من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».

لكل امرأة من نساء الفجيرة وضواحيها، قصة مختلفة مع القابلة الهولندية مينا (mina) التي كرست ما يزيد على 45 عاماً قضتها في إمارة الفجيرة في خدمت نساء المنطقة، حيث تستنفر كل طاقاتها لتمر عمليات الولادة الطبيعية بسلام على النساء الحوامل، ولكل فرد من ضواحي إمارة الفجيرة والمناطق المجاورة لها حظ من لمسات هذه المرأة في وقت من الأوقات.. إذ لا تخلو عائلة إلا وللقابلة يد في خروج أحد أبنائها للحياة. ولكل من سكان الفجيرة والمناطق القريبة منها حيز من ذاكرته عن هذه السيدة التي تعارف عليها أهالي المنطقة بلقب الدكتورة "منى" أو " أمينة" وهو تعريب لأسمها الحقيقي Wilhelmina van de weg .

حيث قدمت إلى دولة الإمارات في عام 1964 ونزلت في إمارة رأس الخيمة ثم انتقلت للعيش والاستقرار في إمارة الفجيرة بعد مضي 3 سنوات من قدومها الى الدولة، وبدأت مشوار رسالتها في الحياة في تسهيل عملية الولادة الطبيعية على نساء المناطق الجبلية والقرى المحيطة بها، فقد كان أغلبهن لا يتلقين عناية صحية جيدة في مراحل الولادة وما بعدها.

اختارت المنطقة الشرقية من الدولة لفقرها بالخدمات الصحية التي تسعف حياة النساء والأطفال في ذلك الوقت، ولم يكن نصيب القرى المترامية بين الجبال من الرعاية الصحية سوى تردد طبيب متنقل من سلطنة عمان ما بين الفترة والأخرى، لعلاج الحالات المستعصية.

ومن هنا وجدت مينا لرسالتها حيزا خصبا لتعمل من خلاله على أداء رسالة إنسانية لنساء الجبال، حيث تقول : بدأت حياتي في المنطقة وسط ظروف صعبة تبدأ بحرارة الطقس الشديدة وتنتهي بعدم وجود إمكانيات ومباني عمرانية، كانت أول سنوات حياتي في إمارة الفجيرة تحت ظل خيمة نستظل بها أنا وزميلتي الإنجليزية جون في أوقات الحر الشديدة حيث كنا ننام في الهواء الطلق ونحتمي من رياح السموم بأقمشة مبلله بالماء. وكانت الإمكانيات التي نعيش في ظلها والتي نستخدمها في إسعاف النساء وقت الولادة بسيطة جداً، لا تتعدى الشيء البسيط من الماء وبعض الأقمشة.

وتضيف : خلال أول أيام تواجدنا في المنطقة واجهتنا صعوبات المعتقدات والتقاليد إلى جانب تقبل الرجال فكرة مساعدتنا لنسائهم، حيث لم تكن العوائل في بداية قيام الاتحاد وما يسبقه من سنين تتفهم دورنا الذي نقوم به، إلى ان مررنا بتجربة أثبتت لسكان المنطقة جدارتنا في العناية بهم وتقديم رعاية صحية قد تنقذ حياتهم، فبعد تجربة إصابة إحدى العوائل المواطنة والتي كانت تعيش في إحدى الخيام القريبة منها بأمراض جعلتهم يعانون من الحمى والإرهاق الشديد الأمر الذي دعانا إلى العناية بهم والتخفيف من آلامهم ضمن حدود خبرتنا الصحية التي كانت تتمثل في التطبيب ضد الملاريا والتوليد وبعض الأمراض البسيطة الشائعة، وفي وقت تماثلوا فيه للشفاء تقدموا لنا بالشكر الجزيل وأذاعوا بين الناس خبرنا حول رسالتنا الإنسانية في الإسعاف ورعاية المرضى ومداواتهم.

أول عيادة توليد

من هنا بدأت مينا وزميلتها الإنجليزية جون، باستقبال النساء الحوامل في العيادة التي أسستاها بعد حصولهما على مسكنين من حاكم الفجيرة صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، خصصتا إحداهما للسكن والأخرى لتطبيب النساء الحوامل. فيما كانتا تمتلكان واحدة من السيارات الخمس المتواجدة في إمارة الفجيرة وضواحيها من نوع " رنج روفر" ساهمت في تنقلها بين المناطق الجبلية لرعاية النساء وإسعاف الحالات في مختلف المناطق.

وتروي مينا بعض القصص التي مرت بها خلال توليد النساء سابقاً، حيث لا وجود لأجهزة اللاسلكي والإمكانيات الطبية ضعيفة، فقد كانت تضطر إلى نقل الحالات الصعبة غير القابلة للولادة الطبيعية لمستشفى دبي إما عن طريق سيارة تسير على الطريق البري لمدة 5 ساعات مرورا بمنطقة مسافي إلى دبي، أو عن طريق الطائرة العسكرية التي كانت تتواجد في منطقتي البثنة ومدينة خورفكان فقط. فقد كانت إحداهما ترعى الأم وقت ولادتها وتقطع الأخرى طريقها بالمركبة إلى الطائرة الحربية لطلب النجدة، وكان ذلك يستغرق ما يقارب الساعة بسبب وعورة الطريق، إلا أنها أسهمت في إنقاذ العديد من الحالات بذلك. مشيرة إلى تعرضها لحادث سير في إحدى تلك الرحلات إلا ان رجال الشرطة أنقذوها.

ورغم صعوبة الظروف البيئة وبساطة الحياة في الماضي في المنطقة إلا أنهن عشقن الطبيعة البدوية وحياة سكان الجبال، فقد لامست طيبة أهالي المنطقة ورحابتهم رسالتهن الإنسانية. و أكدت حبها للمنطقة وسكانها خصوصا في الماضي حيث التراحم والألفة التي تجد بأنها مع التحضر قد اضمحلت بشكل كبير.

تثقيف

وكانت لتلك القابلات أو " المولدات" كما يناديهن البعض- الدور المهم في تثقيف نساء المنطقة بالعادات الصحية السليمة وتغيير بعض المعتقدات الخاطئة خصوصا المتعلقة بالأمور الطبية. فقد كانت النساء في الماضي يستخدمن الملح البحري الخشن وبكثرة بعد الولادة الأمر الذي كان يضرهن بصورة اكبر مما يعتقدن، فيما قمن بتوعية الأمهات بثقافة العناية الشخصية والعناية بالمولود والابتعاد عن استخدام "مكاحل الرصاص" للأطفال، وأهمية أخذ التطعيمات الدورية. وواجهت مينا الكثير من العناد والتردد من البعض في الأخذ بنصائحها إلا أنها مع الزمن بدأت تتبادل معهن بعض المعتقدات والعادات البدوية التي تشربت جزءاّ من ثقافتها الحالية. فقد أصبحت تجيد اللهجة المحلية لسكان الفجيرة بدرجة كبيرة وتستطيع التعامل مع سكان الجبال وفق عاداتهم وتقاليدهم، فقد أخذت منهم الكثير ومنحتهم بدورها ما جاءت من أجله.

فريق

تشير مينا إلى استقطابها فريقا من القابلات من مختلف دول العالم في رسالة تطوع حملتها كل واحدة على حدة لتخفف من آلام النساء ولخفض معدل الوفيات وقت الولادة والمحافظة على المواليد. فقد تنامى فريق عملها مع مرور الوقت ليصبحن 5 قابلات في العيادة حتى عام 2000، ضمت كلا من القابلة أليسون والملقبة بـ " ياسمين، والقابلة نجمة ووردة حسب ما تعارف الناس عليهن، والتي لا زال البعض منهن يعملن معها حتى يومنا الحالي.

وكانت عيادتها في ذلك الوقت تتقاضى أسعارا رمزية تساعدها على تأمين احتياجات الأمهات وقت الولادة، كانت أسعار الولادات الطبيعية لا تتجاوز الـ 50 درهما، الأمر الذي جعل العديد من النساء من مناطق مجاورة مثل صحار وشناص التابعة لسلطنة عمان تقبل على خدماتهن في أول عيادة لها في الفجيرة. وفي عام 2000 وسعت العيادة لتتحول إلى مستشفى توليد يضم جناحا متكاملا للعمليات يضم غرفة عمليات كبرى وصغرى و9 غرف مبيت، و3 غرف توليد و4 عيادات وفريقا متكاملا مكونا من استشاريتين في طب النساء والتوليد و5 قابلات و12 ممرضه و8 مساعدات للتنظيف. وزود المستشفى بسيارة إسعاف تقودها بنفسها في أصعب الحالات لنقل النساء إلى المستشفى الحكومي في حالة حدوث بعض المضاعفات التي تستدعي إجراء عمليات قيصرية.

 

والجدير بالذكر أن مينا في عمر يناهز الـ 82 عاما وغير متزوجة، واستطاعت حتى الآن عبر ممارسة طب التوليد أن تسهم في توليد الجيل الرابع لبعض النساء التي عاصرت جداتهن بدايات مينا مع قيام الاتحاد. وتؤكد بأنها تحب الاحتفاظ بسجلات شجرة العائلة للمترددين عليها من الأمهات وبناتهن وأبنائهن.

هواية

تعشق القابلة الهولندية التصوير الفوتوغرافي حيث لازمتها الكاميرا منذ بداية تواجدها في المنطقة، فقد وثقت عبر تجولها في كافة ربوع إمارة الفجيرة وضواحيها أجمل اللحظات والمناطق التي عايشها أهالي المنطقة منذ أكثر من 45 سنة قضتها معهم في المنطقة، واحتفظت بما يقارب 1700 صورة جمعت كافة مناطق الإمارة ومناسبات سكانها الأصليين، وتقول : احب البدو وحياتهم، وكنت ولازلت أتردد على كافة المناسبات والأعراس التي يقيمها سكان الجبال، واستمتع بحضور هذه المناسبات ومشاركة الناس أفراحهم. وقد أحب توثيق كل لحظاتي بالكاميرا حتى استطعت مؤخرا إصدار أول كتاب خاص لمسيرة حياتي في المنطقة كان عبارة عن أرشيف مصور، يضم صورا أثرية وتاريخية عن الحياة في الماضي والحاضر. ويأتي إصداري الأول باسم " Focus on Fujairah" الفجيرة رحلة عبر الزمن. أطلقته ليكون في متناول الجميع وليكرم إمارة الفجيرة التي احتضنت رسالتها الإنسانية منذ البداية.

معوقات

وأصعب ما تواجهه الخدمات الصحية التي تقدمها فريق القابلات في "مستشفى الفجيرة للتوليد" نقص الإمكانيات مع الغلاء المعيشي الذي يتزايد يوما بعد يوم، إذ ما زلن يطمحن في تقديم خدمات التوليد بأقل الأسعار لمساعدة أكبر شريحة ممكنة من الناس سواء من المواطنين أو الوافدين الذين يجدون في مستشفى الفجيرة للتوليد المكان الأمثل لتلقي العلاج في ظل غلاء الخدمات في القطاع الصحي الخاص. حيث جاء الإصدار الاخير لمينا لدعم المستشفى وتمكينه من تعزيز خدماته بما يتوافق مع المحافظة على الأسعار المتدنية التي تتقاضاها مقابل توليدها للنساء.

 

ميزة

 

تبقى الميزة التي يلامسها أغلب المترددين على "مستشفى الفجيرة للتوليد " بإشراف القابلة مينا العناية اللطيفة التي أقرب ما تكون عائلية، تتلقاها المرأة في مراحل حملها ووقت ولادتها من فرق عمل المستشفى، حيث يشيد الجميع بحسن التعامل والأسلوب الأخوي في الحصول على الخدمات الصحية. إذ تحرص القابلات على تقديم كل ما من شأنه تسهيل عملية الولادة على النساء في عمل مساج لهن أو تدوير وضعية الجنين في بطن أمه في حالة التحريض، أو العناية بالطفل في وقت نقاهة الأم بعد الولادة. كما تحتفل مينا بالأمهات وأبنائهن بعد العشرة أبناء تنجبهن المرأة في مستشفاها الخاص، حيث تجهز للعائلة حفلة بسيطة في المستشفى مع تخريج الطفل العاشر، واقامت حفلتين لسيدة أنجبت 15 طفلا تحت إشرافها، حيث احتفلت بالطفل العاشر والطفل الأخير رقم