يقول أهل المعاني، الإيجاز هو أن يكون اللفظ ناقصاً عن المعنى المراد من غير إخلال في أداء المقصود من الكلام. والقارئ لآيات كتاب الله تعالى المتدبر لها يرى أنها تحمل في طياتها سحراً وجمالاً يعجز البلغاء، ومهما أجهدوا أنفسهم بمحاولة مجاراة أسلوبه فإنهم سينقلبون على أعقابهم مقرين بالعجز في صورة لا لبس فيها أن لا قدرة للبشر على الإتيان بمثل الأداء القرآني، ولو أوتوا كل أسباب البيان وكان بعضهم لبعض ظهيراً.
نستعرض في هذه الأسطر مثالاً لعبارتين جاءتا لأداء معنى واحد، لتستنير هذه الحقيقة.
العبارة الأولى آية من الكتاب العزيز، والأخرى عبارة للعرب في جاهليتهم، قيلت لتؤدي معنى الآية الكريمة، لنرى ما ميّز الآية من معانٍ مخبوءة خلف كلماتها، ما يكون لنا بياناً عن الدافع الذي جعل العربي الفصيح يستمع لآيات من القرآن، فلا يسعه -على استنكاره واستكباره- إلا أن ينطلق لسانه بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أو يعود أدراجه - إذا غلب عليه شيطانه وعناده- إلى قومه معلناً: والله ما هذا بقول بشر.
العبارة الأولى قول الحق سبحانه وتعالى: "ولكم في القصاص حياة"، والأخرى قول العرب في بعض حكمهم: القتل أنفى للقتل. فالآية أدت معنى زائداً، وفائضاً، عن كلماتها، إذ المراد منها: أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتَلَ قُتِلَ كان ذلك داعياً قوياً إلى أن لا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم بعضاً، فكان في ارتفاع القتل حياة لهم.
وهذا يفضل ما جاء على لسان العرب من قولهم: القتل أنفى للقتل، لأن الناظر في قولهم يرى أنه أدى المعنى المراد بتكرار لفظ مستهجن، فالقتل كلمة مكروهة، وهي، فضلاً عن كون تكرارها من عيوب الكلام، فإنها دالّة على إزهاق الروح والتشفي، والمقام هو مقام التحذير من قبح هذا الفعل، وأما الآية فأدت المعنى، ليس بالابتعاد عن كلمة القتل فحسب، بل جاءت مفعمة بـ"الحياة" التي من أجلها شرع القصاص. والتعبير بلفظ "القصاص" أولى من "القتل"، لأن بعض القتل لا يكون أنفى للقتل وهو القتل ابتداء أما القصاص فلا يكون إلا بحق. والقصاص ضد الحياة، وهذا من بديع البلاغة الذي يسمى الطباق، وهو الجمع بين معنيين متضادين في جملة واحدة.
وأخيراً.. تأمل حرف الجر "في" الذي يشعرك أن الحياة مخبوءة في القصاص، وكأنه هو نبع الحياة، الذي بدونه لا يمكن أن توجد أو تستقر.
إن كل هذه المعاني لم توجد في قول العرب، على ما فيه من بلاغة وبيان، إلا أنه حين يقارن بكلام الله، يصبح هباء منثوراً وعيّاً من القول لا دلالة له ولا فائدة أمام بحور المعاني المستفيضة التي احتواها جزء من آية من كلام رب العالمين.
