كان للتربية في السابق معايير ثابتة، تبدأ مع الصغير منذ أن يبدأ في التمييز والفهم. كانوا يعلمونه بحرص شديد ويوجهونه نحو الآداب العامة والسلوكيات الصحيحة، لكي ينشأ مهذباً وواعياً ومدركاً بكل ما يحيط به من مسؤوليات. كانوا يدربون البنات والصبيان على المشاركة في أدق التفاصيل اليومية، وكانوا يكثرون من النصح والتنبيه على ما ينفعهم وما فيه مصلحتهم. فلــم تكن في الماضي مدارس نظامية، بل كان تعلم القرآن ومعانيه الكريمة هو السائد. كان "المطوع" وهو المعلم للقرآن، يتولى عملية التربية والتوجيه لمكارم الأخلاق، إضافة لدور الأب والأم في المنزل.
فمنذ أن يبلغ الصبــي والفتــاة السابعة من العمر، كانوا يوجهونهـــم إلى العنايــة بأنفسهم، والاستيقــاظ المبكر، والحرص على النظافــة والاغتسال والوضـــوء، كما كانوا يحرصون على أمرهم بالصلاة في هذا العمر، وكانت أهم التوصيات بضرورة التزام الأدب عند الخطاب، وعدم رفع الصوت أمام الكبار.
وكانت الأم وكــذلك الأب يكتفيان بالنظرة الحازمة إذا شاهدا خطأ ما ارتكبته البنت أو الصبي، ليدركا خطأهما ويتوقفا عنه فوراً، فالتربية كان لهــا وقع نفسي واحترام كبير في نفوسهم، ولم يكن الضرب إلا عندما يتكرر الخطأ، وعندما يظهر في تصرفاتهم شيء من عدم الطاعة. ولم يكن يسمح لهم بالخروج من البيت ساعات الظهيرة والمساء إلا برفقة آبائهم، أو من هم أكبر منهم، أو بصحبة آخر أخ عم ... الخ.
وكان ذلك نابعاً من حرصهم عليهم، وتجنباً لأي خطر قد يواجههم، وكانوا شديدي الحرص من اختلاط أبنائهم بالأغراب، خشية أن يتعلموا عادات خاطئة، وكان التشديد على الفتاه منذ صغرهــا بضرورة الستر والاحتشام منذ أن تبلغ سن التاسعة، وألا تختلط بالصبيــان، وألا تتردد على البيوت المجاورة، وهذا من أجل تأسيسها على الحياء والرزانة، وكانت النصيحة تدور دائماً حول الأدب في الحديث وعند إلقاء التحية ورد السلام، وعند التحدث مع الأقارب والجيران، وكانوا يربونهم على الامتناع عن الكلمات البذيئة، وغير اللائقة؛ حتى وإن سمعوها من غيرهم.
علموهم أن نقل الأحاديث وأسرار البيوت ليس من الأدب، وهذا الأمر كان له أولوية مهمــة وخاصة، وحرص شديد من الآباء والأمهات. وكانوا يحرصون على ألا يتحدثوا بأمور خاصة بالكبار أمام الصغار، وهنا تكمن الحكمة وحفظ الهيبة في الترشيد والتربية، فنشأ أبناؤهم على الطاعة والاحترام والانصياع لأوامر الأب والأم في التربية والتوجيه.
ولم تكن التربية بالتلقين فقط، بل كانت سلوكيات، فعلموهم المشاركة في مسؤوليات البيت، وأن كل واحد منهم عليه دور في التعاون والخدمة المشتركة في البيت، فالفتاة تشارك والدتها في مهام البيت المختلفة من التنظيف والطهي والجلوس بالقرب من الأم في مختلف المهام لتنظر وترى وتتعلم، وحتى المهــارات التي تقوم بها الأم من الخياطة والحياكة وبعض الفنون المهارية المتداولة من سف الخوص وغيرها.
كذلك الصبــي كان يشارك أبيه في رحلة الصيد ويجلس معه أمام البحر ويشاهد الكثير من الأعمال التي يقوم بها الرجال من عمل شباك الصيد وغيرها، وكان سباقــاً إلى خدمة أبيه وطاعته، وكان يأخذ الأسماك ويوزعها على بيوت الأقارب والجيران... وهنا تتجلى حكمة الأهالي بأنهم يعلمون أبناءهم التكافل الاجتماعي وأصول التراحم والمودة مع أقاربهم.
