تنقل إلينا مناسبة الخطوبة في السابق عادة رائعة من عاداتنا القديمة، فالحديث عن هذه العادة يعيدنا إلى مراسم الخطوبة قديما، فالخطوبة في الماضي كانت تعتمد على رؤية فطرية متواضعة، أساسها العيش الكريم، والنية بالارتباط الدائم، والمشاركة في السراء والضراء. فالأسر قديما كانت تعيش متجاورة في الحي الواحد، فينشأ أولادهم ومنذ الصغر مع أبناء جيرانهم، حيث يتربون ويترعرعون سوياً حتى يصلوا سن البلوغ، فيتم عزل البنات عن الصبيان. فكانوا يولون أولادهم في هذه المرحلة رعاية مركزة فيحفظونهم القرآن ويعلمونهم الصلاة، فهم بذلك يهيئونهم للزواج، حيث في السابق يتم زواج الأبناء في سن مبكرة.
مراسم شفهية
يبدأ الحديث عن مراسم الخطوبة بأن تجتمع أم الفتى وخالاته وعماته والجارات القريبات، ويتم التشاور فيما بينهن على ابنة عمه إن كان له ابنة عم أو إحدى فتيات الحي، وكان الترشيح يقوم على أساس نسب الفتاة، والبيت الذي تربت فيه والأخلاق التي تتمتع بها، إضافة إلى جمالها الواضح أمامهن. وبعد أن يتم اختيار الفتاة يذهبن في زيارة لأهلها، ويتم استقبالهن ببساطة كبيرة، ومن دون مواعيد ومحسوبيات وتكاليف، يتناولن الضيافة المعتادة ويتجاذبن الحديث، وفي ختام الزيارة تتحدث من يتوسمن فيها الثقة والهيبة، ويتم إعلام أهل الفتاة بأمر زيارتهن ويشرعن في الخطبة الشفهية. وكانت لهم آداب لا يتجاوزونها فيطلبون منهم أن يستشيروا ابن عمها إن كان يرغب في الزواج بها احتراما للعرف الجاري بينهم، وتنتهي الزيارة بالاتفاق فيما بينهن على أن يتم إبلاغ أبيها واستشارة عمها وخالها.
إخطار الخاطب
وبعد التباحث في أمر الخطبة والموافقة عليها، يبعثون لأهل الخاطب إخطارا بالقبول، ويبدأ شكل الخطوبة الرسمي في بيت أسرة الفتاة، وذلك بحضور الرجال ويتم اعداد وليمة يجتمعون عليها، ويقوم والد الفتى بخطبة البنت من أبيها على مسمع الحضور، فيتم الأمر بعفوية. وكان من العادة إذا ارتضى والد الفتاة خلق الرجل المتقدم أن يقول له (إقبع عليها بالبشت وخذها) دلالة على الترحيب بالنسب وتيسير الامر، لأنهم لا يهتمون بالماديات التي سيقدمها الرجل، فهم ينظرون لخلقه وشهامته، واستعداده للمحافظة على كرامة ابنتهم. فحياتهم كانت بسيطة وغير معقدة ومتطلباتهم قليلة ولكنها تجلب السعادة. وكل ما يريدونه أن تعيش ابنتهم حياة كريمة وأن تصان ولا تهان.
مساجد ومجالس
و ما أن تنتهي الخطبة إلا ويتم الاتفاق على موعد عقد القران والزفاف، وكانوا لا يطيلون المدة بينهما، فإن تم عقد القران مساء تزف العروس في الليلة التي تليها، وكانوا لشدة تقاربهم وترابطهم في الحي الواحد، لا يحتاجون لوقت طويل للسؤال عن الرجل، بل كانت أخلاقهم وسيرهم واضحة لبعضهم البعض. وكان ذلك من فوائد ونتائج المساجد والمجالس التي تجمعهم، حيث لا يغيب عن مسامعهم فيها شيء.
إنها عادة تحمل الخير والرزق الوفير، والإحساس بأعلى درجاته والبركة في كل محاور حياتهم، فجل ما يحلمون به زواج مبارك مستقر ودائم، وعيشة هنيئة، والذرية الصالحة.
فهل يمكننا اليوم الانتقاء من هذا الموروث الفاخر، رؤية نستخدمها جميعاً، خدمة لمجتمعنا الحاضر؟
