كلما مررت على «رواق عوشة» في منطقة الطوار في دبي استعيد لحظات عشتها عندما نشرت مقالاً عام 1993عن الرواق الذي كان وقتها في بداية التأسيس.
واتذكر أنه صباح يوم النشر اتصلت بي الدكتورة موزة غباش وكانت وقتها تزور قطر لتشكرني بحرارة على مقال أسعدها وأبكاها كما قالت، ولتقدم لي عرضاً كريماً باستعدادها لإطلاق اسم أمي على إحدى القاعات وهو ما شكرتها عليه مؤكداً ضرورة أن يبقى الرواق مرتبطاً فقط بوالدتها.
وأعترف بأن هذه اللفتة الكريمة أسعدتني، وأشعرتني طوال العشرين عاماً الماضية، كما لو أن هناك لافتة تحمل اسم أمي الشهيرة بـ" أم شوقي " تتراءى أمام عيني كلما زرت الرواق أو عبرت يوماً أمامه.
وأجدني اليوم أعيد نشر المقال ليكون تجديداً لرسالة عن الوفاء للأمهات رموز الحنان والعطف اللواتي جعل الله عز وجل، الجنة تحت أقدامهن، وأوصانا نبيه الكريم «صلوات الله وسلامه عليه»، بأن نجعلهن دائماً أولى الناس بحسن صحابتنا في الدنيا لننال حسن الثواب في الآخرة.
وإلى سطور المقال القديم الذي يتجدد في حياتنا كل يوم:
بعد رحيلها بشهور، احتل اسم المواطنة "عوشة" مكانة فوق لافتة عريضة لتعود بذلك إلى حياة ثانية على أيدي أولئك الذين أنجبتهم فكانوا لها امتداداً أطول وبقاء متجدداً، فمن هي"عوشة" موضوع هذا الحديث؟
إنها امرأة عربية من مواطنات الإمارات لم أعرفها وغيري كثيرون في حياتها لكني بعد شهور من رحيلها أشعر بأني أعرفها كما أعرف امي.
إنها "عوشة بنت حسين" التي لم تكن في حياتها مثقفة بارزة ولا أديبة منتشرة، ولم تكن أيضاً سيدة أعمال مشهورة، بل كانت فقط أُمّاً لعدد من المثقفين هم أبناؤها الذين أعادوها إلى حياتنا حين أطلقوا اسمها مرة أخرى بين الأحياء في دنيا الثقافة.
ولا يزال حاضراً بالذهن ذلك النعي المنشور في صفحات الجرائد المحلية، بعباراته المختلفة عما تعودنا قراءته من سطور ناعٍ، فقد كانت السطور وعداً لأم رحلت، واعترافاً بفضل "أم" في تنشئة أبنائها ورعايتهم ليتبوؤوا وهم في سن الشباب مراكزهم الاجتماعية البارزة والفاعلة في محيط وطنهم.
لم تمض شهور على رحيل "عوشة" الأم إلا وكان الأبناء عند الوعد فأنشأوا ذلك المَعلم الجديد في مدينة دبي الذي يحمل لافتة باسم "رواق عوشة بنت حسين الثقافي" وفي هذا الرواق جمعوا معاً عدة أنشطة وان كانت بعضها يحمل صفة العمل التجاري من اجل خدمة الهدف الخيري إلا أن ما فعله الأبناء يفتح الباب أمام رسالة جديدة للمثقف القادر، بل والقادر غير المثقف.
في رواق الأم "عوشة" تستقر جمعية الدراسات الإنسانية التي تترأسها الدكتورة موزة غباش الأستاذة الجامعية وهي واحدة ممن أنجبتهم الأم الراحلة، وأيضاً صاحبة المبادرة الأولى لترجمة معاني الحب والوفاء للأم بعد رحيلها.
ونعترف بأن الدكتورة موزة غباش قد نالت قصب السبق في هذا المجال حين تقدمت الصفوف بفكرة استقتها من قلب معالم حضارتنا العريقة في أزماننا الماضية المشرقة.
ففي ماضينا ذاك المشرق كان لأزهرنا الشريف وجامعته العتيدة أروقة حملت أسماء العلماء الأفاضل من شيوخه الذين تولوا مسؤولية الدرس والتعليم وها هو "رواق عوشة" يحيي فينا الأمل في وقت ما أحوجنا فيه إلى تبني المثقفين القادرين لفكرة الأروقة الثقافية هذه في كل مدينة عربية أو تجمع عربي.
وما أحوجنا إلى أن يتبنى القادرون منا وإن كانوا بمعزل عن الثقافة اقامة أروقة تنهض بحركة ثقافية عربية شاملة تتسق مع أوضاع العصر وظروفه، فتضطلع بمهمة رعاية أهل الإبداع وأصحاب القدرة على الإنجاز العلمي بحثاً وتأليفاً فتخفف عنهم معاناة الحياة وصعوبتها، وتيسر سبل النشر والانتشار أمام الإنجازات الحقيقية في المعارف والعلوم.


