ولدت في بيئة قاسية امتزجت فيها الحياة الجبلية بالبحرية، وكان لذلك تأثير كبير في تكوين شخصيتها، حملت المسؤولية منذ صغر سنها، تميزت طفولتها بالشقاء والبعد عن المرح الذي عاشه باقي الأطفال. حرصت على أن تتعلم رغم مشقة التعليم في ذلك الوقت، حققت بطموحها الكثير من الإنجازات ولم تتوقف عند محطة معينة.
وهي من النماذج المشرفة للمرأة الإماراتية والعربية. وفي زيارة (البيان) لها كشفت النقاب عن شخصيتها. هي مريم بنت عبدالله بن سعيد الشحي، من مواليد منطقة شعم التي تقع في إمارة رأس الخيمة، من صغرها مارست العمل، فحرصت على مساعدة والدها صيفا في المزرعة.
حنين لموسم (اليداد)
تقول مريم: كان عملي في المزرعة يبدأ مع عملية تلقيح النخل وهو (التنبيت) ليستمر إلى مرحلة اخضرار الثمر (الخلال) وتجميع المتساقط منه للمواشي، وبعد ذلك قطف ثمار الرطب، ومن ثم عملية تجفيفه على (المسطاح) وهو المكان المخصص لتجفيف الرطب، وينتهي عملي من المزرعة بعد توزيع التمر والدبس وهو (عسل التمر) على الجيران والأهل والأصدقاء.
وتضيف: أفتخر بماضيّ الذي علمني الكثير من الأمور وساهم في صقل شخصيتي، ومن العادات التي أفتقدها اليوم تجمع الأهل في موسم قطف الثمار وجمعها، حيث كان يتم في السابق تشكيل فريقين من النساء والرجال، وينصب دور الرجال على صعود النخلة وقطع الثمار، وتجمع النساء المتساقط من الرطب أثناء عملية (اليداد) ويقوم فريق آخر بفرز الرطب واختيار أجوده للطعام والباقي للمواشي، مؤكدة أن النخلة رمز لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي حرص المغفور له الشيخ زايد على زرعها في جميع إمارات الدولة وأوجد سوقا خاصا للرطب وذلك يقينا من المغفور له بأهمية النخلة.
تضحية
رغم صعوبة الحياة التي نشأت فيها، وعدم توافر المدارس والخدمات، لم يشكل ذلك حاجزاً أمام تعليمي، وأذكر والدي عندما أنشأ بيتا جديدا من الأسمنت والطابوق من أجل أن نقيم فيه كعائلة، لكنه بعد أن انتهى من تشييده، التمس حاجة المنطقة لمدرسة يتعلم فيها الأبناء، فدفعه ذلك لأن يتنازل عن البيت الذي بناه، ليجعله مدرسة يتعلم فيها أهل منطقة شعم والمناطق المجاورة،
وساعد في عملية التعليم وجود بعض الأسر المتعلمة من فلسطين لتقوم بدورها في الإشراف على المدارس وتأسيس قاعدة التعليم في المنطقة وكان ذلك في بداية السبعينات. وتضيف: لم يتقبل الناس فكرة التعليم في بداية الأمر، ولكن مع مرور الوقت حرصوا على تعليم أبنائهم.
وكنت من أوائل الذين انضموا إلى المدرسة، ليبدأ مشواري العلمي في مدرسة والدي، وأكملت مرحلتي الإعدادية في المدارس الحكومية، ومن أكثر الأشياء التي كانت تحببني في الدراسة أنه بعد الانتهاء من العام الدراسي تنشر الأسماء في الراديو.
وكان من عادة الأهالي في الاحتفال إطلاق النار فكانوا بعد سماع أسماء أبنائهم يقومون بذلك إلى جانب توزيع المشروبات، أما مرحلة الثانوية فهي من أصعب المراحل الدراسية التي عشتها فقد كان ذهابنا إلى المدرسة فيه الكثير من المشقة والعناء، فالسيارات تنطلق في الخامسة والنصف صباحاً لتشق الطرق الوعرة من أجل الوصول إلى المدرسة وعلى الرغم من الإرهاق الذي كنا نعانيه من طول المسافة ومشقة الطريق لم يقلل ذلك من عزمنا بل تحدينا الصعاب من أجل العلم، وأكملت مشوار العلم رغم الصعوبات التي واجهتها.
مشاعر حزينة
التخلي عن العادات والتقاليد تترتب عليه سلبيات كثيرة، ويسبب تعارضا في أدوار الأفراد في المجتمعات، وإلى ذلك تشير مريم بتخلي الرجل الإماراتي عن دوره كرجل وأب ليلقي الحمل والمسؤولية على المرأة،
التي فقدت القيمة التي كانت تتحلى بها في نظر الرجل الإماراتي القديم، وذلك بسبب البدائل الأجنبية، التي لا تصلح أن تكون بديلا لينجب أبناءه، ومن عواقب هذا الزواج ازدياد نسب العنوسة التي بدأت تنتشر عدواها في المجتمع، وعبرت مريم الشحي عن استيائها لما تشاهده من ارتفاع في نسب الطلاق بقولها: هذه المفردة لم تكن موجودة في قاموس آبائنا وأجدادنا إلا بصورة نادرة، فالمرأة في الماضي لا تنتهي حياتها بالطلاق،
وما نشاهده اليوم من حالات اكتئاب المطلقات بعد طلاقهن يثير الانزعاج والصدمة في نفسي، فلو نظرن إلى الماضي لوجدن أن المرأة تتزوج ثلاثا وأربع مرات من دون أن يؤثر ذلك في سير حياتها، وكان الرجل في الماضي يجمع بين ثلاث وأربع زوجات في بيت واحد وتجدهن متعاونات متحابات، ولكن في الوقت الحالي تعدد الزوجات في نظر المرأة جريمة يرتكبها الزوج في حقها.
دموع حواء
إن الشخص مهما بلغ من قوة في الشخصية فسيبقى ضعيفا أمام مشاعره التي لا يستطيع أن يتحكم بها، وإن البكاء ليس مقرونا بقوة أو ضعف، فعندما تبكي المرأة هذا ليس ضعفاً منها، وكثير من المواقف التي نشاهدها تدفع المرء للبكاء لا شعوريا، ومن المواقف التي تبكيني مشاهدة طفل محروم وينظر إلى ما في يد طفل آخر،
أو أشاهد أمهات وأباءً تركهم أبناؤهم في دار المسنين ليتخلصوا منهم، كل هذا كفيل بأن يجري دموعي فلا اتمالك مشاعري، فقوة الشخصية لا علاقة لها بالبكاء والدموع ليست ضعفا.
من العادات القديمة التي كانت منتشرة عند أهل منطقة شعم أنه عند حصول حدث مفرح سواء كان نجاحا أو شفاء مريض أو عودة مسافر وخاصة عودة الحجاج فإن أهل بيته يقومون بإطلاق النار وذلك لنشر الخبر بين الناس فيعرفون أنه قد عاد إلى بيته أو تحقق له حدث سعيد،
وتذكر مريم قصتها مع إطلاق النار حينها، وقد كانت في العاشرة من عمرها، حين تعرض والدها لحادث نجا منه بأعجوبة حيث تدهورت به السيارة وأصيب في كسر في يده،
وبعد خروجه من المستشفى كان لا بد من أن يطلق النار من أجل أن ينشر الخبر بين الناس بأنه خرج من المستشفى وبأنه سالم، ولكن إصابة يده لم تسعفه بأن يقوم بذلك، وكان الخيار أمامه ابنته مريم الذي وثق بقدرتها لتطلق النار بسلاح (الكند)، فاستطاعت بتشجيع والدها أن ترمي ست طلقات في الهواء كاسرة بذلك خوف والدتها التي كانت تراقب إطلاق النار وهي ترجف من خوفها على ابنتها.
كلام الشيخ صقر وسام أعتز به
كثيرة هي المواقف التي جمعتني مع المغفور له الشيخ صقر القاسمي، حيث كان قمة في التواضع، وكان يقدر من الكبير والصغير، ورغم زياراتي المتعددة له لم يدخل عليه صغير قط أو كبير إلا وقدره، بأن يسأله عن أهله وأقاربه وإن كان ينقصه شيء.
ومن مواقف المغفور له أذكر زيارته لدار المسنين وكنت بصحبته، وبدأتُ بتعريف جميع الموظفين الموجودين في دار المسنين بذكر أسمائهم ومسمياتهم الوظيفية، وبعد أن انتهيت قلت للمغفور له كل شخص هنا يحمل مسمى وظيفيا باستثناء مريم، فقال لي انظري للشمس، هل يوجد في رأس الخيمة شخص لا يرى الشمس؟ فقلت له بالطبع الكل يراها، فقال (هاذي مريم مثل الشمس لا تحتاج إلى مسمى وظيفي) وكانت مقولته هذه وسام فخر لي.
الأم الروحية
علاقتي بالشيخة هنا بنت جمعة حرم صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم إمارة رأس الخيمة، أعتبرها الأم الروحية، والمدرسة التي أستمد منها الكرم والطيب، صاحبة الأيادي البيضاء المعروفة بكرمها وحبها لفعل الخير، وأذكر موقفي عندما تكفلت بحملة لتنظيف منطقة شعم والمناطق المجاورة لها وذلك على نفقتها الخاصة، وأوجدت فريق عمل متكاملا وكنت على رأسه، لتصبح المنطقة بعد ذلك من المناطق المتميزة في النظافة على مستوى رأس الخيمة، وجاء ذلك من أهميتها لكونها مدخل الدولة من جهة سلطنة عمان، إضافة إلى الكثير من الأعمال التي يشار إليها بالبنان.
تمشي الحرة وما عليها مضرة
ضربت الكثير من الأمثال في قوة شخصية المرأة في السابق، ومن أشهرها (تمشي الحرة وما عليها مضرة) ويقال هذا المثل عند خروج المرأة من بيتها وهي محتشمة محافظة على مكانتها وسمعة أهل بيتها، وأؤكد أن هناك معايير ومقاييس يجب أن تلتزم بها المرأة عند خروجها من بيتها، فالحشمة والوقار من أهم المبادئ التي يجب أن تتعود عليها المرأة، كما يجب ألا تستعرض أنوثتها أمام الرجال، على أن تحافظ على خصوصيتها كأنثى، وليس فقط في لباسها، بل في أسلوبها وفي طريقة كلامها.
وتطرقت مريم الشحي للحديث عن مقولة إنها (امرأة بألف رجل) فقالت: إن هذا ليس تقليلا من شأن الرجل ولا تشبها مني بالرجال، ولكن عملي بجانب الرجل في خدمة المجتمع والدولة، وخدمة أبناء شعبي جعلت من الناس يصفونني بأسماء مختلفة، وهذا لا يعيبني بل يرفع من شأني، ويزرع في نفسي حب الإخلاص لهذا الوطن المعطاء. وانتقدت مريم بعض الأشخاص الذين ينسلخون من عاداتهم وتقاليدهم، ويتبرؤون من وطنيتهم، ولا يحافظون على أخلاقهم وتربيتهم التي تربى عليها آباؤهم وأجدادهم.
اهمية المرآة
تحدثت مريم عن دور المرأة ومكانتها في المجتمع سابقا، فحين كان الرجال يذهبون إلى رحلات الغوص والصيد، ويغيب الرجل عن بيته فترة طويلة تصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة شهور، يظهر دور المرأة بالإمساك بزمام أمور البيت وإدارته، حيث تقوم بتربية الأطفال والعمل على توفير مستلزمات البيت، وعندما يزورها ضيوف تقوم بدور الرجل من حيث الترحيب بالضيوف وإكرامهم، لذلك لم يكن الرجل يقلق كثيرا على بيته أثناء رحلة الغوص والتجارة، لأن المرأة في الماضي تتمتع بحسن التدبير الذي يزرع الطمأنينة في قلب الرجل.


