من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف إلى الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
ركب البحر وعمره 18 عاما مع خاله، عرف أسراره والدرر الكامنة في أحشائه، لا يهاب أمواجه العاتية وظلمته الحالكة، عرف مواسم الأمطار والرياح التي تهب في كل الفصول، وخبر النجوم التي يهتدي بها في حله وترحاله، يرافق أترابه في رحلة يومية للصيد من ام القيوين وحتى جزيرة ابوموسى، يعد من مؤسسي جمعية الصيادين في ام القيوين وجمعية التراث للفنون الشعبية بأم القيوين، اضافة الى تأسيس النادي العربي بأم القيوين ومن المساهمين في تأسيس اذاعة أبوظبي، درس المرحلة الابتدائية في مدرسة الامير من الاول وحتى الاعدادي ثم بالمعهد الوطني في قسم الخراطة بدولة قطر العام 1971.

يقول يوسف حميد ناصر من مواليد أم القيوين 1952 أب لبنت واحدة أنجبها بعد 17 عاما من الزواج: إن علاقته بالبحر علاقة أزلية ذات فلسفة خاصة في التأمل والنظر الى البعيد حيث يبحث الانسان عن تلك العلاقة والتي قد تصل الى حد كبير بين الحب والعشق، ويعد البحر صديقا له يلجأ اليه وقت الشدة يبثه شجونه واحزانه ويحكي له اسراره متمنيا ان يعود اليه مرة ثانية بعد أن اقعده المرض.
من أم القيوين الى أبو موسى

ويستطرد قائلا: إنه ركب البحر وعمره 18 عاما وظل يعمل في مهنة الصيد مع خاله، وبعد ان توفاه الله آل اليه قارب الصيد الخشبي الذي ظل يعمل فيه ممارسا مهنة الصيد، متحملا المسؤولية وحده، مبينا أن عملية الصيد كانت مفتوحة ومحفوفة بالمخاطر، فيذهب مع أترابه في رحلات صيد يومية وجماعية تبدأ من أم القيوين حتى جزيرة ابوموسى يبيتون خلالها محملين بالصيد الوفير بشتى انواع الاسماك الطازجة، حيث كانت النجوم هي دليلهم في السير ليلا مصارعين الامواج العاتية والرياح الشديدة قاهرين الهواجس والمخاوف التي تنتابهم غير آبهين بحرارة الصيف التي كانت تزيدهم عزيمة واصرارا .
إذاعة أبوظبي
يستطرد حميد: عندما كنت أدرس بدولة قطر بالمعهد الوطني قسم الخراطة سمعت عبر المذياع عن شواغر ووظائف لفنيي هندسة ومذيعين لإذاعة ابوظبي، استأذنت وأتيت الى ابوظبي وقدمت في وظيفة فني هندسة، حيث قدم للوظيفة آنذاك 99 موظفا ومكثت اسبوعين انتظر الرد ولكن دون جدوى، ثم عدت الى قطر مرة اخرى لإكمال دراستي، وبعد مرور فترة وجيزة تم ابلاغي بأنني ضمن 10 موظفين تم اختيارهم للعمل بالإذاعة في وظائف متعددة والتي كان على رأسها في تلك الفترة عبدالله النويس، فحزمت حقائبي عائدا الى ابوظبي في العام 1973، حيث عملت فني هندسة بإذاعة ابوظبي بعد ان دخلت دورة تدريبية ثم عملت على الهواء مباشرة حتى العام 1978 .

ويقول: خلال عملي في اذاعة ابوظبي عملت على تأسيس نادي البطين الرياضي وبعد ان ضم الى نادي الخالدية تركته وهو الآن تحت مسمى نادي الجزيرة، ثم انتقلت الى العمل بإذاعة ام القيوين رئيسا لقسم الهندسة ونائبا للمدير بالوكالة حيث كان يعمل بها 8 أشخاص ثم تطورت من خلال التعاون وتبادل البرامج والمسلسلات ما بين اذاعات الكويت والسعودية والعراق، وانه في تلك الفترة كانت اذاعة ام القيوين تقدم برامج وأغاني محلية، اضافة الى البرامج الدينية المميزة ونقل مباشر لصلاة التراويح ومشاركة رجال المرور في تنظيم برامج التوعية المرورية، اضافة الى العمل في المعسكرات الكشفية، حيث ما زلت اعمل فيها حتى اقعدني المرض قبل 5 سنوات .
النادي العربي
يقول حميد: عندما عدت من دولة قطر التقيت مجموعة من الشباب وبدأنا نلعب كرة القدم في الساحات الخالية الى ان تقدم احد الاشخاص وهو أحمد سلطان الجابر باقتراح لإنشاء ناد رياضي بأم القيوين، حيث تم منحنا مدرسة كانت مهجورة مدرسة (قطر) كناد مؤقت نلتقي ونجتمع فيها ونمارس مختلف الانشطة الرياضية المتاحة، وبعدها امر المرحوم الشيخ سلطان بن أحمد المعلا بإنشاء النادي العربي في العام 1966 حيث عملت فيه مديرا للكرة ومسؤولا عن نشاط الدراجات وكنت احضر الملابس الرياضية من قطر لأنها كانت غير متوافرة عندنا في ذلك الوقت، وفي العام 1966 توجهنا كإدارة الى ابوظبي ومنحنا المغفور له بإذن الله الشيخ زايد درع النادي، اضافة الى كأس بمناسبة عيد الجلوس.
أمين السر للتراث
واستطرد حميد: كنت من مؤسسي جمعية التراث للفنون الشعبية بأم القيوين، وأعمل حالياً أمينا لتلك الجمعية، وإن علاقتي بها علاقة حب وعشق للتراث علاقة مذكرة بالآباء والاجداد المؤسسين للدولة، وإن الجمعية توثق لتاريخ الامارة من خلال المحافظة على الموروثات الشعبية من الاندثار حتى تصل الى الاجيال خاصة وان ام القيوين تتميز بتراثها الزاخر وقلاعها وحصونها المنيعة التي ظلت شامخة الى يومنا هذا تجسد معالمها التاريخية والحضارية، داعيا الجيل الحالي الى ضرورة التمسك بالتراث واصالة الاجداد وعاداتهم الجميلة حتى تعزز من هويتنا الوطنية.
رمضان زمان
كانت بيوت السعف هي الواقي لنا من حرارة الصيف، خاصة في شهر رمضان وأيام اشتداد الرطوبة، فلا مكيفات ولا ثلاجات، ورغم ذلك كان لرمضان نكهة خاصة وحلاوة يحسها جميع مواطني ام القيوين من خلال البساطة التي كانوا يعيشونها، وكان معظم الاهالي في ايام الصيف الشديدة يبللون قطعة من القماش ويغطون بها وجوههم علها تقيهم من لهيب الحرارة، الى أن يأتي وقت الافطار الذي يكون في الساحات خارج المنازل كعادة اهل ام القيوين لأنهم كانوا حريصين على تقوية الروابط الاسرية والاجتماعية فيما بينهم بشكل كبير والذي يتجلى في الموائد الرمضانية المفتوحة التي كان يلتف حولها الجميع.

وبعد صلاة التراويح يلتف الناس ويجتمعون في المجالس ويستمعون الى قصص البحارة البطولية ومغامرات الشواب الشيقة التي يتبادلون الحكايات في جو مشحون بالألفة والمحبة، وإن تلك التجمعات كانت لها ايجابيات عديدة يستفيد منها الكبار والصغار، فهي تنمي فيهم روح التكافل والتعاضد وحب الآخرين يتناولون خلالها الأطaباق الشعبية ومختلف أنواع الحلويات المحلية، فهي تحوي الفواكه واللقيمات، اضافة الى الخبيص والعصيدة.
نهضة
لم نكن نتوقع أن تنهض الدولة بتلك السرعة لتلاحق مصاف الدول الاخرى، وذلك بفضل باني الدولة والنهضة المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد طيب الله ثراه، فتحولت الصحارى الى جنان وانتشر العمران والمدارس والمستشفيات والطرق لتعم كافة إمارات الدولة، وكان الناس في الماضي يمشون على الاقدام للتنقل من امارة الى اخرى في مواسم الامطار، وكنت أملك سيارة (تويوتا) واستبدلتها بفورد اذهب بها من ام القيوين الى ابوظبي يوميا، وكانت هناك نوع من المعاناة، خاصة عند الخيران والخلجان لأن الطرق لم تكن معبدة وممهدة في ذلك الوقت.
