يقف المرء أمامه منبهراً، وهو يشعر وكأنه يستمع إلى حكايات سندباد أو مغامرات ابن بطوطة.. أن تجوب العالم بأسره بسيارة أمر يراه البعض أقرب إلى المستحيل أو الجنون، لكن ما فعله عوض محمد بن الشيخ مجرن وأعضاء فريقه واقع صعق به الكثيرون. ولا مجال هنا، إلا الإسهاب في الحديث عن سفرياته ومغامراته ورحلات بأخطارها الكبيرة، والتركيز أيضاً على جوانب أخرى من شخصيته.

منذ نعومة أظفاره، وهو يعشق الترحال والسفر إلى أصقاع جديدة يمتع بها عينيه، ولم يتردد في خوض تجارب شتى، حسب ما يؤكد عوض بن مجرن في هذه «الزيارة» إذ يقول: كنت أرافق والدي باستمرار في سفرياته ورحلات الصيد إلى البر. وقد ساهم تقارب بيوتنا وتداخل فرجاننا قديماً في تحفيز الكثيرين على المشاركة في رحلات جماعية إلى البر، فضلاً عن الإبحار المتكرر لاكتشاف سحر المياه الزرقاء، ونحن في سن مبكرة. وقد كنت حاضراً في رحلات مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وفي واحدة منها إلى كراتشي، وأخرى داخل البلاد إلى جزيرة صير بو نعير ومنطقة الخران في رأس الخيمة وحتا، فضلاً عن رحلات القنص السنوية. وكنت حريصاً على ارتياد مجالس الكبار ومرافقة والدي إليها، ونهلت من مجلس، المغفور له بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الكثير، واستقيت دروساً ساعدتني في التغلب على أعباء الحياة.

قرار السفر

ويضيف: بعد أن أنهيت تعليمي في المدرسة، قررت مع ابن عمي أن نخوض تجربة جديدة في الخارج، واخترت السفر إلى الخارج لإكمال الدراسة، وتخصصت في إدارة الأعمال، ووجدت منفذاً لمتابعة هوايتي ريثما أنهي الدراسة، فاستثمرت أوقات الفراغ والإجازات في عمليات البحث والاستكشاف، وزرت الدول المجاورة لأميركا كلما سنحت الفرصة لذلك، وأهم ما كان يميزني آنذاك تعمقي في ثنايا المكان المقصود ومحاولة التعرف على المجتمع الغربي من جميع الزوايا، وهكذا ظلت مغامراتي مشتعلة حتى انتهت فترة الدراسة وعدت إلى البلاد.

ثم بدأت سلسلة من الزيارات إلى دول كثيرة بالطائرة، وشعرت أن رصيد معلوماتي يرتفع كل ما وطأت قدماي أرضاً جديدة، وقد اكتسبت خبرات كثيرة جراء رحلات السفر، فتجدني أبحث في تلك الدول عن مناطق غريبة، وألتقط صوراً لآثارها ومعالمها التاريخية والسياحية، وكلما أنتهي من زيارة دولة أدوّن تلك المعلومات وأحفظ الصور والمرفقات في أرشيف خاص.

العودة إلى الوطن

ويستطرد: انخرطت في العمل بالدائرة الاقتصادية بإمارة دبي منذ بداية نشأتها، ونتيجة ميولي إلى التصوير من جهة والاستكشاف من جهة أخرى، أسست مركزاً إعلامياً، وقد تطور هذا النشاط لاحقاً إلى شركة خاصة بالدعاية والإعلان، وفي العام 1993 أصدرت مجلة متخصصة في السفر والرحلات، وامتد بي الطموح إلى أن أصور أفلاماً وثائقية في بعض دول العالم، وفجأة راودني شعور يحثني على ضرورة مزج التصوير بالرحلات.

ورغم تزاحم الأعمال وتكدسها، إلا أن فكرة السفر حول العالم بدأت تحوم وتتبلور في رأسي شيئاً فشيئاً، فطرحتها على بعض الأصدقاء الذين استهجنوا الفكرة وواجهوني بصفات الجنون والتهور واللامبالاة، لكنهم لم يفلحوا في وأد رغبة السفر. واتجهت إلى فريق آخر من الأصدقاء، فرحبوا بالفكرة وتحمسوا لها. ويضيف: كنت بحاجة إلى من يسدي النصيحة لي، فتوجهت إلى الشيخ حمد بن حمدان آل نهيان بصفته صاحب أفكار مميزة، وتجاذبت معه أطراف الحديث، وتعمقنا في تفاصيل الرحلة، ووجدت لديه كل التشجيع والتحفيز للبت في المشروع والبدء فيه، ولن أنسى مطلقاً وقوفه إلى جانبنا حتى تكللت الرحلة بالنجاح.

أول العثرات

لم يكن طريق الرحلة مفروشاً بالورود، وأول العثرات بدأت في إقناع الأسرة بهذه الرحلة أو المغامرة، وقد واجهتنا كفريق «رحالة الإمارات»، صعوبة بالغة في إقناع الأقارب بهذه التجربة المخيفة، حتى أخبرناهم أنها مجرد رحلة قصيرة إلى أوروبا، لطمأنتهم وتبديد خوفهم، خاصة وأن جملة «حول العالم» غير قابلة للنقاش من طرفهم، وبالتحايل رضخ الجميع للفكرة بعد شهور، ومن بينهم والدي الذي شرحت له أهداف الرحلة وأبعادها الوطنية.

بعد ذلك بدأت عملية التنسيق مع جميع السفارات في كافة الدول المستهدفة، وأنهينا كافة الاستعدادات للانطلاق، واستغرقت هذه الإجراءات نحو خمسة شهور، وقد حصلنا على الدعم من جهات مختلفة، فكانت الانطلاقة في الأول من يوليو العام 1996، بحضور الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، والشيخ حمد بن حمدان آل نهيان.

زايد وجنيف

وبعد مغادرة إمارة أبوظبي بكيلومترات، تساءلت مع نفسي: «هل فعلاً سأجوب العالم بهذه السيارة المتواضعة»! وعدت إلى صوابي حينما تذكرت كيف رفع والدي يديه مودعاً، فتبددت تلك الشكوك العابرة. وقد سارعنا لإنهاء تجوالنا في دول الخليج بأقصى مدة، بسبب حرارة الطقس آنذاك، وتخلصنا من موجة الحر بعد اجتيازنا حدود أوروبا، ووصلنا إلى جنيف التي صادف وأن كان يزورها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، الذي استقبلنا آنذاك بحفاوة كبيرة، وأذكر عندما صافحناه أحكم قبضته على يدي وقال لي: «أنتم الذين ستنقلون إلى العالم كيف كانت دولة الإمارات وكيف أصبحت»، وقدم، رحمه الله، الدعم المادي والمعنوي لنا، فتجدد النشاط لدى سائر أعضاء الفريق، ولا أنسى أبداً تلك الجهود المشهودة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي ساندنا ووجهنا كي نمثل الدولة بصورة لائقة.

6 أشهر

وبعد مضي ستة أشهر على رحلتنا، يضيف عوض محمد بن الشيخ مجرن، بدأت علامات الإنهاك والتعب تبرز على وجوه أعضاء الفريق، وتضاربت الآراء بين الاستمرار في الرحلة أو العودة إلى البلاد، وقد أيد الجميع فكرة العودة من أجل المشاركة في احتفالات الدولة بيومها الوطني، خاصة وأنها كانت تحتفل باليوبيل الفضي لقيام الاتحاد، وفعلاً عدنا إلى الإمارات، وهنا عقد مؤتمر خاص عن هذه الرحلة المليئة بالمغامرة.

ويقول عوض بن مجرن: توزعت الرحلة على مراحل، وتراوحت المدة الزمنية لكل مرحلة من شهر إلى ستة شهور، ولا أنسى كم المكالمات التي تلقيتها بعد قراري السفر إلى أفريقيا، فقد وصف البعض هذه الرحلة بالتخبط والجنون، وطالبوني بالتفكير ملياً قبل القرار. ولم تفلح محاولات الجميع في ثنيي عن هذا القرار، وواصلنا التقدم في المرحلة تلو الأخرى، حتى تمكنَّا من الانتهاء من رحلتنا حول العالم بسلام.

مساعدات الدولة

سعى فريق «رحالة الإمارات» بقيادة عوض بن الشيخ مجرن، إلى التمثيل الإيجابي والترويج المنطقي لدولة الإمارات العربية المتحدة، والحرص دائماً على مخاطبة جميع ثقافات وشعوب العالم، عن أهم ما يميز الدولة. إذ لاقى الفريق ترحيباً منقطع النظير من الجميع حول العالم.

وأكد بن مجرن أن عمل الدولة الدؤوب في تقديم المساعدات الإنسانية والمشاركة في فعل وترسيخ الخير والعطاء، ساهم في تسهيل مهمة الفريق وتسيير الرحلة بيسر ونجاح، موضحاً أن الكثير من الشعوب أثنت على مبادرات حكومتنا الرشيدة وقيادتها في إغاثة الشعوب لقهر الجوع وتمكين الناس من مواصلة حياتها بصورة طبيعية.

صعوبات

43 ساعة دون توقف والأخطار لا تنتهي

يستذكر عوض محمد بن الشيخ مجرن أن رحلته حول العالم كانت محفوفة بالمخاطر، رغم اتخاذ كافة تدابير الأمن والسلامة، فبعض الدول كانت تمر في حالة اضطراب وحروب، وظروف بعضها الآخر المناخية كانت صعبة للغاية، فضلاً عن القيادة لساعات طويلة بلغت في أقصاها 43 ساعة دون توقف. وعلاوة على ذلك، قال عوض محمد بن الشيخ مجرن إن الرحلة لم تخلُ من المشكلات كالسرقات، إضافة إلى مشاهدات أخرى كشفت عن حجم الإجرام واختطاف الأطفال في بعض المناطق، إضافة إلى المشاكل الاجتماعية في بعض الدول، والفساد الإداري وانعدام التعليم والبطالة. وأضاف إن من أهم الصعوبات التي واجهت الفريق، آلية إخراج السيارات من الموانئ في بعض الدول النامية أو عبور حدودها، والقيود الصعبة التي تفرضها بعض الدول.

والقيادة المتأخرة ليلاً ومحاولة التغلب على النعاس. وأشار بن مجرن إلى أن الطرق غير الآمنة وصعوبة التواصل مع بعض الشعوب، ظلت من أبرز المطبات التي واجهت الفريق، مضيفاً إن صعوبة الإقامة في بعض المناطق النائية كانت عائقاً إضافياً، وقد تغلب عليه أعضاء الفريق مع مرور الوقت. وقد وضع الفريق بعض الحلول الاحترازية لتفادي الوقوع في مشكلات لا تنتهي، ومن أهمها الوقاية من التسمم الغذائي، والحذر من قطاع الطرق.

طرافة

لاح بيده فكاد أن يودي بحياة أصدقائه

لعل من أهم المواقف التي كانت ممزوجة بالطرافة والخوف معاًوالتي يرويها بن مجرن، مرور الرحالة على مجموعة من المتدربين في الحرس الشعبي على قارعة أحد الطرق الخارجية في العراق. ولفت بن مجرن إلى أنه كان معهم صديق يشبه الرئيس العراقي السابق صدام حسين، ومن باب الطرافة، بادر هذا الصديق بالتلويح بيده بغرض تحية الجنود، وهي الحركة ذاتها التي تميز بها الرئيس العراقي السابق، وفوجئوا بالتفاف الجنود من حولهم، والتهليل والتكبير، وترديد شعارات للرئيس. وظلت الهتافات تتصاعد حول السيارة.

حيث أكد بن مجرن أن عدد الجنود كان نحو 200 جندي، ولم يجرؤ أحد من الفريق على التفوه بكلمة واحدة، وقد سيطر الخوف والجمود عليهم. وبعد أن تمكنوا من مغادرة المكان بلغت قهقهات الجميع عنان السماء، بفعل المشهد الذي عايشوه في خوف والتباس، رافعين أياديهم شكراً لله تعالى أن نجاهم من خطر كان محققاً لو أدرك أحد الجنود أنها مجرد مزحة.