مثل كثيرين غيري تعودت أن ألجأ إلى ما اصطلحنا على تسميته "استراحة المحارب" وهي فترة لتجديد الذهن، قد تطول أو تقصر حسب الأحوال، وفيها أسرح بعيداً مسترجعاً لمواقف عشتها وأشخاص التقيت بهم، ورغم زحمة ما في الذاكرة إلا أنني في الآونة الأخيرة أجدني، وبشكل متكرر، أستعيد صورة الحاج سالم محمد الشاووش ابن القرن التاسع عشر الذي التقيته منذ زمن بعيد ولا أزال أتذكر صورته وحديثه وكأن لقاءنا حدث بالأمس فقط.
فـ"الشاووش" ليس معمراً عادياً بل كان في حياته أكبر المعمرين في الإمارات سناً وأصفاهم ذهناً رغم أنه عاصر ثلاثة قرون من الزمان إذ ولد في العقد الأخير من القرن التاسع عشر وعاش القرن العشرين كاملاً ورحل عن الدنيا بعد أن عبر القرن الحادي والعشرين أعوامه العشرة الأولى فقد رحل عن عالمنا في العام الماضي فقط.
ومعمرنا الراحل هو ابن منطقة القرية في إمارة الفجيرة الذي ارتبط بتراب أرضه وأشجار مزرعته معظم سنوات حياته التي أمضي منها فترات مرتحلاً خارج البلاد بحثاً عن الرزق كغيره من أهل ذلك الزمان في عصر ما قبل قيام دولة الاتحاد التي أسسها زايد الخير ليوحد بها إمارات سبع ويجمع تحت مظلتها شمل الأهل.
من عرف الشاووش رحمة الله عليه يتذكر كيف كان في كل أحاديثه حريصاً على ذكر اسم "زايد الخير" بنبض لا ينقصه شعور صادق بالإخلاص وبعبارات غير منمقة لكنها تشي بقدر وافٍ من الوفاء.
أتذكر أنه في كل لقاءاتي به كان حريصاً على أن يذكر بالخير "زايد الخير" وأن يردد دوماً عبارة من تلك العبارات الجامعة لكل المعاني في إيجاز فقد كان يقول :" زايد بعد الله هو الذي أطعمنا وسقانا، عندما أنعم الله عليه بالخير الوفير لم يبخل، ولم يقصر، ولم يرد سائلاً أو محتاجاً، وكان يحبنا نحن الشياب ويعطف دائماً علينا ويرعانا ولا يتركنا نعاني العوز والحاجة.. وحالتي أنا الشيبة خير دليل فأنا مستور بفضل الله أولاً ثم بحكمة وكرم زايد".
أما حكايات الشاووش فلا تخلو من التأكيد على حبه لمزرعته التي قال عنها: ارتبطت بها في رحلة عمر لاتنسى فقد رويتها بعرقي وأنا شاب ثم وأنا كهل عجوز، والزراعة هي متعة عمري التي لا أصبر عنها أما الأرض فهي مثل النخل، فيها الخير والبركة ما دامت تجد من يرعاها ويخدمها".
ومن طرائف حكاياته ما رواه عن أوائل السبعينات خلال عمله الحكومي في مدينة كلباء المجاورة لإمارة الفجيرة والتي تبعد عن بيته في "القرية" بحوالي 20كيلو متراً فقد كان يذهب إلى دوامه راكباً حماراً يمتلكه ،حيث يخرج في ساعات الصباح الباكر وعندما يعود بعد عدة أيام يخرج سارياً في الليل تجنباً لحرارة الجو، وكانت هذه المسافة تستغرق منه حوالي الساعتين فقط لأن حماره، كان بحسب تعبيره، "مشاياً" أي قوياً وقادراً على السير الطويل.
وعن تكاليف الزواج أيام شبابه، أي في العقد الثاني من القرن الماضي، فإن حكايته عنها تكشف كيف كان أهل الزمن القديم بعيدين عن المغالاة وعن البذخ والتبذير فقد دفع معمرنا لزوجته الأولى، ابنة عمه، مهراً عبارة عن 4 نخلات كانت من ضمن ما ورثه عن أبيه في المزرعة التي تسلمها العم بعد رحيل الأب.
أما عن ليلة العرس فقد ذبح الشاووش رأسين من الغنم وأقام وليمة جيدة وكافية للمدعوين في زمان اتسم أهله بقناعة في النفوس ورضا بالحال. ومازلت أذكر ما قاله معمرنا الشاووش عن تفاجئه بدخول التيار الكهربائي للبيوت الحديثة التي بنتها الدولة للمواطنين لكنه رغم ذلك لم ينجذب للسهر أمام التلفزيون فظل على نمط حياته القديم ينام مبكراً ويصحو مبكراً، وتناول الحليب الطازج وعسل الجبال النقي والتمر والدبس وهي جميعاً سر ما تمتع به من حيوية رغم سنوات العمر التي تنقل فيها عبر ثلاثة قرون.
malam678@yahoo.com


