من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب.
ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
يستقبلك في صدر منزله واقفا بعنفوان، وبجسد يتكئ على ثمانية عقود مليئة بخبرة الحياة ومعتركها من العناء إلى النعماء، بين صفين من الأبناء والأحفاد، متطلعاً ببصره إلى مستقبل واعد وأكثر إشراقا وألقاً.
بادئاً ترحيبه بفنجان القهوة العربية تسبقه رائحة الهال والزعفران، وعبق البخور الطيب ودهن العود تغمر المكان، وبما ينم عن معرفته بك المسبقة والطويلة، ذلك هو الشيخ محمد بن ركاض العامري، شيخ قبيلة العوامر في مدينة العين. حيث يقول.. على رمال الصحراء ولدنا، ومن حليب دوابها شربنا، ومن تمر نخيلها أكلنا، وفي ظلال سدرها وسمرها وغافها تفيأنا، وعلى يد شيوخها تعلمنا، وببناتها اقترنا.
. وعلى حب الوطن علمنا وعودنا أبناءنا وأحفادنا. ضيفنا في البيانواحد من رجال عاصروا مرحلة التأسيس والبناء، وساهموا في التغيرات والتطورات الاجتماعية في دولة الإمارات، بما عزز مكانته بين أفراد قبيلته، وهو واحد ممن اختزنت ذاكرتهم تاريخ الوطن، إنه من جيل واكب وشاهد تحول واقع الدولة مما كانت فيه إلى ما وصلت إليه، فهو شاهد حي على العديد من المحطات في تاريخ الإمارات، عايش شظف العيش، وسكن بيوت السعف، إنه نموذج لمن يدرك معنى المساهمة الحقيقية والفاعلة في وطنه.
ابن الصحراء
بفخر واعتزاز يتحدث عن مولده ونشأته فيقول: ولدت في رمل الصحراء ومنها تعلمت الصبر وشظف العيش، من تمرها ورطبها أكلت، ومن حليب نوقها شربت، وفي ظلال نخلها وسدرها تفيأت، وعلى يد رجالها وكرام شيوخها تعلمت، ومن نسائها تزوجت، إنها صحراؤنا الحلوة الصافية النقية، برمالها الطاهرة، تملحت وترعرعت وتربيت وعشت.
اتخذت من منطقة اليحر مقرا لي ولأسرتي وابناء قبيلتي، حيث لم يكن في المنطقة سوى عشرة منازل مبنية من سعف النخيل وبيوت الشعر والخيام التي تقاذفتها الرياح والأمطار، لكنها اليوم باتت من أكبر ضواحي مدينة العين.
تنمية واستدامة
يقول: عندما قدمنا إلى منطقة اليحر، كلفني الشيخ زايد رحمه الله، بمتابعة شؤون ابناء المنطقة، وتلبية متطلبات معيشتهم واستقرارهم، وكانت البداية من توزيع المزارع وتربية الإبل، حيث خصص رحمه الله مبالغ مالية شهرية لكل شخص، إضافة لمصروف خاص بالمزرعة وآخر للإبل من أجل أن يستمر الاهتمام بالثروة الحيوانية والزراعية، ويؤدي بالتالي إلى أن يستقر الناس ويعيشوا حياتهم بهناء وسرور.
أفلاج وظلال في بساطة الحياة
ويضيف: كانت منطقة العين هي المكان المفضل لكثير من مواطني الدولة، يلجأ إليها الناس للاستظلال بأشجار اللومي، هرباً من حرارة الصيف، وقد اشتهرت بأفلاج المياه مثل فلج الصاروج والجيمي، كانت الحياة بسيطة في السابق، وكانت المساكن عبارة عن بيوت مصنوعة من سعف النخيل أو من شعر الاغنام والجمال، أما التنقل والترحال فقد كانت مسافاته طويلة تقطع على ظهور الجمال.
فهي وسيلتنا الوحيدة للتنقل، وكانت الرحلة بين العين وأبوظبي تستغرق ستة أيام، وكان الناس يسافرون في قوافل طلبا للأمان، ولكن يكفي أن تهب الرياح القوية لتقطع على الناس سبل الطريق، وحدها النجوم ومعالم الرمل والشمس والقمر كانت ترشدنا.
وفي ما يتعلق بالمأكل والمشرب كنا نعتمد في طعامنا على الزراعة، ويرتكز على أكل التمر، وشرب حليب النوق، فالنخيل والجمال كانت قوام حياة البدو.
والحياة الاجتماعية كانت بسيطة، وكان الناس ينامون بعد صلاة العشاء، ويستيقظون مع أذان الفجر، ورغم الصعوبات وقلة الإمكانات، كان الناس يحبون بعضهم بعضاً، وكانت القناعة عظيمة والعلاقات قوية بين الناس، والأمراض قليلة، ونعتمد على الأدوية الشعبية مثل ورق الزعتر المجفف، والمر والصبر والحلول والحرمل واللبان، فهذه الأدوية هي التي كان يعرفها الناس.
وعندما يحل ضيف على شخص كان أفراد العشيرة يتسابقون إلى استضافته كل في بيته ثم يجتمعون لتحيته، ويقدم صاحب البيت كل ما لديه. أما اليوم فيدعون الضيف إلى الفنادق والمطاعم، وقد ظهرت عادات غريبة لم تكن موجودة، لكن يبقى الكرم من عاداتنا النبيلة التي توارثناها أبا عن جد، فالواحد كان لا يملك من مال الدنيا إلا شاة واحدة أو ناقة، لكنه يقدمها إلى ضيفه عن طيب خاطر، وكان غذاؤنا لا يعرف المعلبات ولا الوجبات السريعة الجاهزة، ولم تعرف أجسادنا أمراض هذا العصر.
أمرهم شورى
ويتطرق محمد بن ركاض إلى نظام الحكم السائد آنذاك فيقول: كان لكل قبيلة شيخها الذي يرعاها، ويتدبر أمورها، وكان شيوخ القبائل يتخذون قراراتهم بعد استشارة كبار القبيلة وأصحاب الرأي فيها، ولا يصدرون أحكامهم بالسجن على المخطئين بل يأخذون الحق من المخطئ ويردونه إلى أصحابه، وكان يقضي هذا الشيخ بين الناس وله كلمة مسموعة وله مكانة مرموقة ويلجأ إليه الناس وقت الخصومة.
تكاليف وهدر
نحن جيل تربى على القيم، كنا نتزوج بمهر قليل، لا يتجاوز ألف درهم شاملة كل شيء بما فيها المهر ومتطلبات الزفاف، وكان الزواج بسيطاً والعريس لم يكن يتحمل كل هذه التكاليف التي نراها اليوم، ونسمع عنها، كنا نذبح ناقة يجتمع عليها كل أفراد القبيلة وأهل العروسين.
والناس يساعدون بعضهم وفق العادات والتقاليد السائدة آنذاك، كانوا يساهمون بما لديهم من إمكانات لبناء الأسرة الجديدة، أما اليوم فتلاحظ الإسراف في كل شيء حتى في الوقت، أما الأكل خاصة في موائد الأعراس فحدث ولا حرج، حتى قد وصلت تكلفة بعض الأعراس إلى مليوني درهم.
حكاية صندوق الزواج
ويسرد ابن ركاض العامري هذا الموقف قائلا: ذات يوم سمعت عن زفاف تم فيه ذبح 150 قعودا و300 عنزة، ومبلغ المقدم من المهر والمؤخر تجاوز المليون درهم، فقمت بنقل ذلك الخبر للشيخ زايد رحمه الله، الذي أصدر تعليماته بإنشاء صندوق الزواج، والتشجيع على إقامة الأعراس الجماعية، وقد أوكلت لي مهمة رئاسة لجنة صندوق الزواج في مدينة العين.
وقد أسهم الصندوق في تغيير السلوك المعتاد في نظام الزواج، حيث أصبح المواطن يعي تماماً ايجابيات تخفيض تكاليف هذا المشروع، كما غدا مقتنعاً بضرورة الفحص الطبي قبل الزواج، واقتناعه بفكرة الأعراس الجماعية، ودورها في التخفيف على الشباب المقبلين على الزواج، كما أن نسب الطلاق انخفضت بشكل ملحوظ، حيث ركز الصندوق على التنبيه من خطورة الطلاق على الأسرة والمجتمع في آن واحد.
ومن بين القضايا التي أولاها الصندوق اهتمامه مسألة العنوسة والزواج من أجنبيات، الذي أضر كثيراً بمجتمعنا، كانت مبادرة عظيمة في مجتمعنا من أجل عودة الشباب إلى جذورهم وتقاليد مجتمعهم.
مقارنة ناجحة
وعن الأعراس الجماعية التي تقام في العين سنوياً لفت إلى أن العرس الجماعي هو دعم لأبناء المجتمع، وأثبتت التجربة نجاح هذه الخطوة والحد من المغالاة في المهور، والحد من الإسراف في حفلات الزواج، التي تثقل كاهل الشباب مما يؤثر على تماسك واستقرار الحياة الزوجية. العرس الجماعي يتضمن 9 قعدان و200 رأس من الغنم وخيمة للرجال وأخرى للنساء، وهذا كله لا يتعدى 200 ألف درهم، في حين لو أقام هؤلاء حفلاتهم بشكل منفرد ستبلغ تكاليف إقامة هذا الحفل الملايين.
وأشار بقوله: تم إنشاء 8 صالات للأفراح في العين، تشمل كافة المناطق، لتكون دعماً ورافداً حقيقياً لهذه المناسبات بالتخفيف عن كاهل الشباب، وكان آخرها إقامة العرس الجماعي في صالة الأفراح في منطقة الهيلي، لـ200 شاب وفتاة من أبناء مدينة العين ومن مختلف القبائل.
وعد تحقق
وكان الشيخ زايد رحمه الله يحدثنا عن فكرة الاتحاد قبل قيامه وكأنه يراه ويعيشه، وبالصبر والعزيمة الصادقة استطاع أن يجعل الحلم حقيقة. ولن أنسى يوم إعلان دولة الإمارات، فسرعان ما تبدل الحال، واتحد الناس بفضل الإرادة والعزيمة والعلاقات القوية بين حكام الإمارات.
وقبل هذه المحطة التاريخية كان لي شرف الاقتراب من الشيخ زايد - طيب الله ثراه - عندما كان يقيم في مدينة العين، وكنت واحداً من رفاقه في جولاته، ورحلاته داخل وخارج البلاد، كان دائما يقول لنا: "نحن سوف نصبح أغنياء، وسنكون من أغنى البلاد، وسنبني طرقاً وشوارع ومطارات.
وستكون بيوتنا حديثة وحياتنا أكثر سهولة". لقد عاصرت هذا الرجل العظيم، وعرفته زعيماً كريماً وشجاعاً، وتعلقت به منذ الصغر، وأخذت منه صفات قل أن تتوافر أو تجتمع في شخصية واحدة، فتعلمنا منه حب الخير والتفاني في العمل، والإخلاص للوطن. تعلمنا الفروسية والشهامة، ولمست بقربي منه إرادته القوية، وبعد نظره وفطنته السياسية فإذا فكر في شيء أو توقع شيئا ظل يتابعه حتى يتحقق.
الدور الرسمي
وعن دوره في عضوية المجلس الاستشاري يقول: الأعضاء يحملون رسالة وأمانة نقل طلبات الناس ومقترحاتهم إلى المجلس الاستشاري ومن خلال اللجان ترفع طلبات المواطنين إلى صاحب السمو رئيس الدولة، وتتميز أنشطة وأعمال المجلس بالموضوعية والواقعية في إصدار التوصيات والقرارات واعتماد الصالح العام معياراً لتقدير الأمور والحكم عليها.
ومنذ انضمامي إلى المجلس عام 1994 ، بعد أن شرفني بذلك صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، "حفظه الله" وأنا أقوم بدوري ومتابعة القضايا مع الأجهزة الحكومية والمؤسسات المحلية والاتحادية، وتعرضت في ذلك للكثير من التجارب واكتسبت الكثير من الخبرات.
فالمجلس الاستشاري يمارس دوره على نهج الشورى والمشاركة في إدارة الشؤون العامة للبلاد، وهنا أتذكر ما كان يردده مراراً المغفور له بإذن الله الشيخ زايد "إنكم أعضاء المجلس الاستشاري لا تمثلون أنفسكم فأنتم تمثلون أمة بأكملها، وأنتم آمال هذا الشعب".
لجنة المصالحة والبعير
أما بالنسبة للجنة المصالحة، مازالت تمارس دورها بعيدا عن أبواب المحاكم وأسوار السجون، ومن أشهر قضايا اللجنة التي قامت بها، حين اختصم رجلان على بعير، وكان أحدهما قد اعطاه للآخر، وبعد فترة تراجع في عطيته وطالب باستعادة البعير، وتقدم للمحكمة بشكوى رسمية، ووضع كل منهما محاميا، واستغرقت القضية أكثر من سبع سنوات بين أروقة المحاكم.
وحلف كل منهما يمينا بأن البعير له، وبعد ذلك لجأ المتخاصمان للجنة المصالحة، التي قامت بتسوية القضية خلال يومين، حيث أقر الشخص المانح بملكية البعير للشخص الآخر مقابل تنازل الطرف الثاني عن دعوى تعويض قيمتها خمسة ملايين درهم، وتم ابلاغ وزير الداخلية حينذاك محمد سعيد البادي بتلك الواقعة، التي أسعدت الشيخ زايد - رحمه الله- وتناقلت وكالات الأنباء والصحف الخبر.
بطاقة تعريف
شغل الشيخ محمد بن ركاض العامري عدة مناصب، فهو عضو المجلس الاستشاري، ورئيس لجنة شؤون المنطقة الشرقية، ورئيس لجنة صندوق الزواج، وعضو هيئة المصالحات بين العشائر.
أنجال وأجيال
تزوج الشيخ محمد بن ركاض العامري ثلاث نساء، وأنجب 14 ولدا من الذكور، سالم.. ويشغل منصب عضوية المجلس الوطني الاتحادي، وحمد.. مدير عمليات في دائرة النقل، وعبد الله.. يعمل في وزارة الداخلية، ونهيان.. مدير الأمانة العامة في المجلس الاستشاري، وركاض.. مهندس بترول، وسعيد.. ضابط في الشرطة، وسهيل.. مهندس مدني، ومبارك.. موظف في بلدية العين، وسيف طالب، وكذلك بقية الأولاد الصغار يتابعون دراساتهم.




