قبل أيام وخلال مجلس رمضاني طرقت أذني عبارة تقول: "نحن في الإمارات لا نعاني معيشيا لكن معاناتنا الحقيقية سببها الظواهر الاجتماعية التي جلبها العصر إلينا وتغافلنا عنها حتى أرقت المجتمع".
ولأن العبارة قيلت على لسان أستاذة جامعية وباحثة اجتماعية لها في دروب مجتمعها مكانة وشأن، فقد سعيت للحصول عن تفسيرات مباشرة لمضمون العبارة، ووصلت إلى أن الظاهرة المقصودة في الأساس هي ظاهرة الطلاق.
ودفعني التفسير إلى محاولة التعرف على واقع الظاهرة التي لم تعد محلية إماراتية بل امتدت آثارها بكل مافيها من انعكاسات سلبية على مجتمعاتنا العربية وكانت النتيجة مفزعة ومؤلمة ومثيرة للقلق على مجتمعات تميزت بالاستقرار الأسري والاجتماعي الذي كان موضع إشادة من المنظمات الدولية المتخصصة قبل عقدين فقط من يومنا الحاضر.
واكتشفت عند مطالعتي تقريرا عربيا حول ظاهرة الطلاق صواب العبرة التي قالتها الأستاذة الجامعية، وهي الدكتورة موزة غباش عضوة اللجنة الاجتماعية بمجلس الأمن الوطني، وبالتالي زاد قلقي من عدم قدرة، ولا أقول رغبة، مجتماعتنا العربية في التصدي بحسم لهذه الظاهرة.
ظاهرة جديدة
وكان الأكثر إثارة في الأمر أن هناك ظاهرة جديدة باتت سمة بارزة في المجتمع هي انتشار ظاهرة الطلاق السريع بعد أيام قليلة أو فترة قصيرة من الزواج، في عدة دول عربية، حيث أكد الدليل الإحصائي لوزارة العدل السعودية أنه من مجموع عقود الزواج بالمملكة العربية السعودية التي بلغت 64.339 عقدا خلال عام، كانت هناك 15.697 حالة طلاق مما يعني أن نسبة الطلاق في المملكة تبلغ 24 %، بمعني أن كل ثلاث حالات زواج يقابلها حالة طلاق، ولم تكن الظاهرة في الكويت أفضل من سابقتها بل تجاوزتها صعودا لتصل نسبة الطلاق إلى 35 % أي بمعدل حالة طلاق كل ساعتين و45 دقيقة.
أما في مصر فإن جهاز التعبئة والإحصاء فيها كشف عن ارتفاع عدد المطلقات إلى مليون و495 ألف مطلقة بنسبة 5.34 % في السنة الأولى من الزواج، و5.12 % في السنة الثانية، وأن هناك حالة طلاق كل ست دقائق بمعدل 240 حالة طلاق يوميا.
وأمام كل هذه المؤشرات ،المفزعة بحق، تراءت أمام ناظري صورة رجل التقيته قبل عقود، وأجريت معه مقابلة صحفية بسبب عبارة واحدة سمعتها عنه أكد لي فيها قائلها أنه لايتعامل مع دفتر قسائم الطلاق، رغم أن الرجل كان مأذونا شرعيا في قرية من قرى مدينة زفتى المصرية اسمها"الضبابشة" .
كان الحاج رفعت شريف، وهذا اسمه، (أمد الله في عمره)، مهندسا متقاعدا اختاره اهالي المنطقة ليكون مأذون الناحية، كما يطلق عليهاحيث تتبعها عدة قرى مجاورة، خلفا لوالده العالم الأزهري بعد رحيله عن الحياة وكان أيضا مربيا قديرا علم كل أجيال القرية على امتداد عمر تجاوز التسعين عاما بسنوات.
تفسير واضح
وسط الدهشة بموقف الحاج المأذون من دفتر الطلاق أو أبغض الحلال كما كان يطلق عليه، والكل يعرف أن تسجيل حالات الطلاق فرض تمليه عليه المهنة، وسط هذه الدهشة استمعت إلى تفسير واضح وايجابي لموقف سلبي، لكنه زادني دهشة رافقها إعجاب وتقدير لإنسان استثمر سمعته الطيبة ومكانته العالية بين أهل الناحية التي تتوسطها قريته "الضبابشة" وهي كما قلت إحدى قرى مدينة "زفتى" الشهيرة في تاريخ مصر الحديث بأن أهلها أعلنوا استقلالهم عن المملكة المصرية أيام الاحتلال البريطاني وأقاموا جمهوريتهم التي لم تدم سوى عدة أسابيع أيام ثورة عام 1919عندما نفى الانجليز الزعيم سعد زغلول ابن قرية مسجد وصيف التابعة للمدينة الثائرة.
لكن المهم كيف استطاع الحاج رفعت أن ينفذ قراره بمقاطعة دفتر الطلاق؟ لقد جعل الرجل نفسه مصلحا اجتماعيا ومستشارا أسريا واستثمر في ذلك تجاربه وخبراته في الحياة كي يقنع القادمين إليه لإجراء الطلاق بكل الوسائل والأساليب كي يثنيهم عن الإقدام على هذه الخطوة المدمرة للأسرة والباعثة على تحلل العلاقات بين الأسر، والتي تنشر العداوة بين الأقارب، وتقطع بينهم الصلات خصوصا في القرى التي تشتهر، أوكانت حينذاك، بالمودة والتقارب واحترام الصلات.
وأتذكر أن الحاج كان كريما معي إلى أقصى حد ، فاطلعني على دفتر خاص به سجل فيه بعض يومياته في المأذونية ، ثم قال لي : هذه الحالات تعيش الآن أسعد أيامها فالأسماء التي قرأتها هي لأبناء للأسر التي أقنعتها بمخاطر الطلاق فتراجعت عنه، وستجد في الصفحة التالية أين هم الآن هؤلاء الأطفال، وعندما طالعت الصفحة أذهلني أنهم أصبحوا اليوم أطباء ومهندسين وضباطا ومعلمين وإعلاميين وأنهم ينتشرون في كل المواقع المهمة داخل البلاد وخارجها، وعندها أيقنت بأهمية الدور الذي يلعبه في حياتنا أهل الخبرة والحكمة والعقلاء.
malam678@yahoo.com


