الجدة.. كانت هي قلب العائلة في الماضي، فهي النور المتوهج بين أحفادها الصغار وأطفال الحي الواحد. فالقصـص كانت من الموروث الشعبي الشهير والجميل في تاريخ الإمارات قديماً. من تلك الحكايات القديمة، حكاية يرتسم بين سطورها التشويق فأحبهــا الصغــار والكبار في ذلك الوقت، وكانت دليلا على هدوء حياتهم واستقرارها وتترجم ما ينعمون به من راحة نفسية واجتماعية في بيوتهم وأحيائهم.

موعد الخروفة بعد الصلاة والعشاء

العادة في تلك القصص أنها كانت تبدأ كل ليلة بعد صــلاة العشاء، وبعد أن يكون الاطفال قد تناولوا عشاءهم، حيث تجلس الجدة في عقر الدار أو أمام العريش في الفناء، ويلتف حولهــا الصغار الذين اعتادوا عليها من أبناء أبنائها وأصدقائهم من الجيران. وكانت الحكاية تسمى "خروفه" وهي جمع "خرا ريف" بمعنى الحكايات الخرافية أو الخيالية. وكل يوم كانت الجدة تقص قصة من غرائب وعجائب الأساطير والخيال، وكانت القصص مشوقة تسترعي انتباههم وتشد عقولهم، وهــم متحلقون حولها في انصات، على نور "الفنر" وهو مصبــاح يعمل بالكــاز والفتيل. وتبدأ الجدة روايتها بصوت وقور مؤمن دافئ وحنون، مما ينعكس على الاطفال هدوءا مترقبا، ويهيئ نفوس الصغار ويـعدهم لنوم هانئ.

ترسيخ صفات الراوي الحميدة لدى الصغار

كانت الجدة أو الراوية تتحلى بصفات، وهي صفات تنتقل إلى الصغار بتلقائية ولكنها مقصــودة، لإكسابهم تلك الصفات الحميدة في حياتهم، ومن الصفات الجميلة المفعمــة بالطيبــة.. الرفق واللين والبشاشة وروح النكتــة والدعابة، فالجدة شخصية حكيمة متأنية وحليمة، تتلقى برحابة صدر استفسارات الأطفال حول القصة التي ترويها، فلا تسأم من تكرار الأسئلة. علما أن تلك القصص الشعبية تعتمــد كلها على الخيال. ومن تلك القصص الشهيرة قصة "ام السعف والليف" فكانت النسوة يسردنها بأسلوب تشوبه الرهبة، بقصد تخويف الصغار من أمر ما.

وهي حكاية خيالية ابتدعوهــا لحماية أطفالهم حتى لايخرجوا ويتعرضوا لمخاطر الطريق عند الظهيرة والليل، وعند هطول المطر، وتشير إلى امرأة عجوز تتجول في الإمارات، وأن "أم السعف" كانت ساحرة تخطف الأطفال وتعرضهم للنار، وأنها قبيحــة المنظر وتدعى أم الصراصير، بينمــا اسمها الحقيقــي سارة، هكذا كان الخيال يؤلف القصص الهادفة، في قديم الزمان ابتدعوا الخيال ليخدمهم في صون أبنائهم من المخاطر بغية اقناع الصغار بأن هناك وحشا ضاريا قد يهجم عليهم إذا خرجوا في وقت غير مناسب كوقت الظهيرة الحارة، أو الليل المظلم.

وذلك خشية ان يتعرضــوا لضربة الشمس في النهار، أو أن يتعرضــوا لاذى الطريق المعتم أو الضياع عــن الطريـــق في الليل. الطريف في هذه الحكايات أن الجدة أو المرأة القاصة كانت تتمتع بأسلوب عرض مشوق، ولها دراية كبيره في عملية التصوير والتمثيل، فكانت تستخدم صوتها بجميع طبقاته العالية والمنخفضة، حسب موقف وحوار وحدث القصة، وذلك لتحدث تأثيرا في أعماقهم.

فابتداع هذه القصص كان نابعا من حرصهم وخوفهم على أطفالهم، بغض النظر إن كانت هذه الروايات حقيقة أم خيال.. هم ابتدعوا الخيال ليخدم ويصون أبناءهم من المخاطر، وقد وظفوا الخيال للتربية والوقاية ولو بشكل بدائي. وللحديث بقية.