يعرف الجميع أنه قبل إعلان اتحاد الإمارات عام 1971 لم يكن للبلاد عملتها النقدية الخاصة بل كان الاعتماد قائما على عملات متداولة في بلدان شقيقة مجاورة مثل قطر والبحرين والسعودية أو بلدان صديقة مثل الهند أو عملة دولة مسيطرة في ذاك الزمان مثل بريطانيا التي كان أهل الزمن الماضي يتعاملون بأوراقها النقدية متعددة القيمة ومختلفة الأشكال.
ولعل أشهر العملات البريطانية، كانت حينذاك، ورغم تعددها، تلك العملة التي أطلق عليها أهل الإمارات اسم "روبية الشايب" وكانت مسكوكة من الفضة وحملت صورة الملك الانجليزي جورج الخامس الذي كان كبير السن وذا لحية كثة وشارب طويل فلم يجد الناس قدرة لديهم أو رغبة منهم في نطق اسمه فلجأوا إلى تسمية العملة التي تحمل صورته بما رأوه معبرا عن صاحبها الذي شاب واكتهل. ومن نوادر التسميات في ذاك الزمان البعيد أن أهل الإمارات أطلقوا اسم "روبية أم بنت" على العملة التي حملت صورة الملكة فيكتوريا قبل أن يتعاملوا بعملة أخرى هي روبية "أم صلعة" التي حملت صورة الملك ادوارد السابع بصلعته الواضحة.
وبطبيعة الحال استمرت العملات القادمة من خارج البلاد حتى قيام دولة الاتحاد التي قررت قيادتها حينذاك اتخاذ خطوات عملية لإصدار عملة خاصة بالدولة الجديدة تأكيدا لاستقلاليتها ودعما لاقتصادها الوطني وتعزيزا لمكانتها بين دول العالم. لكن الجميل والرائع أن الآباء المؤسسين للدولة الاتحادية وعلى رأسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أوكلوا مهمة الإصدار النقدي الأول للدولة في مايو 1973 إلى مجموعة امتلك أعضاؤها الوعي والحس الوطنيين بصورة مذهلة تكشف عنها وتؤكدها أول عملة وطنية ورقية من فئة الدراهم الخمسة إذ حملت رمزا وطنيا مهما في تاريخ إمارة هي عضو في الدولة الاتحادية التي كانت لاتزال في بدايات حركة النهضة حينذاك.
فالدراهم الخمسة حملت صورة لقلعة البثنة الواقعة في قرية كانت وقتذاك ضمن ما يسمى بالقرى النائية في إمارة الفجيرة التي تحتل موقعها على الساحل الشرقي للبلاد التي كانت تخطو نحو تشييد بنيتها الأساسية وتطوير حياة سكانها لتواكب العصر بكل ما فيه من وسائل وأساليب. وهكذا كانت الدراهم الخمسة الإماراتية سببا في الإطاحة بكل ما يعادلها من روبيات أجنبية سواء كانت تحمل صور الشايب أو الولد أو البنت.
كما كانت هذه العملة الوطنية بداية لشهرة قلعة البثنة العريقة وهي القلعة التي تعتبر من أشهر القلاع الموجودة في إمارة الفجيرة، حيث يعود تاريخ بنائها إلى عام 1735 أي أن عمرها اليوم قد تجاوز 270 عاماً وكانت دائما وعلى امتداد تاريخها بمثابة الحصن الحصين عند المدخل الرئيسي لإمارة الفجيرة من ناحية الغرب. وعلى ذكر قرية "البثنة" فقد كانت قديما، وحتى سنوات خلت، تعتبر من المناطق النائية التي يستحق العاملون فيها من موظفي الحكومة الاتحادية بدل قرية أو بدل مناطق نائية وكان هذا البدل عبارة عن مبلغ نقدي يضاف إلى الراتب الشهري لكل من يعمل في أي قرية أو منطقة لا يوجد فيها سوق أو محال تجارية، لشراء المواد المعيشية التي كان العاملون في مثل هذه المناطق حينذاك يجلبونها من أسواق المراكز الحضرية وكانت أسواق دبي هي الأشهر في ذاك الوقت.
أما اليوم فقد انتهى مصطلح المناطق النائية بكل ما يحمله من معان وما يفرضه من بدلات، ليحل محله مفهوم المناطق البعيدة بعد أن أصبحت جميع المناطق بلا استثناء تحظى بكل المرافق والخدمات التي لا تقل حداثة ولا رقيا ولا اكتمالا عن غيرها من المناطق الواقعة في قلب المراكز الحضرية، وتلك هي أهم نتيجة حققتها مسيرة النهضة في وطن الاتحاد.
malam678@yahoo.com
حارس القلعة
تحفظ ذاكرة القلعة سيرة ذلك المواطن الوفي المرحوم سعيد الحمر اليماحي الذي كان حارسا لها لأكثر من نصف قرن من الزمان، واتخذ منها مقرا لسكناه ومعيشته طوال حياته رافضا أن يغادرها مادام حيا وقد وفى بوعده حتى يوم رحيله.



