من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».

كثيراً ما نسمع مذيعي البرامج ذات العلاقة بالجمهور في إذاعاتنا المحلية كالبث المباشر أو الرابعة والناس أو غيرها يوجهون له الشكر للمساعدة في التوصل لحل مشكلة تخص احد مستمعيها، أو المساعدة في الإجابة عن استفسارات تتعلق بخدمات بلدية دبي، ذلك هو أبو احمد ماء العينين بن الشيبة سلامة رئيس فريق العلاقات الإعلامية بقسم الإعلام في بلدية دبي الذي كان هذا الحوار.

وفي بداية اللقاء كان السؤال حول ذكرياته في الطفولة والشباب فقال : من الصعب السبر في أغوارها بعد هذه السنين الطويلة من العمر الذي أتمنى أن أقضي ما تبقى منه كما فات دون أن أسيء لأي إنسان أو ألحقه بأي أذى، إلا أني سأحاول متمنيا أن أوفق في استذكار وتذكر ما هو مفيد منها للقارئ ، ولدت في بداية الخمسينات من القرن الماضي في جنوب المملكة المغربية لأسرة ولله الحمد عريقة النسب ولها باع طويل في العلم، وبدأت الدراسة في الكتاتيب القرآنية التي ارتبطت فيها حتى عندما التحقت بالدراسة النظامية حيث كنت متصلا بالتعليم القرآني وما يتعلق بذلك من علوم إسلامية أثناء العطلة الصيفية، ويستمر الوضع هكذا حتى نهاية المرحلة الإبتدائية وجزءا من الإعدادية، وقد كان أكثر المدرسين المباشرين لي هو خالي شقيق والدتي الذي كان يعزني كثيرا وكان صارما في تربيته بطريقة هادئة مهذب في تعامله مع الجميع.

المجالس مدارس

ويتابع :تصدق فعلا المقولة التي تقول " إن المجالس مدارس " الشيء المفقود للأسف اليوم ، إذ ان الكثير من شبابنا يتفادون الجلوس مع الضيوف - على قلتهم - بل إن كثيرا من الشباب كما يعرف البعض يتفادى حتى المشاركة في مراسم العزاء والمواساة لأصدقاء آبائهم أو احتفالات الأعراس التي قد تكون مناسبات يجتمع فيها الناس ويتعرف بعضهم على بعضهم من بعضهم، وهذه عامة بين معظم الأسر في كل البلاد العربية للأسف.

ويأخذ ضيفنا نفسا يتوقف بعده قليلا ليقول متذكرا، ومن اكثر المظاهر الاجتماعية التي تركت اثرا كبيرا في نفسي وأعتبرها نموذجا رائعا للتعايش الأسري المميز هي أن والدي وأعمامي وهم ستة إخوان كانوا يعيشون في بيوت متجاورة بل إنها متداخلة في بعضها البعض يجمعها سور واحد ، وكانت والدتي وزوجات أعمامي يتناوبن على إعداد وجبتي الغداء والعشاء اللتين تكون بالنسبة للرجال يوميا في بيت والدي حيث يجتمع كل الرجال والشباب: والدي وأعمامي وإخواني وأبناء عمومتي ، والضيوف إن وجدوا، فيما كانت النساء يتناولن الوجبتين في بيت التي يكون دورها ذلك اليوم، وكانت هناك ميزانية مشتركة يتولاها في أغلب الأحوال ثالث اعمامي والذي كان الجميع يعتبره أمين بيت مال العائلة رحم الله الجميع .

جلسات شبابية

من الذكريات الجميلة الأخرى التي لا تفارق مخيلتي كذلك جلسات الشباب في العطلة الصيفية التي كانت تربطني بأبناء جيلي من نفس المدينة التي كنا نسكنها، إذ كان أكثرنا يدرس في مدن أخرى لسبب أوآخر مثل طبيعة عمل الوالدين أو رغبتهما، فكنا نجتمع كل يوم في بيت أحد الأصدقاء لتناول الغداء الذي يعقبه الشاي ثم مسابقات الذكاء أو لعب الورق من البعض أو لعبة الدومينو وغير ذلك من اللهو المفيد، إلا أن الأكثر جذبا وإثارة وتحبيذا لدى الأغلبية هي المبارزات الأدبية أو المساجلات الشعرية حيث يبدأ واحد منا ببيت من الشعر ثم يبدأ الذي يليه بالحرف الذي انتهى منه.

وهكذا فقد كانت الجلسة تبدأ أولا بفرق كل فريق به أربعة إلى خمسة أشخاص لتكون البطولة في هذه الجلسة لأحد الفرق، وأحيانا تكون البطولة فردية أي أنه يفوز بها شخص واحد ليكون محل تقدير من الجميع ، وبهذا كان الواحد منا يأخذه الحماس والتشجيع ليحفظ أكبر قدر من الشعر العربي سواء الجاهلي أو العباسي أو الأموي أو الحديث، كما كان ذلك يقوي ملكة الحفظ ويقوم اللسان من الناحية اللغوية ناهيك أن هذا النوع من العلاقات يقوي الحميمية بين الأصدقاء ويردعهم عن التسكع في الشوارع أو الكسل والخمول، بالإضافة إلى هذا كانت هناك الرحلات الجماعية خاصة لشاطئ البحر الذي كان يبعد عنا قرابة العشرين كيلومترا حيث نقضي اليوم بين السباحة والرياضات المختلفة .

وهناك جزئية أخرى تخصني هي أني كنت أحب ممارسة ركوب الخيل خاصة في الصباح الباكر أو قبل غروب الشمس وأن والدي بل عائلتي كانت تمتلك رؤوسا من أجود الخيول العربية في المنطقة حيث كان والدي يوليها اهتماما كبيرا حتى أنه يؤثرها علينا أحيانا ويحافظ عليها ويوصينا بها وكان دائما يكرر الحديث الشريف : " الخيل معقود في نواصيها الخير "، وأذكر هنا حادثة لا أنساها، فعندما كان عمري لايتجاوز الثماني سنوات وكنا في مخيم ربيعي به عائلتي وعديد من العوائل الأخرى وكان قريبا من مكان لمرعى الخيل، وكان أحد الأحصنة يقف عند جرف يتساوى مع ظهره فقفزت عليه، وما كدت أتمسك بشعر رقبته حتى هما على وجهه يسابق الريح يمنة ويسرة، وأنا متمسك بأهداب شعر رقبته لمدة طويلة ،وماتم إيقافه إلا بفرسان محترفين ومحاصرته بالحبال، ولا أعرف إلا أن العناية الإلهية أنقذتني بفضل الله ورعايته .

ذكريات حلوة

وبعد وقفة قصيرة يستمر ماء العينين بالسرد مضيفاً: بعد الانتهاء من المرحلة الإعدادية نقلني والدي لإحدى أشهر المدارس في مدينة الرباط هي "مدارس محمد الخامس " وهي من أولى المدارس في المغرب التي كانت تدرس مناهجها باللغة العربية ، وقد بقيت فيها حتى الحصول على شهادة البكالوريا أدبي، وبعد أن كنت رسبت في امتحان البكالوريا أول مرة، وأعدت السنة فكنت من بين ثلاثة فقط نجحوا في الفصل الدراسي الذي كنت فيه ومجموعنا كان ثلاثة وخمسين طالباً، حصلت بعدها على منحة دراسية لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، وفي هذه المرحلة احتفظ بالكثير من الذكريات الحلوة أحيانا والمرة أحيانا، واكتسبت فيها الكثير من تجارب الحياة إضافة للتعرف على الكثير من شخصيات المجتمع وكذلك الطلبة العرب، و الأفارقة من جنسيات مختلفة ، وهناك كذلك الجلوس الطويل في المكتبات العامة والنوادي والمراكز الثقافية خاصة التابعة للدول الأجنبية، التي كان بقاؤنا فيها لتحضير البحوث التي لاتعتمد على محركات البحث التي يلجأ لها طلبة اليوم أو أكثرهم والاعتماد على عملية قص ولصق .

الاعتماد على النفس

وقد كان في الرحلة إلى القاهرة تحول كبير في حياتي، اولها أني كنت أسافر لأول مرة لوحدي لبلد غريب لا اعرف عنه إلا معلومات أبسط من بسيطة ودون أن أعرف أحدا، إلا أنها كانت محكا حقيقيا للمساعدة في الاعتماد على النفس ومكابدة العديد من التناقضات والمعانات المرة والجميلة التي كان لها الأثر الكبير في تكوين الشخصية ومعرفة المزيد من قواعد الحياة التي كل يوم يمر علينا فيها يعتبر درسا عميقا، وفي هذه المرحلة تعرفت طبعا على كثير من الإخوة والأصدقاء سواء من الإمارات أو بقية دول الخليج وغيرهم من الدول الأخرى مازالت إلى الآن تربطني علاقات وطيدة مع الكثير منهم، من جملتهم زميلة عزيزة أصبحت فيما بعد أم أولادي الثلاثة حيث مازلنا الخمسة نعيش سويا بفضل الله ورعايته في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة التي نحمل الآن جنسيتها بعد أن أصبحت وطننا وملاذا ونسأل الله أن يديم علينا وعلى من فيها نعمة استقرارها ورقيها ورفعتها .

وحيث كان لي العديد من الأصدقاء من أبناء الدولة الذين هم الآن في مناصب عالية ومازلنا على تواصل يسوده الود والاحترام المتبادل فقد كان أول مجيئي لدولة الإمارات العربية المتحدة في يوليو 1977 بإصرار من بعض الأصدقاء ، وعلى رأسهم الأخ سعيد حارب والسيدة حرمه اللذان آوياني في بيتهما أول مرة . فالتحقت بالعمل في جريدة الخليج تايمز لمدة أربعة أشهر كمساعد لمدير شؤون الموظفين ، ثم العمل الصحافي في جريدة الخليج ثم مكتبي دبي وأبو ظبي لجريدة الفجر التي مارست وتعلمت فيها العمل الصحافي الحقيقي فهي وجريدة الوحدة كانتا بمثابة المحطة الانتقالية للعديد من الزملاء الصحافيين الذين عملوا في كبريات الصحف المحلية في الدولة، وقد كونت صداقات كثيرة مع العديد من الشخصيات اللامعة في المجتمع محليا ودوليا من خلال التغطيات واللقاءات التي كنت أجريها معهم كنت أتمنى أن يتسع الحديث عنها هنا لكني مقيد بمحدودية المساحة.

العمل الإعلامي

بعد الفجر انتقلت لعمل إعلامي من نوع آخر في بلدية دبي التي أكملت فيها الآن ما يزيد على واحد وثلاثين سنة كنت في الأربع سنوات الأولى من عملي فيها مراسلا صحافيا قي دبي والإمارات الشمالية لصحف ومجلات الشركة السعودية للأبحاث والتسويق، وقد استطعت بفضل الله أن أنشئ لبنة قوية لعلاقات عامة وعلاقات إعلامية مميزة للبلدية كانت في وقت من الأوقات مرجعا للعديد من الدوائر الأخرى حيث كنت بالإضافة إلى تزويد مندوبي الصحف المحلية بحفنة أخبار يومية ، كنت أعد بالتعاون مع إذاعة وتلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي - آنذاك - برامج إذاعية وتلفزيونية عن البلدية ودبي عامة مثل برنامج حقائق من دبي وبرنامج ربورتاج وبرنامج البلدية والمجتمع . كما أنتجنا بالتعاون مع إحدى الشركات الخاصة ولأول مرة في المنطقة أفلاما كرتونية للتوعية على نظافة دبي.

وبين العمل الصحافي والإذاعي والتلفزيوني والعمل في البلدية الذي هو بالدرجة الأولى إعلامي كانت لي أيضا ذكريات كثيرة مع شخصيات كبيرة سواء من زوار الدولة أو من الشخصيات العامة في مجتمعنا المحلي بمن فيهم بعض من أصحاب السمو والشيوخ والوزراء خاصة تلك التي تبرز تواضعهم وقربهم من الذين يتعاملون معهم عن كثب ، والحديث يتوقف غير أنه لا ينتهي. سر التسمية

 

وهنا أقاطع ضيفنا مستسمحاً لأشارك الكثيرين في تساؤلاتهم عن السر في تسميته بهذا الاسم الذي يعتبره البعض رومانسياً أو أنه شاعري أو ليجيب بكل بساطة أن الاسم ليس بجديد بالنسبة لعمره هو ولا أنه أول من سمي به كما أشار بل لأنه ينتسب لعائلة الشيخ ماء العينين ( وهو الأصل في التسمية ).