ليس التراث هو تلك الممارسات التي كان الأجداد يمارسونها، وهو ليس أنماط العيش التي عاشوها، ولا أسلوب الحياة بما يشتمل عليه من سمات ثقافية واجتماعية وأنشطة اقتصادية وعادات وتقاليد، إنه أهم من ذلك كله، وأسمى مما سبق.

تراثنا.. هو جذورنا التي تمتد في أعماق الأرض، وكلما كانت الجذور قوية راسخة، كلما أصبحت شجرة الحاضر عالية، أصلها ثابت وفرعها في السماء. بعبارة أخرى: إن التراث يمثل المحطة الأولى من مسيرة المجتمعات، فمنه تنطلق إلى الحاضر، وتستشرف الدروب نحو المستقبل، والحضارات التي لا تستند على تراثها، إنما هي حضارات هشة واهنة، سرعان ما تتهاوى وتتفتت أو تعصف بها تيارات الثقافات الوافدة، فتتحول إلى مسخ مشوه أو مولود خديج، سرعان ما يخرج من سباق الأمم.

هذه الحقيقة التي لا تقبل الشك، هي من أبرز ما آمنت به القيادة السياسية للدولة، فحافظت على تراثنا، وأنشأت المؤسسات والهيئات المعنية بجمع وتوثيق التراث، وتعريف الأبناء به، وغرسه في نفوسهم، ذلك حتى تمتد جذورهم في تربة وطنهم، ومن هذه المؤسسات: جمعية أم القيوين للفنون الشعبية، والتي تعد واحدة من أهم المؤسسات المعنية بالتراث في الدولة.

وفي مجلس رمضاني أقيم في الجمعية، لم يكن الحديث ليخرج عن شؤون التراث، والحياة القديمة التي عرفها الآباء والأجداد في أم القيوين، والفرق بين حاضرنا وماضينا، وكيفية غرس التراث في نفوس الناشئة، ودور الأسرة في حماية الأبناء من الذوبان والتماهي في الثقافات الوافدة، التي تجتاح المجتمع في ظل النهضة الاقتصادية التي يشهدها.

في البداية قال حميد عبيد ابراهيم بن بشر، مدير الجمعية: إنه من الخطأ أن يتعامل البعض مع قضية التراث، باعتبارها ترفاً فكرياً، أو يحسب أحدهم أن الاهتمام به "ديكور" لتجميل الشكل الخارجي، فالأمة التي تتنكر من ماضيها، أشبه ما تكون بشجرة، أرادت الوصول إلى السماء، فقفزت حتى خرجت جذورها من الأرض، ثم سقطت في الحضيض "حسب تشبيهه".

وأضاف: من المحزن أن الكثير من الآباء، لا يولون الاهتمام الجدير والمناسب، لدمج أبنائهم في الأنشطة التراثية التي طالما خبرها الأجداد، ممن عاشوا على أرضنا، وكابدوا ظروفاً صعبة وتحدوها، وابتكروا أساليب حياة للتأقلم مع الواقع، وكانوا رغم ظروفهم مترابطين متلاحمين متماسكين، وكانت صفة التراحم والتعاون هي أبرز صفاتهم، خلافاً للواقع الراهن، حيث أصبحنا نعيش في جزر معزولة، وقلما يعرف الجار شيئا عن جاره، والأسوأ أن الأخوة لم يعودوا كما كانوا وبعضهم لا يزور الآخر، إلا في المناسبات والأعياد.

ومضى قائلاً: إن ما توليه دولة الإمارات من حرص على صيانة وحماية التراث، ينطلق من الرؤية الثاقبة التي أرسى دعائمها المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإن كلماته طيب الله ثراه، من أن من ليس له ماضٍ لا مستقبل له، بقيت نبراساً نسير عليه جميعاً، موضحاً أنه وكما كان الراحل الكبير مهتماً بالتراث، فإن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، حفظهما الله، قد سارا على نفس النهج الحكيم، فاهتم سموهما بالجمعيات التراثية والثقافية وقدما الدعم للأنشطة الهادفة إلى غرس التراث في نفوس النشء.

وأضاف: إن أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد، حكام الإمارات بدورهم، لا يدخرون جهداً من أجل حفظ وصيانة تراثنا، لكنه استطرد قائلاً: إنه مهما كانت الجهود الحكومية مكثفة وكبيرة، تبقى الجهود المجتمعية هي محور الأمر، إذ إن الدولة لن تذهب إلى كل بيت وتجبر الآباء على تعريف أبنائهم بالتراث.

 

مصدر العزة

وقال: إن تراثنا هو مصدر فخرنا وعزتنا، ولكل شعب موروث تاريخي وتراثي، فإذا لم يجد المخلصين الذين يحافظون عليه فإن مصيره سيكون الاندثار والفناء، لذا كان اهتمام القائمين على شؤون إمارة أم القيوين بشكل خاص يصب في الحفاظ على الموروث الشعبي للإمارة، وعليه فقد تم تأسيس جمعية أم القيوين للفنون الشعبية في عام 1974، وأنيطت بها مهمة الحفاظ على الموروث الشعبي ونقله إلى الأجيال اللاحقة، وما زالت إلى يومنا هذا تعد من الجمعيات السباقة في الدولة التي كان لها إسهامات في إرساء مفهوم الفن الشعبي لهذه المنطقة.

وقال: إن الفنون الشعبية تعد من أبرز وأهم مفردات التراث المحلي، وهي تتعدد من فنون راقصة إلى فنون اجتماعية ووطنية، تتنوع وتختلف حركاتها، باختلاف المناسبة، حيث تعرض الرقصات في مناسبات الزواج، أو الأعياد الوطنية.

أو قد تعرض كلها في المناسبة نفسها، موضحاً أنه وللأهمية التي تكتسبها هذه الرقصات في الإمارات، وبالأخص رقصة العيّالة، إلى جانب نوع آخر من الفنون وهو فن التغرودة، فقد تقدمت الإمارات بملف لليونسكو من أجل إدراجهما، في قائمة التراث الثقافي غير المادي، في المنظمة الدولية، وهو ما سيساهم في الحفاظ عليهما وفق آلية وخطة معينة، مما يحميهما من خطر النسيان، بل، ويشكل وقفة لإعادة إحياء هذه الفنون العريقة.

 

فن عريق

ومضى يقول: تعد رقصة العيالة فنا عربيا عريقا، مما يجعل تتبع تاريخها غاية في الصعوبة، وهي فن جماعي يتضمن رقصا وغناء جماعيا، وتؤدي رقصة العيالة في كل المناسبات الاجتماعية والوطنية، وهي تجسد قيم الشجاعة والفروسية والبطولة والقوة العربية، مشيراً إلى أن الفرقة تتكون من العازفين على الطبول، وهي متنوعة وذات مسميات مختلفة، وكذلك المنشدين والراقصين.

ويقوم صفان متقابلان من الرجال بتأدية الرقصة، على أن يقف في كل صف مجموعة متلاصقة، ويلف كل راقص يده حول خصر من

يجاوره، فيبدو الصف متلاحماً، وهو ما يمثل إشارة رمزية على تماسك وتآلف القبيلة.

وأشار إلى أن الرقصة تبدأ حينما يعطي قائد الفرقة إشارته، وبعدها يضرب حاملو الطبول بشدة، ويبدأ الصفان بالرقص والحركة المستمرة لفترة طويلة، وفي أثناء الرقص يتحرك حاملو الطبول في اتجاه الصف المواجه، بينما يتحرك حاملو السيوف في الاتجاه المعاكس، وتتضمن العيالة فنونا حركية وغنائية متنوعة، فإضافة إلى العزف والرقص المصاحب للغناء الجماعي هناك إطلاق الأعيرة النارية والتلويح بالسيوف اللامعة والخناجر المعقوفة، وذلك في عرض بديع للقوة والرجولة والفروسية، وما إلى ذلك من القيم المستمدة من البداوة وحياة الصحراء.

وفيما يتعلق بفن التغرودة، وأهميتها في الموروث الشعبي، قال: إن التغرودة فن يقوم على الشعر والغناء معاً، ومن الممكن تلمس جذورها في التراث العربي، ومراحل تطورها، والأسس الفنية والأدبية المميزة لها من بين فنون الأداء في كل من الإمارات وسلطنة عمان، معرباً عن خشيته من انزواء هذا الفن من الذاكرة الشعبية.

وطالب بن بشر بتعزيز الاهتمام بتوثيق هذا النمط من أنماط التراث الشعبي الإماراتي، وجمع المتاح من نصوصه وتدوينها، ودراسته دراسة علمية وتاريخية فنية، بما يساهم ربط الماضي بالحاضر القريب، وتربط التراث الشعبي بتراث الأمة

 

رمضان الزمن الجميل

من جهته قال النوخذة محمد بن عبد الله بوشويرد متحدثا عن طقوس رمضان في الماضي: كانت ساعات الصائم في رمضان تخلو من الكسل وتمتلئ بالنشاط والحيوية، ولم يكن الصائمون ينامون حتى العصر، وعلى الرغم من عدم وجود أجهزة تكييف الهواء، والمستحدثات التي سهلت الحياة، إلا أننا لم نكن نشعر بتعب الصيام، ولم نتبرم من شدة الحرارة، علماً بأن النشاط الاقتصادي للأجداد، كان يتركز في مهنة الصيد، التي تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً.

وأضاف: إن الصيادين كانوا يشرعون في العمل بعد صلاة الفجر مباشرة، وعليه فإن يوم الصائم كان طويلاً، والصلاة في حد ذاتها لم تكن تقليداً دينيا فحسب، وإنما كانت تقليدا اجتماعيا أيضاً، فالمصلون كانوا يعرفون بعضهم بعضاً، بحكم علاقات الجيرة والعمل الواحد، وكذلك لأن عدد السكان كان محدوداً، ومن ثم كان الجميع يسارعون بالسؤال عمن يغيب عن صلاة الجماعة، وهذا التلاحم الجميل والتراحم كان من أهم سمات الناس في ذاك الزمان الجميل الذي مازلنا نحن إليه.

وكانت الميزة الجميلة المتعارف عليها بين الجميع السؤال عن الجار أو الصديق إذا غاب عن أداء صلاة الجماعة، والحال كذلك بالنسبة لبقية الصلوات، فإذا تأكد غيابه ذهب الجميع للسؤال عنه في منزله والاطمئنان عليه وهذا ما نفتقده حاليا، حيث يغيب الفرد فترات الطويلة ولا ترى من يسأل عنه وذلك نتيجة لضعف التواصل والترابط رغم تطور وسائل الاتصال وسهولتها. واستطرد قائلا:

بعد العودة من البحر كان السكان يتقاسمون الأسماك، فيبيع الصيادون بعضها، ويتركون كمية أخرى لتحضير وجبة الفطور، وبعد الانتهاء من الصيد يذهب الجميع إلى المسجد لأداء صلاة الظهر، ومن ثم ينامون حتى موعد صلاة العصر، وبعدها ترى أيادي الجميع تكاد لا تخلو من مصاحف القرآن حتى الإفطار، وقبيل ساعات الإفطار يتفق الجميع على التجمع في مكان بعينه يتسع لهم من أجل الإفطار، ويحضر كل شخص ما يقدر على توفيره من الطعام ويقدر مجموع المنازل المجتمعة على وجبة الإفطار 10 منازل من "الفريج" نفسه.

وكان الهدف من هذا التجمع تقوية الروابط المجتمعية والأسرية بينهم، وتكون المائدة عادة مفتوحة لمن تأخر عن الوصول إلى منزله وعابري السبيل، أما النساء فكن تتجمعن في منزل إحداهن وكانت المأكولات الشائعة في وجبة الإفطار هي: الأرز والهريس والرطب والكامي وهو الجبن المحلي الطبيعي المستخرج من المواشي مع بعض الوجبات الأخرى.

وأضاف: كنا نقضي شهورا في البحر بهدف الغوص بحثاً على اللؤلؤ وصيد الأسماك، ونعود قبل بداية شهر رمضان بسبعة أيام تقريبا حتى نتمكن من قضاء الشهر الفضيل مع أسرنا، وكذلك بيع ما جاد به البحر علينا، وتوزع المال على الغواصين، حتى يوفروا ما يتطلبه الشهر الكريم من مستلزمات.

وأضاف: إنه على الرغم من عدم وجود قوانين تنظم الصيد، إلا أن الصيادين وكانوا جميعاً من المواطنين، وكانوا يتحلون بالوازع الأخلاقي ويراعون ضميرهم أولاً وأخيراً، على عكس الصيادين الآسيويين الذين يدمرون الثروة السمكية بممارسات الصيد الجائر، ولا يعنيهم إلا الربح القريب، موضحاً أن البحر باعتباره مصدر الرزق الأساسي، كان يحتل مكانة سامية في نفوس السكان، وكانوا يحرصون على عدم استنزاف الثروة السمكية، لأن ما يدمرونه اليوم سيحتاجونه في الغد.

وقال: على الرغم من أن الدولة لم تقصر فيما يتعلق بسن القوانين التي تجرم الصيد البائد، أو أية ممارسات تضر بالبيئة، غير أنه كما هو معروف، ثمة متحايلون يضربون بالقوانين عرض الحائط، وهو الأمر الذي يستدعي تشديد الرقابة على في المياه الساحلية، وعدم التراخي مع أي متحايل على القانون، موضحاً أن توطين مهنة الصيد سيبقى مستحيلاً من غير دعم حكومي أكبر للصياد المواطن، لأن المهنة شاقة وعوائدها ليست جاذبة.

الطبيعة القاسية

وأكد النوخذة سعيد خليفة سعيد هديري: في الماضي أجبرتنا طبيعة الحياة القاسية آنذاك على تحدي الصحراء ومواجهة البحر من أجل كسب الرزق، ومازلت أذكر ذلك اليوم الذي توفي فيه أحد رفاقي بسبب حرارة الصيف العالية، ونحن في رحلة صيد فقمنا بغسله وتكفينه وربط قدمه "بالزيبن" وهو حبل تربط فيه حصاة من الحجر تكون ثقيلة تسهل نزول الغواص إلى قاع البحر.

وحول أصناف الطعام التي كانوا يعتمدون عليها أثناء وجودهم في البحر، أوضح أن التمر كان غذاءهم الرئيسي لكثرة ما يحتويه من العناصر المعدنية والفيتامينات وقدرته على الحد من التوتر العصبي، لذلك تحتل النخلة قيمة معنوية رفيعة في نفوسنا. وقال: إن الغوص بحثاً عن اللؤلؤ والصيد والزراعة فضلاً عن التجارة، كانت النشاطات الاقتصادية للأهالي، وهي أنشطة تتطلب التعاون، وليس من الممكن لشخص أن يؤديها بمفرده، وهو الأمر الذي كان له أكبر الأثر في توثيق عرى العلاقات الاجتماعية، وحرص الناس على التآزر والتكاتف في كل الظروف.

وقال: إن الأنشطة المقامة بين أهالي المنطقة كانت جميعها تخفف من عبء حرارة شهر رمضان، حيث كانت العبارات التي يتجاذبونها تدور حول الصيد والغوص والمغامرات التي مر بها البحارة، وما يفعله بعضهم في الظروف الصعبة. وأشار إلى أن الجميع كانوا يتجمعون في بعد صلاة التراويح، ويضعون "الفوالة" والتي تكثر فيها السكريات من الحلويات والأطباق القديمة الخفيفة، وكانت من ضمن الوجبات التي يتم تناولها قديما "العراروط" وهو "الكستر" بالمفهوم الحالي، واللقيمات و"الخبيص" و"العصيدة" كما كانت الحلويات والفواكه المعلبة مستحدثة في المنطقة وكانت تستورد جميعها من الهند.

وأضاف: كان الناس بسطاء والموائد مبسوطة للجميع، وفي الشهر الكريم، لا فرق بين تاجر كبير، أو نوخذة أو صياد، فالرزق الحلال متاح للجميع، وكان الناس يقنعون بأقل القليل، ولم تكن القنوات التلفزيونية تضيع ليل الناس في متابعة المسلسلات، فتلهيهم عن العبادة، وفي هذه الأيام، كانت المتعة تكمن فقط في المجالس التي يتوافد عليها الأهالي، فيتناقشون ويتبادلون أطراف الحديث في مختلف الشؤون. أما الأطفال فقد كان رمضان بالنسبة لهم، فرصة رائعة للتحلل من العمل في البحر أو الزراعة، ولكنهم كانوا يذهبون إلى المطاوعة لحفظ القرآن الكريم، وفي حال تمكن أحدهم من حفظ الكتاب كاملاً، فإن هذه مناسبة تستدعي أن يحتفل به كل الأهالي، وكانوا يطوفون به على البيوت فيغدقون عليه العطايا والهدايا من الحلوى المحلية.

ويتابع: كانت البساطة سمة رائعة، وكم نفتقدها الآن، وكان عودة أحدهم من الحج أو العمرة أو حتى من رحلة تجارية، مما يستدعي إقامة مآدب يتشارك في إعدادها الجميع، ويتناولها الجميع، وهكذا كان السكان جميعا، بينهم "عيش وملح" على حد قوله، وبالتالي كانوا أسرة واحدة متراحمة في السراء والضراء. ومن جانبه، قال سهيل عبد الله: إن تفاصيل الحياة اليومية في السابق تعيش في وجدانهم، وما زالت ترطب خيالاتهم، وتملؤها حنينا إلى الماضي. وتابع: فنون التراث الإماراتي كثيرة ومتنوعة، وهي تغني ثقافتنا المحلية، وتعكس حب الإنسان الإماراتي للفنون.

واستذكر سهيل عبد الله أيام رمضان السابقة، قائلا: كانت حياتنا في السابق خالية من التعقيدات، وكانت علاقاتنا تتميز بالبساطة والود، والبعد عن التكلف. وما زلنا نتذكر كيف نعود من رحلة صيد بحري، ثم نلتقي في اليوم التالي ضمن مجلس عام نتحدث فيه عن تجاربنا ومغامراتنا في البحر التي قد تمتد أياما أحيانا.

 

 

معالم أثرية وبيئة بحرية ساحرة

 

 

 

إلى جانب ما تتميز به إمارة أم القيوين من معالم جميلة وحصون وقلاع، تتميز أيضا بكثرة متاحفها التراثية وتعدد أنشطتها الشعبية التي تعكس الحضارة التاريخية الغنية للمنطقة.

ونظراً لأهمية هذه المنطقة من الناحية الأثرية والتراثية، فإنه من الأهمية بمكان، أن تولي الدولة كل الاهتمام بترميم آثارها، للحفاظ عليها من الاندثار، حسبما أكد أكثر من متخصص في هذا المجال.

ويجمع الكثيرون على أن اسم "أم القيوين" مشتق من "أم القوتين" الذي يشير إلى قاطنيها الذين عرفوا بحذقهم لفنون صيد اللؤلؤ فضلا عن قوتهم البحرية.

وتتميز الإمارة بمعالمها التاريخية الرائعة، وطبيعتها البحرية الخلابة إذ تقع في أحضان خور البيضاء العميق ومياه الخليج الرائعة، والاطلاع على أحدث التطورات التي انتظمت فيها جميع مرافق الحياة إضافة إلى المشاريع الحيوية التي تم تنفيذها بأمر من صاحب السمو الشيخ راشد بن أحمد المعلا، عضو المجلس الأعلى حاكم أم القيوين.

البداية كانت من عند أقدم المباني الأثرية وهو متحف أم القيوين، حيث يوجد حصن آل علي الذي أرسى قواعده الشيخ راشد بن ماجد المعلا عام 1768 م، ليكون مركزاً لحكمه ومسكننا له، وللحصن مكانة خاصة في ذاكرة أهل المدينة باعتباره رمز قوتهم وكرامتهم.

وقالت مرشدة المتحف منى عيسى: ظل هذا الحصن محافظاً على مكانته الرسمية والشعبية حتى عام 1969 مركزاً للحكم، وقد أعيد ترميم الحصن وافتتاحه ليكون متحفاً بناء على توجيهات الشيخ راشد بن ماجد المعلا رحمه الله-، ويزخر المتحف بالكثير من المعروضات.

حيث يحتضن الطابق الأرضي مدخل باب الصباح، وغرفة مقتنيات الحاكم، وقسم الآثار، وغرفة البحر التي تضم بين معروضاتها مجموعة من السفن البحرية التي كانت وما زالت تستخدم في البحر بالإضافة إلى أدوات الغوص، وغرفة السلاح والسجن، وغرفة الحرف الشعبية.

وبرج المنشر الذي تمت تسميته أيضا ببرج "الخايس" في ذلك الوقت بسبب حريق وقع فيه أودى بحياة رجلين كانا يضمران الشر للشيخ راشد بن ماجد المعلا، بالإضافة إلى غرفة الوثائق التي تضم مجموعة من الهدايا المقدمة من قبل الملوك والرؤساء إلى الحاكم مع شجرة العائلة الحاكمة.

وأضافت: وصف الشيخ راشد بن ماجد بأنه ذو شخصية قوية وشجاعة وأخلاق كريمة، وبالإضافة إلى كونه رجل سياسة كان رجل حرب وعلى دراية بفنون القتال، حيث استطاع أن يوحد القبائل ليكونوا مجموعة مترابطة تحمي نفسها من أي اعتداءات بحرية وبرية وكما هو معلوم فإن هدف بناء الحصن هو هدف دفاعي للقتال ودرء الأخطاء ويظهر هذا الهدف واضحاً من خلال التخطيط المعماري الدفاعي للحصن.

 

أسماء مناطق أم القيوين

 

 

يعد المقطع أو "الغليل" من أهم المواقع الأثرية في إمارة الفجيرة، وهو يقع حاليا مكان الحديقة العامة بين اللزيمة وأم القيوين القديمة.

كما يوجد السور الذي كان الدرع الحامية للإمارة، ويتكون من برجي حراسة، وجدار يفصل بينهما ويمتد من الخور إلى الظهر.

ومن الأماكن أيضاً، ما يسمى بالمغدر وهو عبارة عن مكان تتجمع فيه مطار الأمطار، ويروى منه لمدة شهرين إلى ما بعد سقوط الأمطار.

وقديما اشتهرت منطقة "حالة الحوال" التي كانت بمثابة الحجر الصحي، وتقع في موقع الديوان الحالي، فضلا عن منطقة الرأس التي تمتد من مستشفى أم القيوين، إلى بو صلف بقرب الحمرية، ومنطقة المقاطع التي تقع بجوار قصر الحاكم.

كما توجد المقاطع بجانب قصر الحاكم، وكانت الإبل تقطعها عند الذهاب للمقيظ، حيث يتم انتظار البحر في حالة الجزر للمرور، ومن المناطق التي كان يتم تجفيف الأسماك فيها، أم الجسيف.

وهناك منطقة أم الدخان التي سميت بذلك نظرا لاشتعال النيران بها في حريق كبير.

ويحفظ كبار السن في الإمارة أسماء هذه المناطق ومازال بعضهم يستخدم الأسماء القديمة حتى الآن.

 

 

مقتنيات المتحف التراثية

 

 

يضم المتحف الخاص بالجمعية، بعض الأدوات المستخدمة في الغوص قديما مثل "المقلطة" وهي الأداة التي كانت تستخدم في فتح المحار، و"الجدي" وهو الحبل الطويل يربط في جسد الغواص ويوصل "بالدين" في رقبته وهو عبارة عن وعاء لجمع البحار.

كما انبهرنا برؤية سمكة ضخمة محنطة، قال عنها سهيل عبدالله: تسمى هذه السمكة بـ "السيافة" وهي ذات حجم ضخم ويقدر طولها بأربعة أمتار وربما أكثر ولها أنف كالمنشار طويل في المقدمة، وكانوا قديما يقتطعون من ذيلها وزعانفها اللحم لطهيه وتناوله كطعام، ويعتبر الذيل والزعانف "الشعروفة" أغلى المناطق في جسم هذه السمكة.

 

وبعد التعرف على الجمعية اصطحبنا بن بشر في جولة إلى أم القيوين "القديمة" التي تحتاج لجهة تمد لها يد العناية وتتولى مهمة ترميم مبانيها وأسواقها القديمة، والديوان الأميري الذي كان يمثل الحكومة سابقا باعتباره مقرا رئيسيا لإدارة شؤون الإمارة وتقديم التسهيلات اللازمة لأفراد المجتمع ومساعدتهم في الأمور العملية، وسور أم القيوين التاريخي الذي بني لحماية أم القيوين "القديمة" من هجوم الأعداء والجهة البرية من أي هجوم محتمل في ذلك الوقت.

 

محمد الحوسني: نشأت مؤمناً بتراثنا

 

 

قال محمد الحوسني "موظف في الدائرة الاقتصادية" بأم القيوين: إن حب التراث لا يقتصر على كبار السن، وليس مرهوناً بمرحلة عمرية دون غيرها، والمهم أن ينشأ الشاب مؤمنا بأن تراث وطنه هو جزء منه.

وأضاف خلال المجلس: أدين بالفضل لوالدي الذي عرفني منذ نعومة أظفاري على معالم أم القيوين الأثرية، وكان يحرص على اصطحابي إلى المتاحف والمناطق الأثرية، هذا فضلا عن جدي الذي طالما اهتم في طفولتي المبكرة، بأن يروي لي القصص عن حياة الأجداد الذين تحدوا الصعاب، وواجهوا المشقات ونجحوا في الانتصار على الظروف الصعبة، وهذه القصص كان لها أثر السحر في تعميق الصلات فيما بيني وبين تاريخ وطني والحياة الاجتماعية التي عاشها الأجداد.

وطالب الآباء والأجداد بالاهتمام بغرس حب التراث في نفوس النشء، حتى يتمكنوا من الثبات في وجه تيارات التغريب التي تعصف بنا نتيجة عوامل متشابكة منها العمالة الوافدة والزواج من أجنبيات وكذلك التعليم الأجنبي.

 

التغرودة... بين الشيخ زايد ومحمد بن راشد

 

 

يعتبر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، واحداً من أبرز فرسان التغرودة، ولما كان طيب الله ثراه، يحب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، وهو من هو في هذا الفن، فقد كانا كثيرا ما يتساجلان هذا الفن.

وذات يوم تغيب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن مجلس الشيخ زايد، فافتقده فألقى تغرودة يعاتبه فيها عتاب الوالد لابنه، ثم التمس له العذر بكثرة أشغاله، وجاء فيها:

 

 

 

لي صاب شاعرنا محمد صابه

قرمٍ ومعنا من خيار اللابه

لكن عوق الود لي عيا به

شهمٍ خضع للي ينير ثيابه

عساه ينعم به ويتهنى به

في خلوةٍ ما حد يقرع بابه

معذورٍ في طرق الهوى وأسبابه

 

فرد عليه صاحب السمو نائب رئيس الدولة بتغرودة تبث الشوق وتعلل سبب التغيب ومن أبياتها:

يا مرحبا حي المثل حيابه

رحبت به من خاطري وأهلابه

من شهم قرم ما تمل اجنابه

شروى نظير العين تتجدابه

مرتاح لي سالي ولا يبلابه

حاسب تجاراته وضرب أحسابه

وانته خبير في الهوى وأدرابه

فاهم مشاكلها وكل أتعابه

يا ذخرتي ذاك الوقت لي يابه

يا مسندي خايف يطول اغيابه

يبعد يحوز ويرتفع في اهضابه

وييك من قاصي البعد طلابه

 

التراث ليس ديكوراً

 

قال حميد عبيد ابراهيم بن بشر، مدير الجمعية: إنه من الخطأ أن يتعامل البعض مع قضية التراث، باعتبارها ترفاً فكرياً، أو يحسب أحدهم أن الاهتمام به "ديكور" لتجميل الشكل الخارجي، فالأمة التي تتنكر من ماضيها، أشبه ما تكون بشجرة، أرادت الوصول إلى السماء، فقفزت حتى خرجت جذورها من الأرض، ثم سقطت في الحضيض "حسب تشبيهه".

وأضاف: من المحزن أن الكثير من الآباء، لا يولون الاهتمام الجدير والمناسب، لدمج أبنائهم في الأنشطة التراثية التي طالما خبرها الأجداد، ممن عاشوا على أرضنا، وكابدوا ظروفاً صعبة وتحدوها، وابتكروا أساليب حياة للتأقلم مع الواقع، وكانوا رغم ظروفهم مترابطين متلاحمين متماسكين، وكانت صفة التراحم والتعاون هي أبرز صفاتهم، خلافاً للواقع الراهن، حيث أصبحنا نعيش في جزر معزولة، وقلما يعرف الجار شيئا عن جاره، والأسوأ أن الأخوة لم يعودوا كما كانوا وبعضهم لا يزور الآخر، إلا في المناسبات والأعياد.

 

علي المنصوري.. الدبلوماسي الصياد

 

ارتبط علي محمد المنصوري، بمهنة الصيد منذ نعومة اظافره، حيث بدأ يمارسها وعمره 6 سنوات، عندما كان يذهب في رحلات الصيد مع والده الذي كان يمتلك قارب صيد خشبياً "حاشوف".

ورغم تقلده أرفع المناصب، بقي ارتباطه وعشقه لهذه المهنة التراثية وازداد تمسكاً بها، وخلال دراسته في المرحلة الثانوية، امتلك أول قارب صيد، فحقق أرباحاً وأنفق على نفسه ودراسته أثناء مكوثه في دولة الكويت.

وبعدما تخرج مهندسا بحريا من الكلية البحرية والاكاديمية العربية للنقل البحري في الاسكندرية، التحق بالسلك الدبلوماسي، وعلى مدى 32 عاما من العمل بوزارة الخارجية، لم ينقطع عن الصيد، الذي يصفه "بالحب الأول" ولما تقاعد قبل أربع سنوات، تفرغ لمهنة الصيد تماماً، ورست سفينته على شاطئ جمعية ابوظبي التعاونية لصيادي الاسماك، عضوا منتدبا ومسؤولا عن صيادي ابوظبي الذين يقود سفينتهم كربان ماهر.

علي المنصوري العضو المنتدب لجمعية ابوظبي التعاونية لصيادي الاسماك يلقي الضوء على بعض الجوانب من مسيرته التي كانت مهنة الصيد القاسم المشترك في مختلف محطاتها.