يبقى يوم العاشر من رمضان الموافق السادس من أكتوبر1973 يوما غير مسبوق في وقائعه، وغير متكرر في مشاهده بالرغم من مرور 40عاما على لحظة النصر الرائع والكبير؛ الذي حققته أمة العرب من الخليج إلى المحيط، وحققت به أعظم موقف لوحدة الصف التي رافقتها في ذات اللحظة، وحدة في الهدف وهو هنا بلوغ النصر واجتياز سنوات الهزيمة والانكسار بعد نكسة يونيو /حزيران 1976 دامت لسنوات سبع أسفرت عن احتلال افترس الأرض على امتداد ثلاث دول عربية.

شهود الذكرى

ونستعيد مع الذكرى التي كنا حينذاك بين شهودها الذين كان شعارهم الوحيد: النصر وتحرير الأرض أو الشهادة في ميادين القتال دفاعا عن شرف الأمة التي استنفرت ولأول مرة قواها لدعم المقاتلين على كل الجبهات، وتناست وللمرة الأولى أيضا أي خلاف أو اختلافات كثيرا ما تحدث بين الإخوة والأخوات.

في ذلك اليوم، وكان يوم السبت، وما أزال أذكره كما لو أنه في جوف الأمس، كنا صياما؛ لكن لم يدركنا ضعف من ظمأ أو جوع، فالفرحة بعبور الخط القاتل، خط المدعو "بارليف" الذي عبأه عدو الأمة بـ "نابالم" حارق، أطعمتنا وروت عروقنا بشكل غير مسبوق، وجعلتنا للنصر نطمح وللشهادة نتمنى ونتوق، وعلى استكمال الصوم كان الكل يصر وبالإيمان يزدادون عزما وصلابة.

مدافع الماء

كنا، ونحن في خنادقنا، نتابع أخبار الدنيا، ونتحسس رد الفعل في عالمنا، كنا بالفعل سعداء، فلم نخش يوما على رفقاء سلاح نعرف أنهم من أجل كرامة أمتهم العربية عبروا الحاجز المائي بنجاح، وأزالوا الساتر الترابي بأبسط وسيلة عرفتها البشرية في تاريخها، باختراع أطلق عليه مدافع الماء، قبل أن يقتحموا النقاط الحصينة على امتداد خط "بارليف" بكل رجولة وكفاح، وهذه النقاط بالمناسبة، استخدمت فيها اسرائيل كميات مهولة من الحديد بعد أن انتزعت قضبان خط السكك الحديدية الذي كان قائما وقتها بين مدينة القنطرة شرق المصرية ومدن قطاع غزة الفلسطيني، وكان شريانا حيويا يربط بين مصر والقطاع منذ أمد بعيد.

اعلان في زيارة خاصة

كنا نتابع كل جديد في دعم المجهود الحربي، فنشعر بالفخر لنخوة وشهامة أهل عروبتنا من كل الأقطار في الشرق أو في الغرب، حتى جاء حكيم العرب "زايد "طيب الله ثراه، بأعظم ما سمعته أذن من نداء وبأغلى موقف في مساندة النصر ورجاله الأوفياء.من "لندن" وخلال زيارته الخاصة للعاصمة البريطانية أعلنها زايد بن سلطان آل نهيان، واضحة وصريحة، لا لبس فيها ولا التواء، وبشهامته وعلو هامته، وبصدق ضمير أطلق مقولته التي حفظتها من بعده أجيال وأجيال في كل الأقطار: "إن المال ليس بأغلى من الإنسان، والبترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي" وفي الحقيقة لم يكن ذلك قولا مرسلا؛ بل كان عملا فاعلا ومؤثرا في الحفاظ على روح المقاتلين، وعلى ما حققوه من نصر في الميادين التي شهدت أعتى المعارك.

بداية النهضة

ولم يدخر حكيم العرب أي جهد في دعم المعركة وعلى كل الجبهات سواء بالمال أو بالمساعدات العينية من مستشفيات الميدان الجاهزة، وغرف إجراء العمليات الجراحية المتنقلة التي تم شراؤها من مختلف دول أوروبا وإرسالها لمصر وسوريا، علاوة على عربات الإسعاف، والمواد الطبية التي قدمت للبلدين من مؤسس دولة الإمارات التي كانت حينذاك في بداية مشروع النهضة والتنمية، وكانت بحاجة للكثير من الأموال، لكنها بتوجيهات زايد أصرت على دعم الأشقاء في معركة الشرف العربي في موقف رائع يمثل قمة الإيثار.

حسم الحرب

وبطبيعة الحال فإن الحديث عن "زايد" لانهاية له، وهو المعروف بمواقفه الداعمة لأشقائه العرب في حرب رمضان، وفي غيرها من معارك التنمية بكل أشكالها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي يصعب حصرها في مقال محكوم بمساحة محدودة، معدودة السطور والكلمات.

ومن هنا سوف ننتقل سريعا إلى موقفه المتفرد الذي حسم حرب رمضان وحافظ على ماتحقق من انتصار، حين اتخذ حكيم العرب، رحمه الله، أخطر قرار في تاريخ العرب الحديث، بأن يتم إيقاف تصدير نفط أبوظبي إلى أي دولة تقوم بدعم العدو الإسرائيلي، وكان هذا القرار الحازم والشجاع؛ هو الذي أوصل أصداء حرب العاشر من رمضان إلى اليابان، وهذا ما نستكمله غدا بإذن الله.

 

malam678@yahoo.com