أوراق رمضانية.. نبحر خلالها في ما ارتضاه الخالق لخلقه، وما يليق بالمسلمين نهجاً وسلوكاً وفهماً وحياةً. فيها نجد ما قاله الرب والعبد في ما هو خيرٌ للناس، ونتلمس المعاني، وندرك التفاسير، ونحوط معاً في تعاليم ديننا الحنيف، في ما أقره الإسلام وانحاز إليه، وفي ما نهى عنه ونبذه..
نخلص النية للخالق جل وعلا، وندرك عظمة الفهم للأوامر الربانية. وفيها أيضاً ما يجول في حياتنا وتربيتنا الإسلامية.. نتعرف على حكم وأحكام، ونتلمس الدروب للفهم والإنجاز، ونتعمق في تدابير الخالق للكون والإنسان.. في أوراق رمضانية لـ محمد الطيب عربي، نتوقف بعين التأمل للتلذذ في ما يمكن أن يجعل من يومنا الرمضاني ثرياً وغنياً بما يرضي الله، وبما يرضي ضمائرنا المنتمية إلى هذه الرزانة والثقة؛ والتربية الإسلامية.
إذا كان الترويح في المفهوم الغربي وحضارته المزيفة يعني التحلل من الواجبات والخروج على القيم والعادات والتقاليد، والهروب من المسؤوليات والانكباب على المتع، بغض النظر عن كونها حلالاً أم حراماً، والانفلات الغرائزي، وشيوع اللهو والاستهتار، هذه الصور التي ــ للأسف الشديد ــ غزت ديارنا الإسلامية، فإن الترويح من المنظور الإسلامي، عملية بناء وشحذ للهمم، للتعاون في البر والتقوى وإشاعة روح الجماعة وإزالة الشحناء والفرقة والبغضاء.
ومن هذا المنطلق فإن للترويح ضوابطه في الإسلام، فهو ــ كما يقول الأستاذ عمر عبيد حسنه ــ:«وسيلة تربوية، بل لعله من أكثر الوسائل التربوية فاعلية، لأنه يتم بعيداً عن التوتر والقلق والتكيف على أوضاع معينة، إنه التربية والتعليم من خلال اغتنام مجالات ومساحات الراحة الجسمية والرضى النفسي وأعلى درجات القابلية للاختيار».
فراغ وإرهاق
وإذا نظرنا إلى الوسائل أو المواعين المستعملة في واقعنا المعاصر، نجدها على عكس المبتغى، فهي مدعاة للإرهاق النفسي والجسدي وللتوتر والقلق، فأوقات الفراغ في هذه الوسائل مستغلة في ما يجلب الإرهاق وليس الراحة، وفيما يهدر الوقت في غير ما منفعة تعود على الإنسان، بل العكس، فهذه الوسائل المنهمرة كالسيل لا تجلب معها إلا الضرر والإتلاف.
ولا عجب أن تكون هذه الوسائل المستجلبة والمستحدثة بهذه الكيفية، فالذين يستحدثونها لا يستشعرون الغاية من خلق الإنسان. قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الآية: 56 سورة الذاريات. والمقصود بالعبادة هنا المعنى الشامل الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ بقوله: «إنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة».
الكتاب والسنة
ومن هنا كان الوقت شيئاً غالياً وكنزاً ثميناً، بل هو أغلى ما يملكه الإنسان. وتبرز أهمية هذا الوقت إسلامياً من خلال الحث على الاستفادة منه في الكتاب والسنة، ففي القرآن شرفه الله سبحانه وتعالى بالقسم ببعض أجزائه في آيات كثيرة. قال تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر) هنا القسم بالزمن كله. وقال تعالى: (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى) وأقسم المولى سبحانه بالليل في مختلف مراحله منفرداً في بضع مرات، ومن ذلك تبرز أهمية هذا الليل الذي يقيمه الصالحون في الذكر والعبادة، ويقيمه المفسدون في اللهو والبطش والمجون. قال تعالى: (والليل إذا عسعس) وقال: (والليل وما وسق) وقال: (والليل إذا يغشى) وقال: (والليل إذا يسر) وقال: (والليل إذ أدبر) وقال: (والليل إذا سجى).
وفي السنة الشريفة تبرز أهمية الوقت في الأحاديث النبوية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» وهو حديث يحثنا على الاستفادة من فرص الحياة المتاحة لنا.
نحن اليوم في قوة الشباب وطاقاته الفعالة، فلماذا لا نستفيد من ذلك ونهدره فيما لا يعود علينا وعلى أمتنا بالنفع، وهذه الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، تعيننا على الإنتاج والعمل المفيد، وهل رأينا مريضا يقوى على العمل والسعي والإنتاج؟
الثروة والمال
أما الثروة والمال فيمكن أن توظف في التكافل الاجتماعي وفي التنمية التي تعود على الأوطان بالخير، ومن جهة أخرى يمكن أن تبعثر الثروة فيما لا يعود بالفائدة، كلعب القمار بأرقام خيالية أو في مواخير الليل وغير ذلك من سبل الفساد الذي يزينه الشيطان لأوليائه، فيضيع المال فيما لا ينفع ويأتي الفقر وتكون الحسرة على ما فرطنا ويخسر المهلك ماله فيما لا ينفع الدنيا والآخرة. وإن اغتنام الفرص في وقت الفراغ قبل الشغل وتوظيف هذا الفراغ فيما يعود بالفائدة والنفع فهو أمر في غاية الأهمية، فمن ذا الذي يضمن دهره؟ قد يهجم عليه فجأة ما يشغله فلا يترك له من الفراغ ما يفكر في الاستفادة منه، ومن هذه الشواغل ربما مرض عضال يصيب أحد أفراد العائلة، الزوج أو الوالدين أو أحد الأبناء فلا يترك متابعتهم وتمريضهم من الفراغ ما يستفاد منه وهذا على سبيل المثال فالشواغل ما أكثرها.
ترويج الشائعات
إن الاستفادة من أوقاتنا ــ على ما أشرنا إليه ــ في ما يعود بالنفع والفائدة تصب في الترويح الإيجابي الذي يريده الإسلام، فكل إفادة مثمرة تعتبر ترويحا للنفس دون تأنيب الضمير. إن قيام الليل في العبادة ليس بالطبع كقيامه في اللهو والعبث وقضاء النهار في العمل ومساعدة الآخرين والإنفاق على المحتاجين وزيارة المرضى، وتواصل الأرحام ليس بالطبع كتعقب أعراض الناس أو تتبع عوراتهم وتعريض الآخرين بالسخرية منهم أو لمزهم أو ترويعهم بترويج الشائعات فهذا ترويح سالب. قال تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) الآية 58 سورة الأحزاب.
وكذلك الصحبة واختيارها، فالترويح الإيجابي يأتي في اختيار الصحبة الصالحة، لابد من تخير الجليس الصالح لنقضي معه أوقاتا صالحة نافعة، فإن رفقاء السوء مفسدة أي مفسدة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».
الترويح الإيجابي
وثمة ضوابط في الترويح الإيجابي في الإسلام تتعلق بالزمان والمكان، كما هو الحال مع الإنسان الذي ذكرنا في أنه يتمثل في الصحبة الصالحة. أما الزمان فعلينا أن نتوخى بأن لا يكون ترويحنا في الأوقات المخصصة لحق الله، كأن أشاهد حفلا أو مباراة تفوت علي وقت الصلاة، وإن الصلاة لوقتها المكتوب، أو كذلك حقوق الناس فمن الترويح السالب أن يكون ذلك على حساب تعطيل مصالح الآخرين.
وأما ما يتعلق بالأمكنة فمن السالب أن نسيء إلى المكان الذي نقضي فيه أوقات ترويحنا، كأن نحدث تلفا في الحدائق العامة أو نترك النفايات تملأ أفنيتها بحجة أن هناك عمالا موكلين بالنظافة. نعم ولكن لماذا لا نساعدهم في ذلك بأن نجمع نفاياتنا في المواضع المخصصة لذلك، ثم يأتي العمال بعد ذلك ليأخذوها إلى حيث تبعد؟
وكذلك من الترويح السالب أن نكون في هيئة لا تليق أن نظهر فيها أمام الآخرين كأن نكون في ملابس تشف عما تحتها أو تكون ملابس قذرة أو قذارة تتعلق بأجسامنا مما ينفر الغير منا. ممارسات ترويحية
مما تقدم نخلص إلى أن الإسلام يبيح الترويح، ولكن الترويح فيه له أهدافه التي تميزه عن سواه أبرزها: تعويد المجتمع على الجد والشعور بالمسؤولية، وتحقيق التآلف المجتمعي والأسري، وإظهار الفسحة في الدين الإسلامي، وإزالة ما يعتري حياة المسلم من هموم الحياة.
وقد عرف العهد النبوي الشريف عددا من الممارسات الترويحية كالعدو وسباقات الخيل والهجن والمصارعة والسباحة والرمي ورفع الأثقال والصيد بالسهام والصقور والكلاب، فلا علينا من بأس إذا مارسنا ذلك.



