قال تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون)، الآية 102 من سورة البقرة.
بيان معنى هذه الآية وأسباب نزولها؛ يوضحها أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة في جامعة الأزهر الدكتور عبد الفتاح إدريس بقوله: الآية نزلت في شأن اليهود واتباعهم ما تتحدث به شياطينهم لهم كذبًا وزورًا، من أن سليمان عليه السلام كان ساحرًا، فنزلت الآية لتكذيبهم وتكذيب ما يقال لهم، ولتبيّن أن السحر كفر، وأنه لا ينبغي لنبي أن يكون كافرًا بالله تعالى.
أما العبرة من الآية، فتفيد الآية أحكامًا وآدابًا عدة، منها: أن تعلم السحر وتعليمه حرام وكفر بالله تعالى. أن السحر كفر، وأن الساحر كافر، يخرج عن ملة الإسلام بسحره، حتى وإن لم يكن يتكسب به. لا يجوز الاستشفاء بالسحر أو فك السحر بسحر مثله.
كما تفيد الآية أيضًا أن السحر لا يؤثر في المسحور بمجرده وإن كان الذي أجراه عارفًا به، ولن يضير السحر من سحر له إلا إذا أراد الله أن يضار منه، فإن لم يشأ أن يضار منه فلن يضره. وأن للسحر وجودًا وتأثيرًا وأن من الآثار التي أشارت إليها الآية الكريمة: التفريق بين المرأة وزوجها، ولكن ليس بالضرورة أن يترتب عليه هذا الأثر إلا بمشيئة الله تعالى. وإن الذين يشتغلون بالسحر لا خلاق لهم، وأنهم من الذين كتب الله عليهم الشقوة في الدنيا والآخرة. وإن السحر لا ينفع الساحر، ولا ينفع من يتعلمه، بل إن من يتعلمه إنما يتعلم ما يضره ولا ينفعه.
ويشير إدريس إلى أن قوله تعالى (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان)، فيه إخبار من الله تعالى عن الطائفة الذين نبذوا الكتاب، بأنهم اتبعوا السحر، وهم اليهود، قال السدي: عارضت اليهود محمدًا بالتوراة، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت، وقال محمد بن إسحاق: لما ذكر رسول الله سليمان في المرسلين، قال بعض أحبارهم: يزعم محمد أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا، فأنزل الله تعالى (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا)؛ أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان: من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرًا.
