدولة برفقة زوجها، كمية من تراب مدينة العين، خبأتها بين طيات الملابس، ثم جعلت منها وسادة فوق سرير نومها، تغفو وتصحو عليها، وعندما عادت إلى الوطن أبقتها هناك في منزل الغربة، وقد غرست فيها جذع نخلة من نخيل واحات العين، لتقول للناس: هنا الإمارات.

مخزون الذكريات

غاية التي تحمل مخزوناً من القصص والحكايات التي سمعتها من الجدات والأمهات، وبعد أن رافقت زوجها 30 عاماً في الغربة حينما كان يمثّل دولة الإمارات، وأكملت تعليمها في جامعة «برايتن» البريطانية في علم الأنثروبولوجيا وانتهت من تعليم أطفالها، وبعد أن رحل الزوج إلى بارئه في حادث سير أليم في مدينة العين، وبعد أن اطمأنت على مصير أبنائها، تفرغت لتروي لأبناء الوطن القصص والحكايات كما سمعتها وعاشتها. تقول غاية: كان الرجل من أهل العين، يرفض القول إنه أنشأ مزرعة أو زرع منطقة مليئة بالنخيل، ولكن يقول إنه ابتدع النخل، ولذلك هناك بدع فلان وبدع علان، كما هي بدع زايد وهكذا، وكل منطقة تصــبح واحة غناء بالزراعة حيثما حل البشر.

وسط كل تلك الواحات والأفلاج والقلاع والحصون، ولدت غاية قرب متحف العين الوطني، وهي حارة بنيت قبل بناء الحصن، ويطلق عليها مشينجة، ومن هناك صنعت لنفسها مخزوناً تراثياً عميقاً وأصيلاً.

أيام الفزعة

تضيف غاية: أهل والديها أخبروها أنهم ساهموا في بناء الحصن، لأن الأهالي في ذاك الزمن كانوا ينجزون أعمالهم بالفزعة، وهي أكثر الأخلاق رقياً وعزة ونخوة، لأن الإنسان يفزع أي يبادر لمساعدة من طلب منه الفزعة، ولذلك حين تقرر بناء الحصن كان الجميع يساهم، وإن القلاع والحصون هي أكثر ما كان يميز العين، لأنها منطقة غنية بالثروات، وكان لا بد لأهلها من تحصينها وحمايتها. وفي تلك المرحلة كانت المرأة لا تختلف عن الرجل في كثير من المهام، فهي معه يداً بيد من أذان الفجر وحتى مغيب الشمس.

المرأة شريكة

وتوضح أن والدهــا كان من أوائل من استجابوا لدعوة المرحوم الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان، عندما أسس شرطة أبوظبي، ثم بعد ذلك في الجيش الذي تأسس في الشارقة في عهـــد الإنجليز، وتقاعد وهو برتبة مقدم، وقد تعلمت على يد جدتيها، بدءاً من قصار السور من أجل الصلاة، إلى كيف تكون الفتاة راعية خلق وكرم ورقي في طباعها، ومنهما حفظت القصص والحكايات التي تروي التاريخ والبطولات.

أيام المطاوعة

تقول غاية إنها مثل أي فتاة في ذاك الزمن، تعلمت من المطوع ابن زهير ومحمد الكندي ثم سالم بن طناف، حيث كان الأطفال ينتقلون من مطوع إلى آخر، وكان مكان الدروس تحت شجرة قرط أو تحت النخل وبجانب الفلج، وعندما افتتحت أول مدرسة التحقت بها، وكانت مدرسة أسماء بنت أبي بكر، عبارة عن بـــيت شعبي في منطقـــة الجاهلـــي، وتذكر أن والدها اشــترى إحدى المركبات من مخلفات الجيش البريطاني الذي كان موجوداً حينذاك والتي تسمى- فنش الشارقة- لينقل بها بنات الفــريج إلى المدرسة، فيما كانت العودة سيراً على الأقدام بين الواحات وأفلاج المياه.

وتشير غاية إلى أن من بعض عادات أيام زمان، أن الأهل كانوا يحجزون الفتاة وهي صغيرة، لأحد الفـــتيان من أقارب أسرة الأب أو الأم، ويقال إن الفتاة (محيرة لفلان)، ولذلك زوجت وهي في الرابعة عشرة من عمرها.

وسادة الرمل

وبعد غياب طال أكثر من 30 عاماً في صقيع الغربة، الذي تبدده وسادة الرمل الإماراتي، عادت غاية إلى دفء أحضان الوطن، تحمل طموحاتها وخبراتها الأكاديمية لتوظفها في إجراء البحوث والمشاركة في الندوات والمؤتمرات واللقاءات، وبدأت تشعر أن كل معلومة إنما هي جوهرة يجب أن تحافظ عليها بل وأن توثق لها، وبات كثير من الباحثين والمختصين والمؤسسات، يأتون إليها للحصول على ما يريدون من المعلومات، كما أنها شاركت في مؤتمرات تخصصية إقلـــيمية ودولية، وسجلت العديد من البرامج التلــــفزيونية التي ترصـد تطـــور الحياة في مجتمع الإمارات، منها برنامج من ست حلقات لقناة bbc.

مواقع وأحداث

ولا تزال غاية تذكر أسماء المواقع والأحداث، وتروي بفرح والبسمة تعلو محياها قصة تسمية بعض المناطق بالبدع أو بالند، مثل بدع محيميد وند مبروك وندود جهام، مشيرة إلى أن كلمة ند مستوحاة من صميم لهجة أهل الإمارات، الضاربة في جذور اللغة العربية رغم التداعيات الكثيرة، وأن تلك الندود سميت بأسماء أصحابها، وكان ذلك يحدث عند تجهيز السكان المناطق الزراعية، وحين يرغب أحدهم في بدع النخل، يجب أن تكون الأرض منخفضة عن مستوى الفلج من أجل عملية الري، فكان الرجل يطلب الفزعة من جيرانه، فيفزعون له لإنجاز العمل، وما يستخرج من الأرض كان يسمى نّطلة، وهي تجمع في منطقة واحدة خلال عمليات الحفر، وعند الانتهاء يجدون أنهم حصلوا على تل مرتفع.

وذلك التل كان يسمى نداً، ويطلق عليه اسم صاحب الأرض أو اسم أحد أولاده أو بناته حسب رغبته، وهناك أيضاً ند النّطلة وند محشورة، وكانت تلك الندود تستخدم لأغراض كثيرة، كأن تصبح مكاناً للسهر في أيام الصيف حين يلتقي الرجال ليلاً بعد صلاة العشاء، فيلقون القصائد والشلّة والونة، إضافة إلى ممارسة بعـــض الألعاب، كما يتبادلون الأخبار والسير ويعقدون الاتفاقات والصفقات التجارية.

البيع والشراء

وتعتبر الندود مكاناً مناسباً لبناء المساجد، كما أنها تصبح أماكن مفضلة للبيع والشراء وعرض البضائع من أصحاب المهن اليدوية التي كانت منتشرة بكثرة في ذاك الزمن، فكل ما يحتاجه الشخص من ملبس أو أدوات كان يصنع محلياً، ويستمر عرض تلك المصنوعات منذ الصباح الباكر وحتى أذان الظهر، فيغادر الناس الندود إلى الصلاة ثم يتزودون بمتطلبات الحياة اليومية، ويعودون إلى المنازل.

وقد استخدمت بعض الندود مواقع حصينة للدفاع عن المدينة في الحرب، مثل ند الرصاص الذي كان يمتلئ بالرصاص الذي يطلق من الطرفين، وكانت النساء يذهبن بعد توقف القتال إلى ند الرصاص، ومعهن الغربال لنخل الرمال من أجل استعادة الرصاص الفارغ والاستفادة منه في الكثير من الصناعات المحلية بعد صهره، فهو من النحاس، والأدوات النحاسية هي الأكثر استخداماً في البيوت.

 

 

أسماء في الذاكرة

 

من بين الأسماء والمسميات الخالدة في ذاكرة غاية: «ميثور قمرة يشجي السهرة».. الميثور عبارة عن بكرة من النحاس تستخدم لري الحقول من الآبار وكان صوتها شجياً، لاسيما وأن سقاية الأرض كانت تتم على ضوء القمر ويسمى نظام اليارزة.

أما الهنجري فهو مالك الأرض وصاحب مكانة اجتماعية، الذي يمنح زراعة أرضه لأشخاص، وتسمى هذه العملية بالبيدرة، والبيدرة عبارة عن أجرة هي عذق من كل شجرة نخيل يمنحها الهنجري.

والشفية هي كلمة تختلف عن الهدية، فالهدية ما تحمله شخصياً وتمنح إلى شخص من خارج المنزل، أما الشفية فهي ما يقدم للضيف داخل المنزل ولها أشكال مختلفة.

والعيالة هي صيحة حرب عندما يهجم المقاتلون، والعرضة عند اعتراض العدو، الرزفة استعداداً للمعركة، والطقف هي اللحاق بالعدو لاسترجاع ما نهبه، والعازي حالة من الاعتزاز والحماسة.

أما عود التوبة فهو مكان في العين على حدود مدينة البريمي، كان يزرع فيه بعض أنواع شجر الغاف التي مازالت موجودة حتى الآن، وكان الشيخ زايد الأول - رحمه الله- يجمع الأعواد من تلك الأشجار لتأديب الخارجين عن النظام، فسميت عود التوبة، والعنقور هو عنقود العنب الناضج.

غاية الظاهري تتولى حالياً تنظيم الدورات للمرشدين، وتحرص على أن تذهب كل يوم إلى مزارع أهلها في مدينة العين، وتستدعي فيها الذكريات الجميلة والراسخة، وإن وجدت في طريقها أي حافلة تقل السياح الأجانب، فإنها تتطوع لدعوتهم إلى مناطق النخيل والأفلاج، وتبدأ في شرح تاريخ المنطقة، ولا تنسى أن تتيح لهم الفرصة للتمتع في واحات النخيل، حيث نسيم الهواء العليل.

عادات

المرأة والأدوار غير المنتهية

تشير غاية إلى أن عادة ارتداء النقاب لم تكن موجودة عند الفتيات في ذاك الزمان، بل كانت الفتيات محجبات بشكل أنيق وجميل ومحتشم، وكانت المنتقبات بعض السيدات المتزوجات، وكانت المرأة تصحو منذ الصباح الباكر مع أذان الفجر لتجهيز فطور أبنائها وزوجها قبل أن يتوجه إلى العمل، لاسيما وأن أكثر الأعمال كانت في الزراعة، ودباغة الجلود وصناعة الخزف والفخار.

كما إنها تحلب الماشية وتستخرج الزبدة لإعداد اليقط من الجامي، وتجميع بعض الأعشاب التي كانت تستخدم في تطيب الطعام، كما أن البعض منهن عمل في التجارة وصناعة بعض الأدوات المنزلية والملابس، والناس لا تبيع بالنقود بل بالمقايضة والمبادلة، ولحوم الدجاج لا تُشترى لأنها متوفرة في كل بيت، وبعض المنتجات لا تباع بل تهدى للجيران والأصدقاء، والبيت يحتوي من 7 إلى 10 بقرات، والسمن كان يفيض عن الحاجة ويصدر إلى سكان السواحل.

وتضيف غاية إن المرأة وبعد أن تنتهي من عمل الصباح تتجه لاعداد القهوة، وقد كانت تستخدم الرشاد، وهو أداة مصنوعة من النحاس لتكسير حب القهوة وطحنها، وكانت النساء تتفنن في إصدار الأصوات والإيقاعات من الرشاد، وهي مهارة خاصة، كما أنها أداة للتنبيه ورمز للكرم، والمجتمع كان متديناً وليس متشدداً والجميع يصلي في المسجد.