تحضرني اليوم حكاية قرأتها في مذكرات كتبها رحالة إماراتي، لم تر النور بعد بانتظار ناشر يستهويه أدب الرحلات، وهي تضم حكايات عن أكثر من مئة دولة زارها على مدى سنوات المبدع المسرحي علي الشالوبي أو "ابن بطوطة الإماراتي" كما يشتهر بين أهله في خورفكان وأصدقائه في كل مكان، وأيضا مشاهديه القدامى على خشبة المسرح، التي توقف عن اعتلائها قبل عدة سنوات، واكتفى بإطلالته على الشاشة الصغيرة عند مشاركته في المسلسلات التليفزيونية وبخاصة في رمضان.
الحكاية طريفة وتنم عن بديهة حاضرة، بالرغم من أن صاحبها كان بعيدا وغريبا في بلاد يزورها للمرة الأولى ويجوب مناطقها النائية والمجهولة كما حدث للشالوبي خلال زيارته، قبل نهاية القرن الماضي، لإحدى القرى الواقعة وسط الوديان المحصورة بين جبال الهيمالايا في النيبال.
حضور البديهة
فعند وصول ابن بطوطة الإماراتي إلى أطراف القرية فوجيء أن أهلها بلا استثناء يتحاشون الغرباء؛ حتى المرافق النيبالي لم يجد من يتعامل معه من أهل القرية الذين فوجئوا بالقادمين إليهم من خارج المنطقة
.ولأن الاختيار للقرية كان مقصودا به زيارة منطقة تعيش فيها غالبية مسلمة؛ فلم يجد الشالوبي من وسيلة للتواصل مع الأهالي والتعرف على أحوالهم إلا أن يكشف لهم عن هويته بأسلوب يفهمونه، ومن ثم يثقون في التعامل معه.
أذان يخرج الناس من بيوتهم
وهنا خطرت له فكرة نفذها على الفور حين رأى تلة قريبة فاعتلاها ثم انطلق في رفع الأذان بالرغم من أن الوقت لم يكن من أوقات الصلاة، ليدخل بعدها في حالة من الدهشة حين وجد بيوت القرية تفتح أبوابها ويخرج منها الرجال مهللين ومكبرين ومرحبين بالضيف الذي قال الجميع، حسب ماترجمه الدليل النيبالي، أنه من أهل مكة التي تعني بالنسبة لهم الإسلام والكعبة والحج، أي أنهم اكتشفوا هويته من الأذان الذي رفعه بأدائه الجيد في لغة عربية واضحة وسليمة إلى درجة وصفهم، كما تقول المذكرات، لهذا الأذان بأنه أروع نداء للصلاة سمعوه في قريتهم المسلمة منذ قرون. إ
ن هذه القرية المجهولة والنائية تشكل بوجودها بين جبال الهيمالايا الشهيرة بارتفاعها الشاهق والتي تضم أعلى قمة جبلية في العالم وهي قمة إفرست8848 مترا فوق سطح البحر، يشكل هذا الوجود أبلغ رد على أولئك المستشرقين المتحاملين على الدين إلى درجة وصفهم له بأنه دين الصحارى والسهول من دون أن ينظروا كيف وصل إلى مناطق القمم الجبلية في آسيا وإلى الأدغال في أفريقيا.
احتفاء بأول صلاة
وبعد هذه الحكاية المعبرة نعرج على أخرى مشابهة حيث احتفى المسلمون في العاصمة النيبالية "كاتمندو" في ذلك اليوم من شهر يونيو من العام الماضي، عندما شهدوا فيه أعضاء المنتخب اليمني الأولمبي للشباب المشارك في التصفيات الآسيوية، وهم يؤدون صلاة المغرب في المسجد الجامع، وكان سر حفاوتهم أن هذه أول مرة تدخل فيها بعثة عربية مسلمة مسجدهم الكبير والقديم.
هوامش معرفية:
جامعة سراج العلوم هي أكبر مركز ديني تعليمي للمسلمين في نيبال، وتمنح درجاتها في علوم الشريعة الإسلامية ومنها درجتا: (العالمية والفضيلة) كما أنشأت الجامعة كلية عائشة للبنات، ومدرسة الهلال للعلوم العصرية.
ومن المعلومات الملفتة عن النيبال، أن الهواتف النقالة موجودة في معظم أنحاء البلاد، في حين أن الهواتف الثابتة لا تزيد هناك عن هاتف واحد ثابت لكل 19 شخصا، وهي تتركز فقط في المدن والمراكز الحضرية للمقاطعات التي تضمها، علاوة على وجود 175 ألف شخص يستخدم الإنترنت في النيبال التي تضم أكثر من 28مليون نسمة، بينهم ما لا يقل عن مليون مسلم.
malam678@yahoo.com



