في مجلس أم أحمد تجسدت تقاليد الضيافة الإماراتية الأصيلة في أمسية رمضانية على مائدة لتناول وجبة السحور، وقد جمعت الأمسية مختلف الأجيال، واشتملت على طروحات ومناقشات متنوعة وبلا حدود حفتها أجواء رمضان الروحانية، وتخللتها موضوعات حياتية من كافة المجالات. فالمكان هو مجلس موزة بنت غانم الشامسي حرم حمد حمدان المطروشي، بعجمان، معلمة تاريخ ثم تقاعدت وتفرغت لشؤون الأسرة والمجتمع.

فاق عدد الضيفات الأربعين من مختلف الأعمار والتخصصات والمهن، أصغر الحضور كانت في الخامسة عشرة في حين كانت السبعينية أم عبدالله بركة الجلسة الكبرى.

فلسفة المجالس

كان اللقاء في خيمة تتصدر ساحة المنزل، امتازت بتنوع أذواق الأثاث فيها وعكست طرازا غلبت عليه المعاصرة وتناغم الألوان، وفتحت النقاش فضيلة المعيني مديرة قسم الدراسات والملاحق التحريرية في البيان بسؤال إشكالي حول فلسفة المجالس.

فالتقطت بداية الحديث موزة غانم الشامسي أم أحمد تحدثت عن خطتها فتقول: دعيني أولا أذكر منهجية التواصل في شهر رمضان حيث يخصص الأسبوع الأول منه لزيارة الأرحام والأسبوع الثاني لأداء مناسك العمرة، ومع نهاية الشهر تتقلص اللقاءات استعدادا للعشر الأواخر والعيد.

أما عن سؤالك وفلسفة المجالس فإن المجلس ورواده، قبل موسم رمضان وأثناءه وبعده، لا يخضعان لتخطيط مسبق فالمكان يبقى مفتوحا لاستقبال كل من يحضر بشكل تلقائي. ففي المجلس كما ترين مختلف الأعمار وذلك لتتعرف البنات على تقاليد المجلس وتتعلم مما يطرح فيه من موضوعات ونقاشات، فهي اليوم طفلة أو صبية، لكنها غدا سيدة مستقلة ببيتها وستقوم بالدور نفسه مع أولادها، لذلك لابد أن تخضع لهذا التدريب التلقائي أو العفوي في ظاهره لكنه مقصود بطبيعته.

 

افتقاد الفريج والعائلة الممتدة

أما موزة ناصر مديرة مدرسة سودة بنت زمعة بعجمان، فتداخلت مؤكدة: أن التواصل المتوفر سابقا كان عبر الزيارات، حتى أن النساء كن يضعن خطة لزياراتهن، تبدأ بصلاة التراويح، كما يتم الاتفاق على أنواع أطباق الطعام اليومي حتى لا تتكرر الأصناف.

والجولات تكون متنوعة إما لصلة الرحم أو لإنجاز عمل أو إتمامه حتى لو كانت المشغولات اليدوية كالتطريز والخياطة وعمل التلي، كن يتعاون على القيام بها ويتخلل ذلك الأحاديث واليوميات والهموم، أحاديث فضفضة تتعرف كل منهن على مكنونات الأخرى أو متاعبها ويتعاون على حلها، وإبداء النصيحة أو الرأي، لكن اليوم لو زارتني إحداهن فإنها تغضب لو أجلستها في مكان يخلو من التلفزيون، وإن زرتها فقد تبقى معي لحظات ثم تنصرف إلى متابعة مسلسلها؛ تقطع حديثها معي ولا تقطع مشهدا من المسلسل؛ معي بالبدن ولكن الذهن شارد.

 

مائدة انترناشيونال

وتضيف: التقنية الحديثة جعلت الناس معنا وليسوا معنا، روح التواصل اختلفت، ففي السابق كان الحرص على ملتقى رمضان لازما فالرجل 11 شهرا وهو يتناول الطعام مع أسرته ولكن شهر رمضان كاملا يجعله لأصدقائه وجيرانه في المجلس. أغلب الناس اليوم تفتقد تلك المائدة الطبيعية بعد أن غزتنا الموائد (الانترناشيونال) وهي ليست بالضرورة صحية.

 

عمروا المولات وهجروا المجالس

وتلتقط موزة مفتاح مديرة مركز التنمية الاجتماعية سابقا الحديث قائلة: نشهد كثيرا من الناس اليوم يفضلون اللقاء في (المولات) أو المراكز التجارية، وهم بذلك (عمروا المولات وهجروا المجالس). مؤكدة: أن هناك حالة من التكلف تطغى على بعض اللقاءات وهذا غير مرغوب فيه بتاتا، وإن حصل فإنه يؤثر على روحانية وتلقائية ومتعة التواصل، علما أن اللامنطقية عمت كثير من مناحي الحياة.

وساهمت الدراما التلفزيونية في تكريس ذلك حتى أصبح كأنه مبدأ وروجت له بخاصة الأعمال الدرامية التي تزج إلى رمضان وهي لا تصلح للعرض حتى في الأيام العادية. فالأعمال التلفزيونية تظهر الجميع في فيلل وهذه جوانب مغلوطة عن الواقع، وهذا ما نتناوله غالبا في أحاديثنا، فالنساء بكامل زينتهن ومجوهراتهن طوال وجودهن في المنزل وحتى أثناء النوم، ناهيك عن مستوى الحوار وأسلوب التعامل البعيد كل البعد عن الواقع، فشكل ومستوى الحياة فاخرة وفخمة.

لكن لا يوجد أفراد مجتمع في العالم في مستوى واحد، وهذا ليس عيبا فالتفاوت موجود، لكن الدراما تتجاهل ذلك بشكل غريب ونحن حقا نرفض هذا الأمر جملة وتفصيلا لأنه لا يمثل الحقيقة ولو في جزء بسيط منها، وعادة تفرض مثل هذه الأعمال مناقشتها في مجالسنا.

 

الغبقة الكويتية

وتقطع حديثها شيخة غانم الشامسي موظفة في وزارة التربية والتعليم: أتفق في رفض الكثير إن لم يكن معظم الأعمال الدرامية خاصة المنتجة لرمضان، حيث إنها تتجاهل خصائص الشهر الفضيل وخصوصية المجتمع الخليجي وحتى العربي، فالجميع اليوم أمام مرئ العالم بفضل الفضائيات التي تخترق المجتمعات القريبة والبعيدة وما تقدمه الدراما يشاهده العالم، ناهيك عن نظام الدبلجة، وما تقوم به الدراما أو تقدمه يعكس جوانب سيئة وبمبالغة مفرطة، كما أنها تعرض قضايا كظواهر وهي في الواقع مجرد حالات فردية لكنها تضخمها.

وهي بذلك تسيئ للمجتمع مرتين، مرة بنقل واقع مغلوط لكل مشاهد وكل مجتمع، ومرة لأنها تعلن عن موقف يصبح بعد ذلك ظاهرة فعلا، ومنها على سبيل المثال مسألة ما عرف بـ (البويات) هذه ظاهرة غير معروفة وإن وجدت ففي حدود ضيقة حالها حال أي مجتمع، لكن وبعد أن أبرزتها الدراما صرنا نصطدم مما نراه فكأن هناك من يتربص ليقلد بل وليصنع الظاهرة، لقد روجت الدراما لهذا الأمر مع الأسف.

وتضيف: بينما هناك جوانب ينبغي أن يلتفت لها الإعلام والدراما أيضا، وهي تكريس الجوانب الإيجابية في المجتمع والترويج لتقاليد أصيلة ومفيدة، فهناك تقاليد ذات أبعاد تربوية تغفلها الدراما، وخاصة تلك التي تتناول الموروث من القيم والعادات الايجابية لترسيخها أو إحيائها. فأنا مثلا سمعت كثيرا عن الغبقة الكويتية.

وهو تقليد رمضاني تقوم به النساء بأن يجتمعن كل يوم لدى واحدة منهن من بعد صلاة التراويح في ما يشبه حفلات الاستقبال اليوم، لكن هذا اللقاء يكون ذا طابع تقليدي بدءاً من أصناف الطعام وطرائق إعدادها إلى أجواء المكان، حتى الأزياء التي ترتديها النسوة، ولشدة إعجابي وحنيني للأجواء التقليدية أحضّر نفسي للسفر إلى الكويت بعد أيام لأحضر الغبقة الكويتية، إضافة إلى القريقيعان، فهذه جوانب تفتقر إلى الأضواء وهي جديرة به.

وترمي عائشة العبدولي - مديرة شؤون فنية بشركة عجمان للصرف الصحي بغضبها على الدراما الرمضانية بتأكيدها على: استهتار المنتجين بخصوصية الشهر الفضيل فهي أعمال لا تعبر عن خصوصية خليجية مطلقا ولا تعكس الحقيقة أو تترجم الواقع ولا تعبر عنه، أتمنى حقيقة أن يرحمنا الإعلام من هذا الانتاج المحزن والمنفلت والمشحون بالسلبيات، كل ذلك فقط لأن رمضان بالنسبة لهم موسم للفرجة، وهو موسم للطاعات لكن يساء له. أتمنى نقل الواقع من خلال هذه الأعمال التلفزيونية إن كان ولابد من دراما خليجية أو محلية.

وتضيف على سبيل المثال حين تطرح مسألة خيانة الأخت لأختها هذه قضية مرعبة لأن هناك تحريما شرعيا في الجمع بين الاختين إلا إذا توفيت مثلا أو تطلقت لكن أن يكون بيت الأخت مسرحا للخيانة والزوج هدفا وأخت الزوجة غاية هذا كثير.

من جانبها تبدي عائشة الريايسة مديرة مركز مشيرف الصحي، تأييدها فتقول: إن هذا تخريب لصلة الرحم فحتى لو يحصل شيء من ذلك لا ينبغي أن يبث ويعرض علينا، بل يجب تناول بث القيم الأصيلة لإبرازها وتعزيزها، ولا أعلم حقيقة ما هو الهدف من نقل مثل هذه القضايا الغريبة والنادرة الحدوث، فهي قضايا مسيئة ومشينة. مضيفة:

حقيقة لقد اكتفينا من المبالغة في عرض النكد والحزن، ومن جانب آخر استغرب من ترجمة الواقع والحياة بالترف والدعة، بينما الحقيقة ليست كذلك. أنا ادعو إلى ضرورة إبراز حالة الرضا لدى الناس ولابد أن يتوجه الإعلام إلى تعزيز الهوية الوطنية والرضا بالحال والبركة في الشباب والتركيز على ما ينبغي أن يكونوا عليه لأنهم المستقبل إن أردنا معالجة الظواهر السلبية، ولكن لن نحل شيئا منها ونحن نشهد الترويج للسلوكيات السيئة.

بينما تعيدنا عائشة عبد الرحمن إعلامية إلى المجالس بقولها: إن المجالس الرمضانية التي نحرص على ديمومتها كإماراتيين منبعها إيمان عميق بأن هذه المجالس علّمت رجالا وخرجت خيرة النساء، فهي ليست أماكن لتمضية الوقت بأحاديث لا فائدة منها، ولا للنميمة بل تجتمع فيها الأسر والأقارب والجيران والمعارف ليتبادلوا النقاش والمشورة في مواضيع حياتية شتى، ورغم اختلاف شكل المجالس بين الماضي والحاضر إلا أن جوهرها ومضمونها لا يزال كما هو.

وتتذكر عائشة عبد الرحمن العديد من العادات الرمضانية القديمة التي تكاد تندثر تحت وهج المدنية مضيفة: أن الإفطار الجماعي عرف سنوي مقدس، حيث جرت العادة بأن نتحلق كلنا حول مائدة الإفطار، وكنا نشعر بالسعادة من هذه اللمة العائلية التي نقضي جزءا منها في تلاوة القرآن والصلاة، وكنا في هذا الجانب بالذات نحرص على اصطحاب أولادنا الصغار - ذكورا وإناثا- إلى صلاة التراويح جمعا، لنعلمهم ونعزز فيهم الوازع الديني والقيم الصحيحة منذ النشأة الأولى.

وتضيف: وإذ نجتمع فإننا نتحدث عن شؤوننا العملية وغيرها من أمور الحياة إلى جانب القيام بأعمال الخير التي ترتبط بشكل أساسي بروحانيات الشهر، ومنها توزيع وجبات الإفطار على الفقراء، وتوزيع الخبز على المحتاجين عن طريق المسجد، وما إلى ذلك من أوجه الإحسان المتعددة.

 

محظوظو الفترة البينية

أما بشرى حمد المطروشي: إدارية في وزارة العمل فتؤكد قائلة: بلا شك نحنُّ إلى الماضي بكل تفاصيله حتى الشاق منها قبل الممتع، ونحن نستمع إلى أجمل حكايات التحدي من آبائنا وأجدادنا ونستشعر من خلال مرويات تجاربهم مدى استمتاعهم وقناعتهم رغم صعوبة الظروف المعيشية آنذاك.

وقد يكون ارتباطنا بالفريج لكوننا أبناء الفترة البينية المحظوظة التي تأرجحت بين الماضي القريب حيث كان الفريج يلخص علاقات الأسر التي تقطن فيه، وبين التطور والمدنية الذي نلنا منه نصيبنا.

وتضيف: في رمضان على وجه التحديد تتلخص حياتي بكلمتين جمعة العائلة والتراويح، فأنا حريصة في هذا الشهر على قراءة القرآن أكثر من مرة والتواصل الاجتماعي مع الأقرباء والحرص على الإفطار والسهر معهم، مؤكدة: أن المجالس هي الحضن الذي يضم أبناءه بقوة خاصة في ظل هذه الظروف التي أثرت على العلاقات بصورة كبيرة وأهمها الطفرة التكنولوجية وانشغال الناس بمغرياتها التي لا تعد ولا تحصى.

وتلتقط الحوار اسماء حمد المطروشي- رئيسة خزينة في بريد الإمارات فتقول: عن نفسي عشت أجواء الفريج في البيت القديم في التسعينات، واستطعمت ملامحه ومعطياته وجمالياته التي أحملها وافتخر بها إلى اليوم، لكن أولادنا لم يعيشوه، لذلك غالبا ما أردد أنني أفتقد السهر في الحي عند الجيران وتلك المشاعر الفطرية بالاطمئنان، وما زلت أستشعر مذاق السكة بين الأحياء. هذه الأمور جميلة لما تحمله من حميمية وطبيعية ومشاعر من اللحمة والأمان.

أما سكينة محمد البنا - موظفة في وزارة التربية فتقول: أفتخر بأني مازلت أتحلى بصفات سيدات زمان، وكثيرات هن اليوم مثلي فنحن نقوم بدور الأم والأب معا تماما كما كانت تفعل جداتنا حين يغيب الآباء عن البيوت في السفر، صحيح هناك فارقا هو أن أسفارهم بعيدة وغيابهم طويل لأشهر.

لكن الأدوار هي نفسها ومتشابهة بيني وبين جدتي أو أمي فنحن اللواتي يغيب أزواجنا عن البيوت لضرورة العمل في إمارة وإقامتنا في إمارة لنلتقي في نهاية الأسبوع كعائلة، نشعر بما كانت تشعر به تلك السيدات الاوائل في المجتمع، وهذا يشكل شخصياتنا ويقوي عزائمنا ولو أنه يضاعف مسؤولياتنا وقد يصعبها نظرا لاختلاف معطيات العصر والزمان اليوم عما كانت عليه بالأمس.

 

هاجس التربية والصحة

نوال المطروشي موجهة تربوية متقاعدة: تقول معظم أحاديثنا في جلساتنا رمضانية كانت أو غير رمضانية حول الأولاد والتربية لأن ما يطغى عليها ويفرض نفسه من أحاديث وموضوعات هما قضايا التعليم والصحة، لكن خفّت قليلا أحاديثنا حول التعليم مع قرار الثلاثة فصول لأنه أراحنا كتربويين وأراح الوزارة وأيضا الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور.

أما قطاع الصحة فما زلنا ندور في أحاديثه ونشعر بغبن من مسألة التأمين الصحي الذي لم يشمل الجميع ونطالب به، كذلك نتطرق إلى إشكالية مواعيد المستشفيات البعيدة ونعجب من مثل هذه المواعيد المتأخرة، فحين نكون في الخارج فبمجرد طلب الموعد يحدد وفي وقت مناسب.

وفي خلال اسبوع ينتهي الكشف والفحص ونحصل على النتائج أيضا، على عكس واقع مستشفياتنا حيث نضطر للانتظار لعدة أشهر. فهناك قضايا نتداولها ولا نعرف لها حلا، مثل نقص الأدوية وتخصيص بطاقة التأمين الصحي لفئات معينة، حتى وإن اختلفت البطاقات من إمارة إلى أخرى، لكن نتحدث عمن لم تشملهم مثل هذه الخدمة.

 

التلفاز مغلق إلى إشعار آخر

يبقى الالتزام الديني لكوننا أسرا إماراتية محافظة قويا، بهذه الكلمات بدأت حصة المظلوم "ربة منزل" حديثها ثم تقول: الناس يهتمون بالبعد الجماعي في كل شأن من حياتهم حيث كنا نأكل من ذات الطبق وكان له نكهته الخاصة، نعلق فوانيس رمضان فتنير القلوب والأرواح.

وبالنسبة لأسرتنا فنحن نرفع شعار لا للتلفاز ونضع ملصقا كبيرا على الجهاز مكتوب عليه مغلق إلى إشعار آخر، لأن أكثر ما نفتقده حاليا هو الترابط الأسري، ونموذج العائلة الكبيرة الممتدة. مضيفة: كنا نجلس على سفرة واحدة الكل يضع يده في ذات الطبق وهو صنف واحد لا غيره، لكن مذاقه كان أطيب من المائدة الكبيرة المليئة بالأصناف التي نحظى بها الآن، فالتجمع العائلي هو ما يعطي الطعام لذته ومتعته.

أما حصة المطروشي مديرة خدمات قضائية فتؤكد على غياب القناعة اليوم، ففي السابق كانت الناس تفطر على لقيمات أو عيش مع سمك وتقنع، لكن تلك القناعة فقدت وحلت محلها المبالغة والتكلف حتى في مشروع زيارة عادية فإن الواحدة تتعلل أو تؤجل الزيارة ما لم تحضر هدية لائقة بمن ستزورهم، بينما الزيارة في حد ذاتها أبلغ وأثمن هدية تؤديها، لكن هذه النظرة المختلفة أعاقت القيام بالكثير من الواجبات التلقائية والطبيعية.

حتى باتت الزيارات ثقيلة على البعض، عقدتها المجاملات والشكليات الزائفة في حين كانت في السابق بلا مواعيد ولا سابق انذار، ويعود المريض.. الجميع، بل يتسابقون على خدمته ورعايته وهنا جوهر الحياة ومعناها ومغزاها الحقيقي.

 

مفهوم العائلة المقدس

وبالنسبة لفاطمة النعيمي وهي تربوية متقاعدة رمضان عائلي بامتياز له أجواؤه الروحانية التي ينبغي استثمارها على أفضل وجه حيث أحرص على زيارة والدتي فيما أبنائي وبناتي وأزواجهن يفطرون معي، فرمضان موسم للم الشمل بلا منازع، فيه تصفى القلوب وتصبح عامرة بحب الله والخيرات بكثافة وتركيز لكون جو رمضان وأجواءه فرصة بعيدة، علينا اغتنامها واستثمارها حين تحل.

من جانبها تعترف عائشة المطروشي إدارية بالدفاع المدني قائلة: تشكل وعيي في المملكة العربية السعودية عندما انتقلت للعيش فيها. وتؤكد: أن أجمل ما في رمضان هو التجمع العائلي الذي بتنا نفتقده بحكم الانشغالات، فالكل محكوم بعمله ولا متسع لزيارات الأرحام ولا للتواصل العادي والطبيعي.

وهو شيء مؤلم، فبنظرة إلى وسائل التواصل قديما نجدها صعبة وشاقة لكن العلاقات موجودة واللحمة واضحة بين الافراد، فيما اليوم وقد اتيحت لنا كل سبل التواصل ووسائله، ورغم ذلك تزداد المسافات بيننا ونتباعد، وأعتقد أنه يجب علينا التنبه لذلك، ومن الضرورة العودة إلى مفهوم العائلة المقدس.

تعزز ذلك مريم الشامسي تربوية متقاعدة فتقول: رمضان لم يتغير بالنسبة، فأنا أمارس ذات الطقوس منذ عقود، وفريجنا يحيي رمضان بالزيارات وتبادل أطباق الطعام حيث نستعين بعربة لتوزيعه، ويجلس الأطفال على مقدمتها فرحين، كما نتبادل الهدايا البسيطة تعبيرا عن الاحترام والود، إضافة إلى زيارة الأرحام والحرص على التجمعات العائلية.

وتحن فاطمة العبدولي مديرة مكتب رئيس نيابة عجمان إلى ما أسمته بالزمن الجميل بقولها: أفتقد الجلسات التي تتسم بالبساطة وعدم التكلف، والتي يتبادل فيها جميع سكان الحي أخبارهم ويطمئنون على بعضهم البعض، واكثر ما أتذكره عندما كنا صغارا تبادل أطباق الطعام والماء البارد الذي كان له وقع مختلف وحميمية عميقة، حقيقة أفتقد هذه الطقوس الجميلة والبريئة، حيث كنت أذهب إلى بيت جدتي سيرا على الأقدام كي نصلي معا، كنا نتجمع بسلاسة وبلا مشقة، لا أنكر أننا حتى الآن نحرص على أن نجتمع سويا كي نحافظ على لحمة العلاقة، لكن لأيام الطفولة طعم آخر.

 

نقمة على الـ «بيري»

 

 

أما فاكهة المجلس فكانت أم عبدالله.. آمنة بنت راشد بن ثاني الشامسي، التي أكدت في البداية حميمية وأصالة العلاقة بين الحكام والشعب، فهم بمثابة الأخوة والأعمام، والشيخ بالنسبة لنا أخ وأب وعم نحبه ونعزه ونقدره، وحكامنا يعاملوننا معاملة العائلة، وكل منا يتواصل مع الحاكم، والحاكم يعرف كل مواطن فينا، وهذا ما اعتدنا من الماضي واستمر معنا إلى اليوم لم يتغير منه شيء، فالحاكم وشعبه أسرة واحدة.

أما عن رمضان فتؤكد على الاختلاف قائلة: هو اليوم غير عما كان في السابق، لذلك أحن كثيرا وأقارن بين الأمس واليوم فالنساء سابقا كن يعملن بمفردهن ويتوالفن أي يجتمعن للتوجه للمسجد لصلاة التراويح ثم يستكملن زيارة الجيران بعد الانتهاء من الصلاة. كن يربين أولادهن بمفردهن ويتعاون على تربية أولاد الحي والأقارب بلا تحفظ ولا امتنان، لكن اليوم النساء مشغولات إما بالوظيفة أو بالتسوق.

ونجد المرأة اليوم تتسحر وتنام بينما كانت في الماضي تنام ثم تستيقظ للسحور. وأضافت ملاحظاتها الساخنة إلى الـ(بيري) وتقصد (البلاك بيري) بقولها: لايمكننا الجلوس مع أحفادنا اليوم فكل مطأطأ رأسه على البيري ومتمسك به بيديه الاثنتين، حتى إنهم يصعدون ويهبطون سلم البيت وعيونهم وأصابعهم مشغولة به، معنا بأبدانهم وأذهانهم في البيري، ولا يحتمل جيل اليوم النقد أو الملاحظة. وتستطرد بحديثها عن المجالس فتقول: كان في السابق مجلسان معروفان في الفريج يرتادهما الجميع للسمر والعشاء والسحور.

وهما مجلس عائلة الشيبة ومجلس عائلة الحمراني، وقد نشأ عنه الأمان فكانت الناس تخرج في أي وقت بلا خوف أما اليوم فهناك شيء من الخوف يصحبنا من كل هذه الأمم الموجودة، لأن أكثر الناس والأقرباء تفرقوا على أحياء مختلفة كما، أن تجدد الجيران المستمر في حد ذاته أمر مخيف لولا ارتباطنا بأهالينا فقط. ويشدها الحنين فتعبر قائلة: نحن ما زلنا نذهب لزيارة فرجان أول، لكننا نعود حزانى بسبب كم التغيير الذي طرأ عليها وحل محلها العمران الحديث.

 

حكاية خيمة

 

 

تحدثت صاحبة المجلس موزة الشامسي عن الخيمة قائلة: كانت عبارة عن مسطبة مسطحة ونحن نطلق عليها ( دجة ) أي دكة وهي من الإسمنت فقط، وكنا نمد عليها البسط والمساند، بسبب جمال الطقس في الشتاء، ثم بعد فترة وجيزة تحولت إلى خيمة من الكتان الأبيض، بعد ذلك صارت من السدو أي خيمة من الشعر حتى تحولت إلى خيمة مجهزة.

كما هي عليه اليوم نقيم فيها ملتقياتنا صيفا وشتاء، ويمكن اعتبار مراحل تطور بناء هذه الخيمة، مؤشر تطور لما مر فيها ويمر من خبرات ومهارات، فقبل أكثر من عشر سنوات كانت دكة وشهدت تطورات ثم تحولت إلى ما هي عليه اليوم.

 

فتاة الأمس لا تنام ولا تتسوق بمفردها

 

 

تضيف أم عبدالله: في الماضي لم تكن الزيارة للغني أو للكبير مثل اليوم بل كانت موجهة للفقير لأنه هو الذي لا يجد من يسأل عنه.

وتطرقت بحديثها إلى تقاليد الأمس المتعلقة بتربية الفتاة قائلة: من المُعيب أن تذهب الفتاة بمفردها للسوق، أو من دون استشارة والدها أو والدتها، وإذا سمحا لها فإنها تذهب بصحبة من هي أكبر منها كخالتها أو والدتها، ولا يسمح لها أن تنام بمفردها بل مع شقيقتها أو خالتها أو أمها. لقد افتقدنا الكثير من تقاليد الأمس كالمشي أو السير على الأقدام، فنحن اليوم نستقل السيارة لأقصر المسافات .

وهذا أمر يقلص الزيارات أيضا، وفيه شيء من التكلف. نحن اليوم نشهد توفر نعم كثيرة من المأكل والملبس والمسكن والبضائع والمواد والأجهزة لكن لا نشعر بالعافية. يمكنني أن أقول إن حياة الماضي أفضل، لكن حياة اليوم أريح، لكن على المستوى النفسي ليست مريحة.