لم تكن النهضة قط، وفي أي مكان وزمان، حدثا عابرا تتلقفه أيادي البشر، بل هي لحظة فكر تقبع في عمق العقل فتنتج خططا تتجاوز أحيانا زمن الحاضر كي تمتد لمستقبل يأمله الناس أكثر إشراقا وبهاء مهما كانت أحوال حاضرهم زاهية ومهما ازدادت حياتهم، يوما بعد يوم، رفاهية ورخاء.

وعندي مقولة ارددها دائما وكثيرا، واقول فيها: "إن أفضل البشر هم من يحرصون على صنع واستكمال ادواتهم الحياتية عندما يخطر على بالهم أن ينسجوا أحلامهم أو يرسموا خططهم من أجل مستقبل افضل لهم ولبلادهم".

وأستطيع الآن التأكيد بأن أصدق ترجمة عملية لهذه المقولة هو ما شهدته بأم عيني على مدى أكثر من 3 عقود عشتها في إمارة الفجيرة التي بدأت، قبل سنوات بعيدة، خطواتها على دروب النهضة عبر خطط للتنمية الشاملة في إطار نهج متزن ومتوازن اختطه للإمارة السعيدة حاكمها الحكيم صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي حفظه الله ورعاه.

وأرى اليوم أن مسيرة التنمية من أجل المستقبل لاتزال تنبض وبقوة على أرض الفجيرة، ودليلنا على ذلك هو ما تحقق مؤخرا لنخبة تضم 6 من أبناء وبنات إمارة الفجيرة اكتسبوا مهارات جديدة تجعلهم قاعدة للتخاطب مع الآخرين وفي المستقبل بعد تلقيهم دروسا في مجموعة من اللغات العالمية الحية في إطار برنامج تم تنفيذه بتوجيهات سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي ولي عهد إمارة الفجيرة الذي يحرص دائما على رعاية الشباب واحتضان آمالهم العريضة عن قناعة تامة من سموه تجسدها مقولته بأن :" دولة الإمارات تملك مخزونا من الطاقات الشبابية المؤهلة لسلوك طريق العلم والإبداع والوصول إلى المستويات المتقدمة التي نفخر بها جميعا".

ولابد لنا من الإشارة إلى أن نجاح برنامج تعليم اللغات العالمية الحية لمواطني الإمارة هو خطوة مهمة نفذها وأشرف عليها مجلس التعليم والشؤون الأكاديمية في حكومة الفجيرة من أجل المشاركة في التنمية الشاملة التي تشكل تنمية الموارد البشرية أحد مقوماتها إن لم تكن أهمها.

ورغم أن البعض قد يرى في عدد الخريجين في البرنامج ،وهم 6 من المواطنين والمواطنات، شيئا بسيطا أو بداية متواضعة، لكننا ورغم اتفاقنا مع هذا الرأي، إلا أن ذلك مرود عليه، بأن هذه الخطوة بداية بالفعل لكنها لن تتوقف، سواء عبر البرنامج الحكومي أو المبادرات الشخصية من الأفراد الذين اصبحوا اليوم يدركون أهمــية دراسة مثل هذه اللغات التي أجاد مجلس التعليم والشؤون الأكاديمية اختيارها بدقة تستحق الثناء والتقدير.

وتفسيرا لدقة الاختيار بل وبعده الاستراتيجي والمستقبلي، فإن اللغة الصينية ستكون لغة عصر مقبل يرى الباحثون والخبراء في شؤون الاقتصاد أن العملاق الصيني سيكون فيه هو الأكثر والأسرع نموا وإنتاجا وانتشارا.

أما اللغة الكورية فإن أهميتها المستقبلية تكمن في أنها لغة النمر الآسيوي القادم إلى ساحات الاقتصاد وميادين الخبرات في الطاقة النووية واستخداماتها السلمية خصوصا وأن توقعات الباحثين تشير إلى إمكانية تكرار التجربة التي توحدت فيها ألمانيا وتصبح كوريا الاتحادية في المرتبة الثانية بعد الصين.

ويمكننا أن نعدد الفوائد المنشودة من لغات كالفرنسية كلغة ثقافة، والإسبانية كلغة حضارة لنا معها سمات مشتركة ، ومن بعدهما تأتي اللغتان الألمانية والروسية وهما بالمناسبة لغتا أكثر السواح القادمين لإمارة الفجيرة ومعرفتهما تحقق للجميع فهما متبادلا وتواصلا مشتركا. لتكون المحصلة لهذه المجموعة الدارسة للغات هو خدمة القطاعات التنموية في كافة المجالات المجتمعية .

وأقول للنخبة الأولى في برنامج اللغات العالمية الحية وبالأسماء : محمد راشد الصريدي، سعيد محبوب جمعة ،نورة السويدي ، موزة اليماحي، مريم الكعبي، وشيخة العبدولي ، لقد أتقنتم مبادئ ست لغات وأصبحتم أهلا للتعامل بها، ومن ثم عليكم مواصلة الجهد لزيادة مهاراتكم فيها لأنكم من الآن أصبحتم روادا لأجيال مقبلة في مجال تعلم اللغات من أجل المستقبل ، كما أن نجاحكم قد جعلكم قدوة، لأنكم فتحتم الباب لثقافة هي الأساس في التواصل بين الحضارات.

 

malam678@yahoo.com