وكأنك سائرٌ بين رحاب التاريخ، عائدٌ من زمن الحداثة إلى أعماق الماضي السحيق، حيث الطراز المعماري الفريد المُتسق مع الفن الإسلامي الشاهد على عصور نهضة الأمة الإسلامية وريادتها للعالم. وكأن الناس هناك يموجون في المنطقة بحركات ديناميكية مُتشابهة ومتسقة؛ ليُشكلوا جميعًا لوحة فنية من الطراز العربي.. هنا يقف بائع للمسابح المُلونة والمزركشة بألوان الفن الإسلامي الجميلة، وبجواره تقف إحداهن، وتنادي زبائنها ليشتروا منها (عباءات مصرية) على النسق القديم، في عودة إلى زمن ولى وانقضى، لم يتبق منه سوى ملامح تشهد على أن "عظماء" قد عاشوا هنا، مروا من هنا، هنا كان لهم صولاتهم وجولاتهم.. هنا حيث يحكي التاريخ قصصًا وحكايات، هنا حيث منطقة سيدنا الحسين، من قلب القاهرة.

في حي مصر القديمة جنوب القاهرة حيث تمتزج الأصالة بالحداثة فيعزفان سيمفونية جميلة، لا يُعكر صفوها سوى صوت شحاذ يتسول طالبًا "حسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة".. حتى ذلك الشحاذ هو جزء من اللوحة الجميلة التي يتمازج فيها الغني والفقير، والرجل والمرأة، المصري والأجنبي..إلخ، بخلفية ذات مؤثرات صوتية تتماوج فيها أصوات الباعة ينادون على بضاعتهم وقرقعات النرجيلة الشهيرة بمقاهي الحسين، أو أذانٌ يعلو من المسجد أو ابتهال داعٍ ونمنمات مُسبحٍ، وضحكات تتعالى في جو المنطقة؛ لتُضفي على حيويتها أنهارًا من "الحياة".

عندما تطأ قدماك ذلك الحي تجد نفسك، وكأنك في نقطة خارج نطاق ما تعهده، فكل شيء هنا مختلف، إن كان طعامًا فمذاقه مختلفٌ، وإن كان شرابًا فرائحته تختلف، حتى الناس غير الناس، قد شدوا الرحال جميعهم أملاً في "المتعة" والاسترخاء، فكل شيء في المنطقة يجعلك مؤهلا ليبهرك بأصالة الماضي العريق.

المسجد

على مرمى بصرك تجد مسجد الإمام الحسين، الذي بني في عهد الفاطميين سنة 549 هجرية الموافق لسنة 1154 ميلادية، ممتلئًا ليل نهار بالمسبحين المستغفرين الداعين الله، في روحانيات مُنزهة من أية أغراض أخرى، حيث يجتمع المصلون كثيرًا في حلقات ذكر يقرأون القرآن، ويذكرون الله كثيرًا، يرحبون دومًا بكل من ينضم إليهم من الزائرين والمصلين.

المسجد مُلحقٌ به ضريح (البعض يعتقد بوجود رأس الإمام الحسين مدفونًا به)، وللجامع 3 أبواب مبنية بالرخام الأبيض تطل على خان الخليلي حيث البهجة والمتعة في التسوق والتجول، وبابٌ آخر بجوار القبة، ويعرف بالباب الأخضر.

خان الخليلي

وفي مواجهة مسجد سيدنا الحسين تجد "خان الخليلي" وهو أحد أبرز أحياء القاهرة بمنطقة مصر القديمة، بمعماره الإسلامي وطرازه التاريخي الرائع يلفت إليه الأنظار، فأضحى كالمنطقة كلها قبلة للسائحين والراغبين في أن ينهلوا من عظمة التاريخ المصري.. يمتلئ الخان بالعديد من البازارات السياحية والمطاعم كذلك التي تبيع أجمل المنتجات المصرية، وتماثيل ملوك الفراعنة وأدوات فنية وملابس تذكارية عن مصر، فيقصده جموع السائحين.. فهو مكان في روعة تصميمه وجوه المميز يُعد مصدر إبداع إذ قصده كثير من الأدباء المصريين في مقدمتهم الأديب الأعظم نجيب محفوظ الذي كتب روايةً تحمل عنوان الحي، تحولت لفيلم سينمائي قام ببطولته الفنان الراحل عماد حمدي.. هو ذلك الحي الذي تجاوز عمره الـ 600 عامٍ، وما زال معماره الأصيل باقياً على حاله منذ عصر المماليك وحتى الآن.

ويزدحم الخان بالمشربيات التاريخية الهائلة ومحال البخور والعطور بألوانها المبهجة ورائحتها المفعمة برائحة "الحياة"، في مشهد بديعي هو مقصد كل ساعٍ لشراء هدية أو تذكار يحمل رائحة مصر الجميلة.. مصر القديمة.

المقاهي

ويتصدر الخان مقهى الفيشاوي بالمقاعد العديدة المميزة المتراصة كحبات العقد، إذ يأسرك أول ما تنظر إليه، حيث يموج بك في لوحة فنية هائلة مقتطعة من الزمن الأصيل.وتسمع كلمات الجرسونات فكل واحد منهم يلحن ويعزف على طلبات زباينه بكلمات مموسقة ،وعبر عزف منفرد،"وشاي بوستة هنا للباشا ،وواحد عناب للأفندي أبو بدلة كحلي ،شيشة تفاح لعمتك الخواجية الجالسة مع الواد الحليوة ،ونزل حلبة حصى للأستاذ الشاعر".

وما أن تخرج من أبواب مسجد سيدنا الحسين ، تجد المقاهي مُنتشرة عن يمينك ويسارك، بنفس الطراز المعماري القديم.. هناك يجتمع مصريون وعرب وأجانب، في لوحة تعبيرية رائعة يغيب عنها كل شيء ويبقى "الإنسان" بغض النظر عن ديانته أو جنسه أو ميوله وانتماءاته السياسية أو غيرذلك، يجتمعون على النرجيلة والمشروبات المُختلفة، ويحلو السهر على الموسيقى العطرة التي تنبعث من التلفاز أو من عاشقٍ للفن يجلس ليعزف بآلته الموسيقية مقطوعات تاريخية خالدة.

ازدحام وأنغام

تزدحم مقاهي الحسين عادة بالمطربين والموسيقيين الذين يسهرون يوميًا حتى الصباح، يقتلون أوقاتهم في عزف ألحان مختلفة، فتصبح المقاهي أشبه بواحةٍ ،ينشد فيها زوار المنطقة راحتهم وبهجتهم وسعادتهم، لما يجدوا فيها منأمن ودفء واستقرار وأمان وهم يحتسون المشروبات الدافئة كـ"الشاي والقهوة واليانسون وغيرها" أو المشروبات الباردة كالعصائر والمثلجات والمياه الغازية والمعدنية. وتقف جنبًا إلى جنب مع المقاهي العديد من المطاعم والمطابخ الشهيرة التي تُقدم أشهى الوجبات، حيث يُقبل عليها الناس خصيصًا في شهر رمضان، يجتمعون هناك على الإفطار، وقد يسهرون حتى السحور، ثم يؤدون صلاة الفجر بمسجد سيدنا الحسين.

وتُقدم المطاعم المُنتشرة بالقرب من المقاهي أشهى المأكولات البلدة والشعبية والأفرنجية من مشاو وحمام وفراخ وكفتة وكباب وطاجن بامية وحلة ملوخية، وتُخصص أماكن فاخرة لجلوس الزبائن بالداخل أو الخارج، وعادةً ما يفضل زوار المنطقة الالتفاف حول الموائد خارج المطعم؛ للاستمتاع بمشهد المنطقة الرائع والخيالي، كأنهم يجنون من التاريخ أزهاره غير عابئين بمرارة حاضرهم أو مشكلاتهم الخاصة.