عاش أجدادنا في زمن الكفاح الجاد، والكدح الذي كان وسام الشرف على مر الزمن. فلغة الحياة لديهم كانت الحركة. كانوا في جهد متواصل منذ شروق الشمس في الصباح إلى المغيب في المساء. اعتمدوا على فطنتهم وحكمتهم في استخراج خيرات الطبيعة التي عاشوا فيها.
كان لكياسة تفكيرهم آنذاك الأثر البالغ في تسخير كل ما توفر لديهم إلى نتاج مثمر يفيدهم في حياتهم وحياة أبنائهم. فالإبداع كان ديدنهم منذ القدم، لأن حياتهم البدائيـــة كانت دافعاً للبحث عن السبل المناسبة لإيجاد بدائل تسهل عليهم جلب وتوفير الخدمات المختلفة. ونعلم أن بيئتنا الصحراوية القاسية والجافة لم تكن سهلة، إلا أنهم جعلوها واحة من الإلهام واستخرجوا منها الكثير من الموارد والأنعام.
فمعطيات الطبيعة في ذلك الوقت كانت تتلخص في البحر والصحراء، وما يزودانهم به من موارد ومواد قليلة وبسيطة، لكنهم نجحوا في توفير احتياجاتهم منها بالرغم من شحها، بل وكانوا منتجين، وهذا إلمام ببعض الحرف اليدوية.
كانت أشهر المهن حرفة "سف الخوص" وهي أوراق جريد النخل الذي يدخل في صناعات مختلفة وأشهرها الحصير والسرود الجفير وغيرها. وحرفة "نجارة الأبواب القديمة" التي كانت تعتمد على جذوع النخل وخشب الأثل. أيضاً "الحياكة" وهي فن السدو الذي يستخدم في تصنيع بيوت الشعر من الصوف.
و"الحدادة" وهي حرفة شهيرة في صناعة الأواني القديمة والقدور، وعُرف "الصفَّار" وهو الذي يلمع القدور والأواني النحاسية، وتأتي "صناعة القوارب" وهي الحرفة التي يعتمدون عليها في رزقهم من البحر، ومن هذه القوارب، أو "المحامل" عُرف "البوم" و"الهوري" و "الشاحوف" و"الماشوَّة ".
وبرزت "صناعة الحلي" وكان أهل الصناعة يجلسون بأسواق خاصة بهم يصيغون الحلي من الذهب، إضافة إلى "صناعة السيوف والخناجر" و"الفخاريات" وهي من الصناعات الواضحة إلى الآن.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحرف كان لها أسواق خاصة في الأحياء الشعبية القديمة، فكان لكل محترف ساحة يجلس فيها يومياً مواظباً على صناعته، فيشتغل ويعرض بضاعته، وكانت الأسواق تسمى بحسب الحرف.
فعُرف سوق "الصناعة" و "الطواشين" و "الحدادين". كما كانت هناك صناعات يومية تمثلت في شباك الصيد والقراقير و"الحابول" وهو الحزام الحبلي الذي يضعه متسلق النخل حول خاصرته وحول جذع النخلة لكي يتسلق ويحميه من السقوط.
بهذا الإلمام السريع لتلك الصور الحياتية القديمة، النابضة بالعمل والجهد ومكابدة شح الموارد، ارتسـم أمام أنظـارنا شرف المهـن اليدويـة حـيث أخـذت بالتلاشـي.
لدينا اليوم منتجات من صناعاتنا المحليـة، لكنـها بحاجة لدعم كبير وتعزيز الإبداع للعودة من جديد لهذه الصناعات، لما لها من أثر في رفد السوق المحلي ورفع مستوى الاقتصاد والتجارة داخل الوطن، ولدينا الكثير من المبدعين من أبناء الإمارات القادرين على دمج التراث المحلي بالصناعة الحديثة، وبرؤية تتوافق مع روح العصر وبما يواكب نهضة المجتمع.
فكم جميل ذلك الماضي بما تعلمناه من أجدادنا، وكم جميل هذا الحاضر بأبناء الوطن المتميزين والقادرين على توجيه دفة الصناعة نحو مجد جديد و"من ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل".
