من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
اتسمت طفولته بالشقاء والعفوية، وقد عاش تفاصيلها بعيداً عن التقنيات الحديثة والتكنولوجيا وما يقع تحت طائلتها، وحياته حافلة بذكريات «الفريج»، فيها العديد من المفارقات بين الحياة الماضية والحديثة.. منذ طفولته بدت توجهاته مختلفة، وبعد انخراطه في العمل كرس حياته لمساعدة الناس وإنقاذ حياتهم، فحقق بطموحه العديد من الإنجازات.. إنه الرائد أحمد عتيج بورقيبة نائب مدير إدارة الإنقاذ والمهمات الصعبة بالإدارة العامة للعمليات في شرطة دبي.
في هذه الزيارة استعاد بورقيبة شريط ذكرياته التي لم تخلُ من المواقف الطريفة والمأساوية في آن معاً، فاستهل حديثه قائلاً: ولدت في منطقة جميرا وترعرعت فيها، ونهلت مبادئ الحياة وخبراتها من والدي وأهل «الفريج»، وتلقيت التعليم الابتدائي في مدرسة أم سقيم، والإعدادي في مدرسة آل مكتوم، أما الثانوية فكانت من أصعب المراحل، وقد أنهيتها في مدرسة الإمام مالك.
ويضيف: من أجمل الأيام التي قضيتها في طفولتي تلك التي عشتها في أرجاء الفريج، والتي حظيت بمميزات قلما نجدها اليوم بسبب انشغال الناس وتفكك المجتمع، ففي السابق كان جميع من في «الفريج» يشارك في تربية الأبناء وتعليمهم، ومن شدة ترابطهم تراهم يميزون سريعاً أي شخص غريب يدخل إليه، كما أن أبواب المنازل كانت مشرعة أمام الجميع، وكانت البيوت المجاورة محطات لنا نلجها بشكل يومي للعلب والتسلية، لكن دوام الحال من المحال، فقد اختلف الوضع اليوم وأصبح بعض الجيران لا يعرفون جيرانهم.
هيبة المعلم
لذكريات الدراسة طابع مختلف عند أحمد، خصوصاً في المرحلة الابتدائية مع الأستاذ نمر، الذي كان مصدر رعب الطلاب في المدرسة، وعلى الرغم من أن الضرب كان أداة التفاهم لدى الكثير من المعلمين آنذاك، إلا أن ذلك لم ينقص من شأن أحد، فقد كنا نرتجف خوفاً عند مشاهدة معلمنا خارج المدرسة، واليوم تلاشى هذا الخوف وذهبت الرهبة ومعها هيبة المعلم. ومن مواقف الضرب التي لا تفارق مخيلته عندما كان في الصف الثاني إعدادي، وقد كان معلمه حمود يطلق عليه مسمى «دكتور» لأنه كان يرتدي نظارة، وأثناء تفتيش الأستاذ حمود على الواجبات المنزلية، غالباً ما تكون البداية من عند أحمد، لذلك كان يتحاشى الضرب باجتهاده ومذاكرته اليومية.
ويقول: في أحد الأيام أثناء السؤال عن الواجب، حينها كنا مقبلين على إجازة الربيع، وقد نسيت حل الواجب، فقال لي سأضربك ضربة واحدة لن تنساها حتى تعود من الإجازة، وبالفعل ضربني ضربة قوية تركت أثراً بين أصابعي حتى عدت من الإجازة، وعلى الرغم من الضرب الذي كنا نتجرعه بشكل يومي، فأنا أراه إيجابياً لأنه يزرع في نفوسنا الالتزام، ويحقق هيبة واحترام المعلم في آن واحد.
ويواصل بو رقيبة: من المفارقات التي نجدها اليوم بين حياة الماضي والحاضر، ضعف العلاقات الاجتماعية والتواصل بين أفراد المجتمع والأصدقاء، بسبب الانغماس في مشاغل الحياة واللهو بمغرياتها، وحتى أن مضامين الحوارات في المجالس لم تسلم من هذا التطور، ففي الماضي إن جلس الأصدقاء معاً يكون اهتمامهم منصباً على التحدث عن الصيد والبحر وعن بساطة الحياة، أما اليوم فنجد معظمهم منهمكا بالتقنيات الحديثة التي غزت حياتنا، وأصبحت الشغل الشاغل للكبار قبل الصغار.
حلم الطفولة
ويتابع: بعد أن أنهيت الثانوية، بدأت أفكر في تحقيق حلم الطفولة بأن أصبح طياراً حربياً، ولشدة تعلقي بهذه المهنة، فقد كانت جدران البيت مغطاة بصور لأنواع متعددة من الطائرات الحربية، لذلك بادرت فوراً للتسجيل في هذا التخصص، وبعد إنجاز الاختبارات المختلفة والفحوصات اللازمة، جاءني خبر إخفاقي بسبب ضعف نظري قليلاً، وهو ما يتنافى مع اشتراطات القبول، فقد كان للخبر وقع كبير على نفسي، وفقدت رغبتي في الالتحاق بهذا الحلم، فمكثت في حال صعبة مدة عام بأكمله، قضيت جزءاً كبيراً من أيامه خارج المنزل برفقة أصدقائي، وقد كان أبي حريصاً على اختيارهم بدقة وعناية.
وبعد عام بحثت عن العمل لدى المؤسسات الحكومية، ولم أجد فيها ما يتناسب مع ميولي، فقرر والدي أن يتقدم لي بطلب وظيفة في القوات المسلحة، وتم استدعائي للمقابلة، وكنت حينها لا أزال في فترة مراهقة، وكل احتياجاتي موفرة لي، ولم أشعر بضرورة ارتباطي بالوظيفة، غير أن والدي كان مصراً على أن أحصل على الوظيفة.
خوف وتميز
ويتابع أحمد بورقيبة: عُرف عني منذ طفولتي بين أصدقائي وأهلي، خوفي من رجال الشرطة، وكانت الرجفة لا تفارقني عند مشاهدة أحد أفرادها، كما كانت كلمة الشرطة وسيلة تهديد وردع يستخدمها والدي ليحد من بعض الأفعال والتصرفات التي أقوم بها، ولم أتخيل منذ طفولتي أن التحق بالعمل في الشرطة، لكن ورغما عني قدم لي والدي طلب الالتحاق بها، واستدعيت للمقابلة وسُئلت حينها عن أسباب رغبتي في الالتحاق بالسلك الشرطي، فكان جوابي: «لا أرغب في العمل بالشرطة»، ولكن والدي كان مصراً على حصولي على وظيفة فيها.
ومن المواقف التي لا أنساها أنه في صباح أحد الأيام كنت غارقاً في نوم عميق، وكانت في ذات اليوم المقابلة النهائية لي، واجتيازها يعني التحاقي بكلية الشرطة، وإذ بوالدي يجرني من أذني بشدة، ويصحبني بسرعة إلى لجنة المقابلات من دون أن يترك لي مجالاً حتى لمجرد غسل وجهي. ويضيف: تجاوزت المقابلة بثقة كبيرة، والتحقت بكلية الشرطة، وحينها كانت البدايات الأولى لتأسيس فرقة المهمات الصعبة، التي تلقيت برامجها التدريبية، ومنذ الأيام الأولى في الكلية بدأت رؤيتي للحياة المهنية في تحول مستمر، وأصبح عملي في الشرطة من أول اهتماماتي في الحياة.
وذلك لما تلقيته فيها من إرشادات وتوجيهات قومت سلوكي وتفكيري، وصححت الكثير من الأخطاء التي كنت أرتكبها دون إدراك، وتغيرت نظرتي إلى بعض الممارسات والسلوكيات، حتى أن اختياري للأصدقاء أصبح مختلفاً، ويمكن أن أوجز حديثي بأني ممتن لوالدي لأنه جرني من أذني للمقابلة وفرض علي دخول الشرطة، وأحمد الله كثيراً في كل يوم لأنني التحقت في هذا المجال، ليس لمكانتي اليوم، وإنما لما حظيت به من فكر ودعم ساهم في تغيير مسار حياتي.
مشاعر نبيلة
يقول الرائد أحمد بورقيبة إن الإنقاذ من المهمات الصعبة والمحفوفة بالمخاطر، ومهمتنا تتحدد في إنقاذ الأرواح بالدرجة الأولى تليها الممتلكات، وعلى الرغم من خطورة هذه المهنة والمشاهد الأليمة التي تتكرر في كثير من الأحيان، إلا أن ذلك لم يثنِ العاملين عن حب هذه المهنة والتشبث لأداء واجباتهم، إذ تدفعهم مشاعرهم النبيلة، وإحساسهم المفعم بالإنسانية إلى إنقاذ الأرواح.
ويتابع: لا شك أن الرؤية الثاقبة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، للوصول إلى العالمية، ساهمت في تعزيز التنافس، ودفعت باتجاه ابتكار أساليب جديدة، استطعنا من خلالها الحصول على مراكز متقدمة في العمليات والإنقاذ، وكانت أول مشاركة على مستوى العالم في عام 2003 والتي من خلالها صُنف الفريق الإماراتي على أنه الأفضل من بين ثلاثة وأربعين فريقاً مشاركاً من مختلف دول العالم، بالإضافة إلى العديد من المشاركات على المستوى المحلي أو الدولي. لعبة صديقي
بعض مواقف الطفولة ترافق الإنسان طيلة حياته، ومهما حاول الزمن أن يمحوها لن يجد سبيلاً إلى ذلك، هذا ما قاله بورقيبة وهو يستحضر بعض مواقف الطفولة، ولعل من أبرزها ذلك الموقف الأليم الذي ترك بصمة على رجله، إذ يقول: كنت حينها في الخامسة من عمري وكغيري من الأطفال كنت أحب اللعب واللهو، وفي أحد الأيام خرجت من منزلنا برفقة أحد أصدقائي للعب.
وفي ذلك الوقت كانت البداية لإنشاء شارع جميرا، وكانت المنطقة مزدحمة بالحفريات والمعدات والعمال، وتوقفنا للعب قرب حفرة، ولم نكن نعلم أن بداخلها أسفلت ساخن، وأثناء اللعب سقطت لعبة صديقي في الحفرة، فقفز خلفها ليعيدها فاحترقت أصابع رجله وبدأ يصرخ عالياً، ما دفعني إلى محاولة إنقاذه، فمددت له ذراعي لكنه جرني بقوة حتى يتمكن من الخروج، وبالفعل أخرجته ولكني سقطت مكانه ومكثت في الحفرة بضع دقائق، أما صديقي فقد لاذ بالفرار وتركني، ولا أذكر بعد ذلك سوى أن وجدت نفسي في المستشفى بسبب إصابتي بحروق بليغة في رجلي ظلت آثارها حتى اليوم.
أولاد عمي
مرحلة المراهقة من أصعب المراحل التي تحدد سلوكيات الشخص، إذ تكون نسبة التأثر بممارسات الأصدقاء فيها كبيرة، لذلك حصن بورقيبة نفسه ضد السلوكيات السلبية بالامتثال إلى نصائح والده، وفرض العديد من التساؤلات حول السلوكيات التي يراها، فإذا وجد إيجابيات من السلوكيات التي سيقدم على فعلها فإنه لن يتردد في ممارستها، ولعل من أبرز السلوكيات التي كانت منتشرة حينها التدخين، ونتيجة تهافت الشباب على ممارسة هذه العادة السيئة قرر أحمد أن يجرب التدخين برفقة أولاد عمه، فكانت البداية في لف الورق على شكل سجائر وتدخينه، وبعد مضي أيام على هذه الممارسات الصبيانية، اكتشف أنه لن يجني فائدة من ذلك، فقرر عدم العودة إلى التدخين مرة أخرى، وأيده بذلك أحد أولاد عمه، فتمكنا من إقناع البقية بترك التدخين.
حقائق
الراتب
يقول بورقيبة: أول فرحة يمر بها الشخص بعد الوظيفة، هي فرحة أول راتب، والذي لا تزال أجواؤه راسخة في ذهني، حينها كنا نقف في طابور ونستلم الرواتب واحداً تلو الآخر، وبعد تسلمه تسبقنا خطواتنا إلى بيوتنا، فنقسمه على جميع أفراد العائلة صغاراً وكباراً، وذلك المبلغ رغم بساطته، إلا أنه كان كبيراً في تلك الأيام. والحمد لله كان يكفي.
التسمية
أشار بورقيبة في حديثه إلى أن اسم «بورقيبة» ارتبط باللقب الذي كان يُطلق على جده، والذي كان طويل الرقبة، وكان يتجول في الفرجان لبيع اللؤلؤ والأعشاب والأدوات الطبية، ويحمل أثناء تجواله كيساً بلاستيكياً كبيراً يعلقه في رقبته، فأطلق عليه أهل الفريج لقب أبو رقبة والذي تحول بعد ذلك إلى بورقيبة وعرفت العائلة به.
رمضان
يعتبر أحمد بورقيبة شهر رمضان من الشهور التي ينتظرها المسلمون بفارغ الصبر، ويبقى لرمضان ما يميزه من خلال الطقوس والعادات التي يحافظ الشخص على ممارستها في كل عام. ومن العادات التي أحرص على أدائها في هذا الشهر الفضيل زيارة الأقارب وتناول بعض الأكلات مثل اللقيمات والشوربة، والتي لا أستغني عنها، كما أحرص على الإكثار من العبادة والتي تهبني الراحة والتفاؤل.





