من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية.
ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
تبقى للطفولة ذكريات خاصة في نفوسنا، ولأنها مرحلة المرح واللعب والعيش بلا مسؤولية أو هموم ، نجد الابتسامة ترتسم على وجه الكثيرين منا عندما نعيدهم الى سنوات الطفولة والمدرسة، وخلال تنقلي بين الأماكن والأزمنة في حوار ودي مع أمين عام جائزة خليفة التربوية الأستاذة أمل عبد القادر العفيفي ، لمست مدى السعادة التي غمرتها .
وهي تتحدث عن مراحل الروضة والمدرسة وكم كانت الحياة وقتها تمتاز بالبساطة والمودة والمحبة بين الاسر والناس معا في ابوظبي قديما ، وكيف كان للأشياء من حولها معنى مختلفا قبل زمن السرعة والتقنيات الحالي ، ليبقى في النهاية لكل زمن سماته وأجواؤه وظروفه.
أين كانت طفولتك وطبيعة الجو الذي نشأت فيه ؟
أمضيت طفولتي في مدينة ابوظبي حيث كانت تقطن عائلتي في منطقة قرب ما يسمى معسكر آل نهيان الآن حيث كانت البيوت من حولنا بسيطة ، وكنا نشعر بأجواء الحميمية داخل الأسرة بالإضافة لروح المودة والتواصل التي تسود بين الناس .
وكنت طفلة مدللة في أسرتي وخاصة لدى والدي رحمه الله ، ولكن هذا الدلال منحني ثقة في نفسي وحبا وشغفا بتعرف كل شيء حولي بفضول كبير ، والحقيقة أن تقدير الأسر لأبنائها ومنحهم الثقة أمر هام جدا لنجاحهم ، وكنت أعيش طفولة سعيدة وأتنقل مع والدي خلال سفره لطبيعة عمله في القوات المسلحة وتعلمت منه الكثير.
ما طبيعة الحياة في تلك الفترة خاصة على المستوى الاقتصادي؟
لقد كانت طفولتي في ابوظبي قبل قيام الاتحاد ، ولم تكن هناك المباني والعمارات الكبيرة ، فكلها بيوت ارضية بسيطة ، والحياة بسيطة يعيشها الجميع في هدوء، والحالة المادية لكل شخص تتوقف على طبيعة عمله، ولكن لم نكن نشعر بمشكلات مادية كالتي تخلق مع الحياة الحديثة ومتطلباتها ، فراتب .
والدي كان يقارب ال 4 آلاف درهم ولكن كنا نسافر وتلبي كل احتياجاتنا. كما أن الناس كانوا متقاربين اكثر ويعرفون بعضهم البعض في الحي الواحد ، والناس كانوا يتواصلون عادة من خلال الزيارات والأحاديث المباشرة اكثر من استخدام وسائل الاتصال الحديثة .
مرحلة الطفولة تتسم بطابع اللهو واللعب ، فكيف كنت تمضين وقتك ؟
كنت ألعب مع البنات الصغار من الاقارب والجيران بالألعاب البسيطة والألعاب الشعبية المعروفة كالحجلة ونط الحبل ولعبة الصجلة والتي تلعب من خلال الحصا وتعتمد على مهارة خاصة ، كما أنني كنت أقتني العابا أخرى كالدمى وغيرها من التي لم تكن تتوفر بكثرة في ابوظبي وقتها.
حيث كان والدي يشتريها لي خلال رحلات سفره الى بلدان عربية وأجنبية ، واعتدنا ان نمارس السباحة ونحن صغار في أبوظبي ونلعب في حديقة عند المطار القديم وهو مطار البطين اليوم وكنا نستمتع بالذهاب إلى مدن العين ودبي والشارقة والساحل الشرقي حيث يبقى لتلك الزيارات في ذلك الزمن عبق جميل وذكريات لا تنسى.
التحقت بالمدرسة في فترة ما قبل الاتحاد ، فكيف كانت المرحلة الابتدائية الأولى ؟
التحقت بالروضة حيث كنت أدرس في روضة الايمان وأنا في الرابعة من عمري وهي موجودة الى الآن ، وكل الدارسين فيها كانوا من أطفال الحي ، وكانت الفصول بسيطة ،عبارة عن غرف متجاورة وداخلها كراسي وطاولات من النوع الكبير بحيث يتسع الكرسي لأكثر من طفل .
وكان المدرسون من مختلف الدول العربية ،ومن ثم التحقت بالدراسة الابتدائية في مدرسة "زبيدة " والتي كانت أول مدرسة ابتدائية وكانت تتمتع بشكل افضل من الروضة من حيث المبنى ، فبها أثاث مختلف والمبنى أكبر وبعض الوسائل التعليمية البسيطة .
وكنا نشتري الطعام من نساء يقمن ببيعه خارج المدرسة ، حيث كن يبعن لنا السمبوسة وسندويتشات البيض والجبن ، ولكن خلال دراستي في المراحل الابتدائية كانت الدولة دخلت عهد الاتحاد ، وبدأنا في كل عام دراسي نلمس تغيرات كبيرة وتطورا في المدارس والتعليم .
كيف كانت علاقة المعلم مع الطالب وولي الأمر في الماضي ، وهل كان لطبيعة هذه العلاقة أثرها عليك؟
العلاقة كانت قوية بين الأسرة والمدرسة في تلك الفترة ، فقد كان التواصل بين الأهالي والمعلمين فعالا ، وولي الأمر يقدر المعلم كثيرا ، فأذكر أني مرضت بالحصبة وزارتني المديرة والمعلمة في المنزل للاطمئنان على صحتي ، أيضا كنا اذا عوقبنا من المعلم بتوبيخ أو ضرب نجد الأهل لا يعترضون وينظرون للمعلم على أنه ولي امر ثان للطالب وعليه تأديبه ان أخطأ .
وبالطبع هناك نماذج رائعة من المعلمين كانت السبب وراء التحاقي بالحقل التربوي ، ولكن هناك أيضا البعض لم يكن بتلك الايجابية ، فأذكر أن سبب التحاقي بالقسم الأدبي دون العلمي هو معاقبة مدرسة لي بطريقة سيئة .
حيث كنت في احدى حصص العلوم وندرس عن جسم الانسان من خلال دمية تصدر صوتا ، وحاولت فصل أجزاء الدمية بحثا عن مصدر الصوت فيها كفضول طالبة ، فكسرت الدمية، وفوجئت بالمعلمة تقوم بعضي من يدي عقوبة لي على ما فعلت.
كيف حصلت على مؤهلاتك العليا وقد تزوجت مبكرا عقب الثانوية ؟
تزوجت بعد الثانوية العامة مباشرة، وزوجي يعمل في مجال الطيران ، وبعد الزواج التحقت بدراسة دبلوم التأهيل التربوي لمدة عام وتخرجت منه كمعلمة فصل ، وبقيت لعشر سنوات معلمة فصل ، بعدها كان علي الحصول على شهادة جامعية لأتمكن من الترقية كوكيلة مدرسة .
وكان عندي ثلاثة أطفال ، والتحقت بقسم الانتساب الموجه التابع لجامعة الامارات والذي تم افتتاحه في أبوظبي بدعم قيادتنا الرشيدة لتوفير فرص التعليم للغير قادرات على الانتقال للدراسة في الجامعة بالعين ، وتمكنت من الحصول على بكالوريوس التربية ، وعينت بعدها كوكيلة مدرسة ثم ترقيت الى مديرة مدرسة .
خلال عملي كمعلمة كنت احب طالباتي وكنا كمعلمات مواطنات نسعى لإثبات ذاتنا ، ونعمل بجد في اعداد الوسائل التعليمية وشراء الهدايا التشجيعية لطالباتنا ونتواصل مع ولي الأمر ، ورغم ضغوط العمل لعدم توفر الامكانات كالتي هي حاليا بمدارسنا الا اننا كنا نحب العمل ويدعمنا أزواجنا .
وكنت أستفيد من سفري مع زوجي في اكتساب أفكار وخبرات في مدارس أميركا وبريطانيا خلال تطوعي فيها فترة السفر لأعود للطالبات بالجديد. ويدعموننا ، ومن بين الصعوبات التي واجهتنا مطالبتنا للعمل في مناوبات الحافلات المدرسية لحين تم توفير بدائل لنا لصعوبة تلبية ذلك.
أمضيت (14) عاما كمديرة مدرسة نموذجية فكيف كانت وما هي صعوباتها ؟
مع انطلاق فكرة المدارس النموذجية في أبوظبي رشحت نفسي للعمل فيها لتحقيق حلمي بمدرسة نموذجية ، وتم قبولي كوكيلة لمدرسة المواهب النموذجية والتي كانت تسمى الآفاق وقتها ، وبعد عامين أصبحت مديرة لهذه المدرسة ،وهنا بدأت المسؤوليات تزداد والأعباء الادارية ، ولعبت المهارات القيادية دورا كبيرا ، حيث حرصت على التخطيط والعمل بروح الفريق والتواصل الفعال مع كل عنصر داخل المدرسة وفي المجتمع الخارجي كل هذا دعم نجاحنا.
ولكن الصعوبات التي واجهتها كبيرة في البداية ، تمثلت في أن فكرة النموذجيات جديدة ، وكان لابد من اقناع ولي الأمر بطبيعة الدوام من (7 ونصف الى 4 ) و الحصص الاثرائية ، والمشاريع الجديدة مثل تعليم الرياضيات والعلوم بالانجليزية ومشروع المدرسة الفرنسية وغيرها .
ولكن الدعم الكبير من القائمين على التعليم بأبوظبي من قيادة ومنطقة تعليمية وحتى مع دخول المجلس كله لعب دورا في نجاح مسيرة عمل (14) عاما ، عايشت فيها طالباتي من أول عام الى يوم التخرج من الثانوية ولا أزال أتواصل معهن الى اليوم .
بعدها رشحت للعمل كأمين عام جائزة خليفة ، ورغم صعوبة الاحساس بترك المدرسة والطالبات ولكن شجعني احساسي بإمكانية خدمة بلادي في مكان آخر وليس بعيدا عن المجال التربوي ، فالجائزة تحمل اسم رئيس الدولة ، وهي وسام رفيع لكل من يعمل فيها او فاز بها في الدولة والوطن العربي ، فوالدي قال لي يوما ( الوطن لو تعطيه دمك لا توفيه حقه ).
طبيعة حياتك الاسرية وأجواؤها خاصة في شهر رمضان الكريم ؟
لدي ثلاث بنات (سارة وإسراء وفاطمة) وابن وحيد هو عبد الله وكلهم متفوقون في دراساتهم ولله الحمد، سارة درست هندسة كيميائية وإسراء درست تخصص علوم مالية ، وأذكر أنها كانت أوائل الثانوية العامة وقد تلقيت اتصالا وقتها من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان حيث كان وقتها وزير التربية وهنأني بتفوق اسراء مما جعلني أشعر بالسعادة والفخر خاصة أن هذا الاتصال تأكيد على أن هذه هي قيادتنا الحريصة على ابنائها والفخورة بهم. اما فاطمة فتدرس حاليا بجامعة زايد وعبد الله لا يزال في الصف العاشر ، ونحن أسرة متعاونة وأحظى بدعم كبير من زوجي .
وأحب كل أوقاتي التي أمضيها معهم للحوار والحديث في مستقبلهم ، ولكن يبقى لشهر رمضان خصوصية لأنني أراهم اكثر ، وتكثر فيها زيارات الأهل وصلة الرحم ، وأتوجه فيه كثيرا لحلقات الذكر والعمرة ، كما أنني في العادة لا أملك الوقت لدخول المطبخ ولكني في شهر رمضان أحرص على اعداد طبق يومي لعائلتي وهذا يسعدهم لدرجة أنهم قدموا لي شهادة شكر في رمضان الماضي على طبقي اليومي .
الأم والبنت معاً
كان من بين ما يميز المدارس قديما أنها تضم فصولا لمحو الامية ، فكانت الام تتوجه للمدرسة مع ابنتها فتلتحق الابنة بصفها وكذلك الأم تلتحق بصفوف محو الأمية ، بما كان يشجع الأمهات أكثر على التعلم ، كل ذلك بتشجيع " أم الإمارات " حفظها الله والتي أسست مراكز تعليم الكبار و الاتحاد النسائي فيما بعد وكان لجهود سموها الأثر الكبير في تعزيز مكانة المرأة .
وجبات غذائية وأحذية وراتب شهري للطلبة
الاتحاد نعمة كبيرة جدا أنعمها الله على دولة الامارات بقيادة القائد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ،رحمه الله، فمع قيام الاتحاد بدأت النهضة الشاملة، وكنا كطلبة نتلقى دعما وتشجيعا كبيرين، ويحظى الطالب بكافة احتياجاته من وجبات غذائية وملابس وأحذية بالإضافة الى راتب شهري يقارب 200 درهم وهنا تضحك العفيفي وتتابع حديثها معلقة لقد كنا نبصم عند استلام الراتب.
وكان الأهل يعرفون من لون أصابعنا بأننا استلمنا الراتب ، وبعض الطلاب كانوا يتحايلون بمحاولة ازالة أثر حبر البصمة ليخفوا عن اسرهم رواتبهم لينفقوها على الحلويات والألعاب.
وتتابع حديثها " ان الراتب كان يعود بالنفع على الأسر وليس الطالب فقط في ظل بساطة الحياة فهو تشجيع لهم لإرسال اطفالهم للمدارس ، فمصروفي كان في المرحلة الابتدائية درهما ، وكنت أشتري به اربعة اشياء من الساندويتش والعصير والحلوى ، وزاد الى ثلاثة دراهم في المراحل الثانوية .
ولكن الدعم كان كبيرا من القيادة ، لأن الشيخ زايد رحمه الله ، و "أم الامارات " سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك حفظها الله كانا حريصين على نشر التعليم والتشجيع عليه ، فأذكر أن الشيخ زايد رحمه الله - حضر احتفالات مدرسة زبيدة عندما كنت طالبة فيها ، وكانت الطالبات جميعا يسعدن برؤية " بابا زايد" الذي يحضنهن بحنان كبير ويأتي حاملا معه الهدايا للجميع.
وفي المرحلة الاعدادية تطورت العملية التعليمية أكثر وبدأت المباني المدرسية تتطور ، والمعلمات المواطنات دخلن الحقل التربوي الى جانب أخواتهن من الدول العربية ، وتطورت وسائل التعليم وأصبح شكل الكتب أكثر تشويقا وبه صور ، والتحقت وقتها بمدرسة " القدس " ، ومن ثم ذهبت الى مدرسة ام عمار في الثانوية .


