أوراق رمضانية.. نبحر خلالها في ما ارتضاه الخالق لخلقه، وما يليق بالمسلمين نهجاً وسلوكاً وفهماً وحياةً. فيها نجد ما قاله الرب والعبد في ما هو خيرٌ للناس، ونتلمس المعاني، وندرك التفاسير، ونحوط معاً في تعاليم ديننا الحنيف، في ما أقره الإسلام وانحاز إليه، وفي ما نهى عنه ونبذه.. نخلص النية للخالق جل وعلا، وندرك عظمة الفهم للأوامر الربانية. وفيها أيضاً ما يجول في حياتنا وتربيتنا الإسلامية.. نتعرف على حكم وأحكام، ونتلمس الدروب للفهم والإنجاز، ونتعمق في تدابير الخالق للكون والإنسان.. في أوراق رمضانية لـ محمد الطيب عربي، نتوقف بعين التأمل للتلذذ في ما يمكن أن يجعل من يومنا الرمضاني ثرياً وغنياً بما يرضي الله، وبما يرضي ضمائرنا المنتمية إلى هذه الرزانة والثقة؛ والتربية الإسلامية.
نستهل الحديث عن حق الحرية في الإسلام بمقولة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، التي لا تزال تتردد في سمع الزمان «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» نعم يا من كان القرآن يتنزل موافقاً لك.. الحرية ليست حقاً فحسب وإنما هي أصل كل الحقوق إذ لا يمكن أن يكون للحقوق الأخرى فعالية أو معنى في غياب الحرية بشكل كامل، بل إن الحقوق في تغييب الحرية تكون سلباً من دون أي شك وبهذا المعنى ـــ كما تقول الأستاذة حورية الخطيب ـــ «تصبح الحرية حقاً، والحق حرية».
حق الحرية
إن الحرية في الإسلام حق للإنسان ولكن في نطاق السلوك السوي والأخلاق القويمة التي تجعل لهذه الحرية حدوداً تنتهي عندها، فلا يمكن أن أتعدى على حق الآخر في الحياة أو في الكسب أو التملك، وأقول أنا حر في تصرفي هذا.. لا، وحتى في بدني وفي أهلي حريتي لها ضوابط ومعايير، فلا يمكن أن أسرف في الأكل والشرب إلى الحد الذي يضر بصحتي وأقول أنا حر آكل وأشرب بالكيفية التي أريدها.. كلا، أو أسرف في تجويع نفسي إلى الدرجة التي أشرف فيها على الهلاك أو حتى في العبادة.
خمس صلوات
المسلم مفروض عليه خمس صلوات في اليوم والليلة وهو حر في أن يزيد في ذلك ما يمكن أن يستطيعه من النوافل، ولكنه ليس حراً في أن يقيم الليل بأكمله لا ينام ففي ذلك هلاك وإضرار، فعليه أن يقوم جزءاً من الليل وينام ليعطي جسمه حقه من الراحة، فإنهاك جسمه بقيام الليل كله إضافة إلى ما يترتب على ذلك من المضار الصحية، فهو يكون حائلاً دونه ودون القيام بواجباته المطلوبة منه نهاراً، والقاعدة الإسلامية «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» (سورة البقرة ـــ الآية 286).
سورة المزمل
ونقرأ في قرآننا العظيم في آخر سورة المزمل، والتي هي من أوائل سور التنزيل الخاصة بنبي الدعوة وتكليفه بإبلاغها للناس عليه الصلاة والسلام، نجد الأمر الإلهي لرسوله الكريم بأن وقت التنزيل والنوم انقضى، وبدأ الاستعداد لتلقي الأمر الذي سيُلقى عليه، وهو ليس بالسهل الهين وإنما هو ثقيل ينبغي أن يتهيأ له صاحب الرسالة بقيام الليل، ليس كله ولكن نصفه، أو أنْقَصَ منه أو أزْيَدَ، وهذا بداية ولمن؟
للمختار المجتبى للتبليغ، ولابد في الخطوات المقبلة أن تكون معه طائفة من المؤمنين، تتهيَّأ نفوسهم مثله كدعاة لنشر الدعوة ولكن لهم ظروفهم، فمنهم المريض ومنهم من يسعى في الرزق ومنهم من يجاهدون في سبيل الله، ولكل هذه الأسباب يأتي التخفيف والتيسير، ونعود لنجد هذا المعنى في خواتيم سورة المزمل. قال تعالى: «إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أنْ لن تُحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن، علم أنْ سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه..» (الآية 20 خواتيم سورة المزمل).
إفراط وتفريط
إذن فالوسطية ميزان الحرية والتصرف والسلوك من وجهة نظر الإسلام، لا إفراط ولا تفريط، حتى وإن كان الأمر متعلقاً بالعبادات، والدين يسر، فعجب لمن يُضيِّقون على الناس بالتعنِّت والجمود، والأصل في الأشياء الإباحة في ما لم يرد فيه نص بالتحريم وهذه القاعدة ـــ تقول الأستاذة حورية يونس الخطيب في كتابها «الإسلام ومفهوم الحرية» ــ: في غاية الأهمية عند التطرق إلى علاقة الحرية بالواقعية والواقع في المفهوم الإسلامي، والتحريم الذي يتشدد فيه البعض من دون أي سند أو دليل من نص، قيدٌ يُقيِّد به هؤلاء المتشدِّدون الآخرين، ويضِّيقون عليهم فسحة منحها لهم دين اليسر.
يسروا وبشروا
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفروا» رواه البخاري ومسلم. وقال: «إنَّ الله تعالى لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنِّتاً، وإنما بعثني ميسراً» رواه مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام لمن أخبر أن أمَّه نذرت أن تحج ماشية «مرها فلتركب، إن الله لغنيٌّ عن مشيها» رواه الإمام أحمد في مسنده، ولقد رخص الله لنا سبحانه «وإن الله يحب أن تؤتى رخصه» كما يقول الصادق المصدوق: «فإذا كان لنا أن نقصِرَ الصلاةَ في السفر برخصة من الله، فلماذا لا نؤتي هذه الرخصة حقَّها؟ وكذلك أن نفطر في رمضان إن كنَّا على سفر أو ألم بنا مرض يشق علينا معه الصيام، أو يتطلب منَّا أن نتناول الدواء لمعالجته في ساعات النهار.
رخص وتيسير
ترخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور، وهو الرؤوف الرحيم بنا، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحيٌ يوحى، فلماذا نتنزه عمَّا رخص لنا فيه رسولنا؟ يروى أنه صلى الله عليه وسلم غضب حتى بان الغضب عليه حين ترخص في أمر وتنزَّه عنه قوم وقد بلغه ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فو الله إني أعلمهم بالله، وأشدَّهم له خشيةً» رواه الشيخان عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.



