تبرع الابن بإحدى كليتيه لأبيه طوعا واختيارا لا إجبار فيه، ساعيا بذلك إلى التخفيف من معاناة والده الصحية وراجيا أن يراه دائما كما تعود في حالة طبيعية ...تلك ليست قصة من زمن مضى بل إنها بنت اللحظة ووقائعها لاتزال نضرة رغم جفاف ساد العصر الذي يحلو لي أن أدعوه بزمن الحياة الافتراضية التي طغت فيها المصالح المادية وتوارت المشاعر الوجدانية رغم أن الحوار لا ينقطع بين أركان الكرة الأرضية عبر الشبكة العنكبوتية في تواصل مستمر لكنه يفتقد حرارة الود الحقيقي.
الحكاية تخص صديقنا أستاذ الأدب العربي في جامعة الشارقة الدكتور حسن الأمراني الذي يخضع هذه الأيام لجراحة زراعة كلي في مستشفى المفرق في أبوظبي بعد أن منحه الله متبرعا كريما وسخيا هو لحسن الحظ ابنه "أيوب" جعله الله من الأبرار الصابرين.
ومع دعواتنا، ودعوات أصدقائه ومحبيه، للصديق الأديب بعاجل الشفاء وموفور الصحة فإن سعادتنا وسعادتكم أيضا بهذه اللفتة الطيبة والمعبرة عن بر الأبناء للآباء تجعلنا نستذكر ذلك المشروع الخيري الرائع الذي أطلقته عام 2010 الدكتورة عبلة الكحلاوي وأطلقت عليه اسم "مجمع الباقيات الصالحات" وجعلت منه دارا للبر بالآباء والأمهات وحضانة للأطفال الأبرياء الذين لا عائل لهم في الحياة.
عن خطوتها الأولى للإقدام على هذا المشروع الإنساني الخيري نجد أن وراء هذه الفكرة "شنطة أوراق " كانت كل ما تركه زوج الدكتورة عبلة لها بعد رحيله، ربما كانت تحتوي على مستندات ملكية الفيلا والسيارة وغيرها من مظاهر رفاهية الحياة لزوجين عاشا معا في مكة المكرمة 15عاما وكانا يخططان للعودة لوطنهما للاستقرار فيه كي ينعما بما لديهما من مستلزمات الرفاه.
وكما قالت الدكتورة عبلة في أكثر من مناسبة فإن أول ما استوقفها كان يحمل عنوانا هو "الأبوة الواهنة" و"الطفولة الذابلة " فأرادت لمشروعها الانساني النبيل أن يكون للآباء المسنين الذين لا يجدون لهم مأوى سوى الشوارع التي ألجأتهم إليها إصابتهم بمرض "الزهايمر" بعد أن أوغلوا في العمر وتاهت عنهم الأسماء والعناوين التي ألفوها وألفتهم، فأقامت لهم دارا تضمهم وترعاهم إلى جانب أخرى تأوي الأمهات المسنات.
أما بالنسبة للطفولة الذابلة فقد ضم المجمع الخيري دارا تستضيف الأطفال الذين وقعوا فريسة لمرض السرطان، علاوة على دار أخرى هي مأوى للسيدات من الأرامل والمطلقات.
إن هذا المشروع الانساني الضخم الذي تقدر تكاليفه بأكثر من 60 مليون جنيه هو عنوان رائع للبر وللخير بأسمى معانيهما، ما يجعل دعمه من كل قادر على الدعم واجبا إنسانيا وإسهاما إيجابيا في إبراز أعلى مفاهيم الإنسانية، وأظن أن العناوين التي انطلق تحتها المشروع تحمل في مضامينها مدلول الامتداد بين الأجيال في تراحم وتكافل لا يستثني أبا مسنا، أو أما عجوزا، أو طفلا يواجه في ضعف مرض السرطان، أشرس أمراض العصر، وقانا الله وإياكم شر مخالبه ومثالبه.
نهيان ..وجائزة "البر الأوفي"
في كل رمضان، ومنذ سنوات ، أسترجع ما كتبه الصديق الإعلامي سعيد حمدان عن أروع حكاية عن البر في عصرنا الحالي ، حين كتب مقالا رمضانيا أفرده بالكامل للحديث عن بر الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان لأبيه المغفور له الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان طيب الله ثراه وهي مسيرة نادرة للبر امتدت لعقود من الزمان كان فيها الشيخ نهيان نعم الابن البار والصاحب الوفي لأبيه، ورغم طول السنوات فلم يقصر يوما رغم مشاغله الجمة ومسؤولياته الكبرى.
ولو أن في عالمنا اليوم جائزة للبر الأوفى بالآباء لكان أول المستحقين لها، عن صدق ويقين، وعن جدارة واستحقاق، هو معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان.
malam678@yahoo.com


