عاش أجدادنا في البوادي والصحراء، كانوا يتأقلمون بفطرتهم في الصيف والشتاء، بالرغم من عدم وجود ما يعرف بالبيوت. كانوا يتنقلون في كل موسم حسب ظروف المناخ. في بدايات الصيف كانت لهم عادة "المقيض" وتعني المكان الذي يصيفون فيه، والتسمية جاءت من "القيض" وهو الحر. والصيف كان بداية موسم الغوص للرجال، يسافرون في البحر لعدة شهور، والنساء في هذه الفترة يذهبن إلى "المقيض" حيث يبدأن بالاستعداد لهذه الرحلة، فيخرجــن وأولادهن وجاراتهن وكل أقربائهن، منهم من كان يذهب إلى العين، ويقصدون مناطق "كالفلج"و"المعترض" و"الجيمي" وهــذه المناطق متميزة بعيون الماء وبساتين النخيل العامــرة.

وصف أحد الشعراء منطقة الجيمي قائلا: ( في الجيمي مستجيمي/ وفي المعترض له بيت، على سكيك الجيمي/ ياحي من لاقيت) ومنهم من يذهب إلى "البواطن" وهي مناطق في عمان ومنطقة الليادي. وامتازت عمان ببساتين النخيل واشجار الموز والمانجا.

«المكري» دليل السفر

عند الذهـــاب إلى "المقيض" يرتحلون على الجمال للوصول إلى مقصدهــم، وكانوا فور وصولهم إلى تلك الديار يقومون ببناء: "العريش" من جريد النخل وكذلك "المنامة " وهي جلسة مرتفعة من الخشب وسعــف النخل، كما يصنعون "البارجيل" وهو عبارة عن فتحة للتهويــة والتبريد في داخل العريش. كانــوا يتفقون مع الرجــل الذي سيأخذهـم إلى "المقيض" ويُدعى "المكري" وهو الدليــل الذي يعرف اتجاهات ومسالك الطرق. ويحضرنــي بيت قيل سابقا في هذا الميقات (آعِدوا بالعيد مكريهم.. ما تريــَّو راس لهلالي) أي انهم كانــوا في أهبة واستعداد لهذا الموسم الجميل، فكانوا يواعدون الـ "مكري" ولا ينتظــرون بداية الشهر، ويشير الوصف لسرعــة الارتحــال.

هدايا العودة من منح البيئة

كانوا يجلبون الرطب والتمور، وسمن البقر والبيــض الطازج، والدجاج الحي الذي يربى في البيــوت، والكثير من الهدايا، كالسرود والمهفة (تحرك باليد لتهوية الوجه) والمشب (يستخدم لإشعال الجمر) والمكبة (مخروطية لتغطية الطعام)، وكلها مصنوعة يدويا من سعف النخيل. وكذلك "المخمة" وهي من الخوص لتنظيف المنزل. وكــان بعض النساء يرتحلن عن طريق البحر، وكن غالبا يذهبن "للمقيض" في المناطق الشهيرة آنذاك ومنها "روس ليبال" وهي منطقة خصب والجري، ويذهبــون بواسطة "المحامل" وهي قوارب خشبية كان لها اسماء مشهــورة "كالسمبوق" و"البوم".

 تلك الرحلة تكون استجماما نفسيا للنساء، له عظيم الأثر عليهن، ويبقين حتى ينتهي موسم "المقيض" وينتهي أيضا الرجال من موسم الغوص، فيعود الجميع إلى الديار محملين بخيرات ومغانم المواسم. وحين يحل الربيع العليل ويحل الشتاء الجميل، كان الجو الممطر يهل عليهم بالخيرات، فتنبــت الحشائش التي تتغذى عليهــا الأغنام والجمال، ومنها كان "الثمام" من أكــثر النباتات التي تأكلها الأغنام.

كما أن هناك نباتات تنبت في موسم المطر وهي "الفقع "، «الزبيدي" "الطرثوث" "العريون" و"البصيلات" و"الحميض" و"الأرطا" وكانوا يتسارعــون في هذا الموسم للارتحال لمناطق الاعشاب، فينصبون "الخيام" و"بيوت الشعر". كانت النسـاء يجلسن في الخيــام يتــجاذبن الحديث، بينما تشعل النار وتحمص القهوة ويعدونها للشرب، وكانوا يقومــون بشــيِّ "القرص" وهو خبز مشهور لديهم بعدما يخرج من الجمر يدق بالهاون ثم يضاف إليه السمن والسكر، كان يمنحـهم الدفء والطاقة. وكانوا بعــد ذلك يتسامرون حتى موعد النوم ثم يدخلون إلى خيامهم.

كان على الرجال مهمة نصب الخيام، وجلب الحطــب لإشعــال النــار للتدفئــة والطهي، وهكذا كانت تمر فترة الشتاء الرائعة والجميع في أحضان الطبيعة.