تقيم طبيبة الأسنان السعودية هبة شطا مع زوجها وأطفالها الثلاثة في دبي منذ عشر سنوات، وخلال هذه المدة لم تركز د.شطا على تحقيق طموحاتها المهنية فقط بل تدخلت لإنقاذ أطفال التوحد، حيث ألهمتها معاناة ابنتها مع التوحد إلى افتتاح مركزين متخصصين، الأول للتعليم وتعزيز المهارات والثاني للتدخل المبكر.

وفي لقائنا معها تحدثت شطا عن حرصها الكبير على تعويد أبنائها على بعض الطقوس الرمضانية الخاصة التي تربت عليها في السعودية، وعن مهاراتها في إعداد أطباق مائدتها اليومية وهي: "السمبوسة والفول المدمس والشوربة".

قيمة إيمانية

إن قيمة الصيام لا تقتصر فقط على معايشتنا لكل ما يعانيه الفقراء والمحتاجون من جوع وعطش ونقص في الحاجات الأساسية، وإنما علينا أيضا أن نستشعر ما يعانيه الأشخاص المصابون بالتوحد وماذا يعني فقد التواصل مع الآخرين بصورة دائمة، إضافة إلى عدم القدرة على التعبير عن النفس وصعوبة التفاعل مع من يحيطون بنا، هكذا أخذتنا د. هبة ببداية الحديث لتؤكد أولا، أن حالة سارة ابنتها المصابة بالتوحد، ومستواها النفسي والتعليمي يتطور بشكل مذهل كما كانت متفائلة باقترابها من مرحلة الشفاء من المرض.

وقالت د. شطا: ابنتي "سارة" غيرت حياتي بشكل جذري، فقد شكلت إصابتها بمرض التوحد وهي في عمر السنة والنصف مفاجأة كبيرة لي ولزوجي وما زاد الطين بلة في تلك الفترة أنني لم أكن أعرف كيف أدخل إلى عالمها الغامض.

ولم تكن لدي معلومات كافية حول المرض حتى أوضح لأشقائها أن البكاء ليس هوايتها المفضلة، وعلى الرغم من محاولاتنا العديدة لإخراجها من وحدتها وبحثنا الدائم عن مؤسسة أو مركز متخصص نلجأ إليه لمعالجة طفلتنا، إلا أن الأبواب كانت تقفل في وجوهنا، وحينها شعرت بمسؤولية كبيرة وأنشأت مركزين الأول هو "مركز الطفل للتعليم وتعزيز المهارات"، والثاني هو مركز "الطفل للتدخل المبكر"، من أجل إنقاذ الأطفال من هذا المرض وتوفير بيئة نموذجية تؤهلهم للتواصل مع الآخرين.

وبفضل الله نجحت في الانطلاق وفي تغيير حياة طفلتي وحياة مئات الأطفال، كما اجتزت جميع العوائق المادية والنفسية الصعبة، فلا أزال أذكر كيف كان قلبي يعتصر حين أرى صغيرتي تضرب رأسها بقوة في الأرض، وحين تتجنب النظر إليَّ وتبكي بحرقة.

عمل بطولي

وشددت الدكتورة هبة شطا على أهمية تحلي الوالدين بالصبر خاصة خلال فترة الصيام والتحكم بانفعالاتهما جيدا، واستغلال هذا الشهر الفضيل في تدريب الأطفال والبناء على مهاراتهم الفردية، وتعليم القادرين منهم على الصلاة والتعاليم الإسلامية لما فيها من خبرات تعليمية جمة تتمثل بالمهارات المتسلسلة والمهارات الحركية والحسية واللغوية وغيرها من الأمور التي تغذي قدرات الطفل، لافته إلى أن أعظم ألوان الخير لأفراد الأسرة حسن رعاية تأديب أطفال التوحد، وأن أعظم صور تأديبهم هو تعليمهم الصلاة وغرس محبتها في قلوبهم ليقوموا بحقوقها خير قيام.

ومضت قائلة: إن رعاية الطفل المصاب بالتوحد صعبة وتستهلك الكثير من الوقت ومقارنتها برعاية الأطفال الطبيعيين تعتبر عملا بطوليا، وأنصح الأهالي بالتقرب من أطفالهم ومعرفة ما بداخلهم من مشاعر والابتسام لهم واللعب معهم وتوجيههم بدون عنف والتعاون مع المراكز المتخصصة في التشخيص المبكر لتأهيل الأطفال المتوحدين وتقليل مشكلاتهم النفسية والاجتماعية ومن ثم دمجهم في المجتمع.

رمضان "زمان"

وعن إيقاع يومياتها الرمضانية تفاخرت د. شطا بخلوها من الروتين ومضت قائلة: إدارة المنزل وعيادة الأسنان ومراكز علاج التوحد أمر صعب، ولكنه لا يزال تحت السيطرة، ففي الفترة الصباحية أكون مع الأطفال في مركزي علاج التوحد، ثم أعود إلى المنزل عصرا وأدخل مباشرة إلى المطبخ لتحضير أطباق مائدة الإفطار، وفي المساء أستقبل المرضى في عيادة الأسنان من الساعة الثامنة وحتى الساعة العاشرة ليلا.

وأضافت: في داخلي حنين كبير إلى الأيام التي كنت أقيم فيها مع عائلتي قبل الزواج، وأنصح من يريد الاستمتاع بأجواء رمضان بالسفر إلى السعودية التي لاتزال محافظة على عاداتها القديمة وملامحها الرمضانية الرائعة، فالعائلات السعودية كانت ومازالت تحرص على الإفطار على اللبن والتمر و"السمبوسة والفول المدمس والشوربة".

والطريف أنهم يعوضون طعام الإفطار الخفيف بتناول الأكلات الدسمة والغنية عندما يحين وقت السحور، وأذكر أنني كنت أنتظر وقت السحور على أحر من الجمر لأتناول الأكلات الدسمة الشهية. وحول ذكرياتها الخاصة .

قالت شطا: يبدأ دوام الموظفين في السعودية في تمام الساعة الحادية عشرة صباحا وينتهي عند الثانية ظهرا تقريبا، وهذا كان يشجع الناس على السهر حتى صباح اليوم التالي، وبالنسبة لي فقد كنت أسهر مع أشقائي كما كنا نصلي الفجر سويا ثم نذهب إلى شاطئ البحر لرؤية شروق الشمس وبعدها نعود إلى المنزل لأخذ قسط من الراحة والنوم، وعندما يقترب موعد الإفطار كنت أساعد والدتي في تبخير الأكواب "بالمستكة"، وهي عملية رائعة تفتح شهية الصائمين عند شرب ماء زمزم ولا تؤثر على طعم الماء.

رمضان اليوم

وحول عادات الشعب السعودي أكدت الدكتورة هبا شطا أن تبخير الأكواب من أبرز عادات السعوديين في رمضان، وقالت: لا بد من وجود طبق الفول و"السمبوسة" والمعجنات وشوربة الحب على مائدة الإفطار، كما نحضر أصنافا كثيرة من المشروبات مثل قمر الدين و"الفيمتو" الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من الشهر المبارك.

وتحرص النساء على دخول المطبخ ظهرا والإسراع في تحضير مائدة الإفطار حتى يتمكن من تبادل أطباق الطعام مع الجارات قبل موعد الإفطار، والمثير أنهن يتنافسن طوال الشهر على ابتكار أكلات وأصناف شوربة جديدة.

طبيبة مع كتب الطبخ

لا تأخذ شطا قسطا من الراحة عند عودتها ظهرا إلى المنزل، بل تنغمس بين كتب الطبخ كما تتابع برامج الطبخ التلفزيونية كباقي الأمهات لإيجاد وصفات لحساء لذيذ، وقالت: الحساء من الأطباق الرئيسية على مائدة الإفطار وهذا يشكل تحديا كبيرا أمامي، لأن عليَّ تحضير صنف جديد كل يوم والتفوق على توقعات زوجي وأطفالي. ثم ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجه شطا حين سألتها عن مهاراتها في إعداد أصناف الحلويات،

حيث أكدت أنها كانت تتناول الحلو قبل المالح عند الإفطار في كثير من الأحيان، وقالت: أنا "ست بيت" ممتازة وماهرة في تحضير "الكنافة" المنزلية بجميع أنواعها، كما أجيد إعداد "المهلبية" و"لقمة القاضي" و"المعصوب"، وأشعر أن حلاوة الشهر الكريم لا تكتمل من دون الحلويات.

وأضافت الدكتورة: يستدعي الأمر تكاتف الجهود لدعم الوالدين والعائلات التي قد تمر بالمراحل المذكورة مسبقا من خلال بذا الجهد لكيلا يستغرق الأهل وقتا طويلا بتلك المراحل مرة أخرى أو يكون هناك تراجع من قبلهم، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تعاون كل من حولهم من أقارب، وعائلات محيطة بهم، ومراكز أو مدارس، والأخصائيين ومن ثم المجتمع كله، فمع الإرادة والعزم والإيمان والرضا بالقضاء والقدر يصل الأبوان إلى مرحلة التوازن بأسرع وقت.

وتتوفر العديد من الطرق والوسائل العلاجية والتعليمية المستخدمة لتطوير قدرات الأطفال المصابين بالتوحد والحد من تفاقم السلوكيات السلبية لديهم، ولكن كل شخص أو طفل توحدي يختلف عن الآخر، فبعض الطرق والأساليب العلاجية قد لا تنجح مع البعض في حين أنها تحقق نجاحا مع البعض الآخر، لذلك يجب دراسة حالة الشخص المصاب بالتوحد بصورة فردية ومن ثم تنسيق الأسلوب والخطة لتتناسب مع حاجات وقدرات وبيئة الطفل التوحدي.

ولا تعد اختبارات الذكاء للطفل المعيار الحقيقي والقاطع الذي يبني عليه أخصائيو التربية الخاصة خططتهم التعليمية ليقينهم التام بأن جلسات التعليم الجماعي مهمة جدا لأنها وسيلة لتعزيز وتدعيم وتعميم المهارات التي اكتسبها الطفل خلال جلسات التدريب الفردي التي تتيح للطفل التفاعل مع أقرانه في بيئة تعليمية أكثر حرية.

وتأكدهم من أن الطفل المصاب باضطراب التوحد عبارة عن كتلة من المهارات والطاقات الكامنة التي تظهر خلال العمل الدؤوب معه والتي تحتاج أيضا إلى إنسان متمرس يخرج هذه الطاقات المكنونة ويساعدهم على أداء أدوارهم في المجتمع ليكونوا أعضاء منتجين فيه لهم من الحقوق بقدر ما عليهم، وليس خلال جلسة التقييم واختبارات الذكاء.

وحول تشخيص التوحد للعديد من الأسر افادت دكتورة هبة بان الإحساس بالفقدان العميق يمر الوالدان في البداية بمرحلة الصدمة بسماعهم لخبر التشخيص ويليها نكران الحدث والتنقل بين الأطباء والمختصين ومحاولة إقناع أنفسهم بعدم صحة التشخيص بهدف الهروب من الواقع، ثم ينتقلان إلى مرحلة الغضب وقد يظهر عليهم الجزع بشكل مندفع ولا إرادي.

أما المرحلة الثالثة فهي المساومة التي يحاولان فيها تهميش هذا الاضطراب، ومن ثم يصابان بالإحباط وحالة من الذنب والشعور بالحرج من المجتمع، ولكنهما في نهاية المطاف لا بد أن يصلا إلى مرحلة القبول بالمشكلة التي تتضح عادة بصور متعددة، والكثير من الأسر تصل إلى هذه المرحلة تدريجيا بعد معايشتهم لنمط حياة معينة لطفلهم المصاب ولمس التطورات والنتائج الإيجابية جراء استخدام البرامج العلاجية ومن ثم تقبل التوحد كجزء من حياة العائلة.

الصائم عن الطعام والصائم عن الكلام

قد يسأل البعض عن أوجه التشابه والاختلاف بين الشخص المصاب بالتوحد والشخص الطبيعي الصائم، وقد أكدت الدكتورة أن كلاهما يصوم لكن لأسباب مختلفة وبطرق مختلفة أيضا، فالصائم يصوم عن الكلام الذي يجرح صومه بشكل جزئي، ويمتنع عن الطعام والشراب لفترة محدودة، والأهم أنه يصوم بإرادته ويعود عليه الصوم بنتائج صحية ونفسية وإيمانية، أما المصاب بالتوحد فلا يصوم بإرادته، ويكون صيامه عن الكلام كليا لأن 50% من المصابين بالتوحد غير ناطقين والبقية يواجهون صعوبات في التواصل اللفظي، كما يمتنع عن أنواع عديدة من الطعام والشراب لأسباب حسية وقد تكون سلوكية روتينية و80% من المصابين بالتوحد يعانون من التوتر الذي يؤثر على سلوكهم، وتتلخص نتائج صيامه في عرقلة للقدرات التطورية مما يسبب تراجعا للقدرات والكفاءات.

واستطردت قائلة: سيبقى الشخص المصاب بالتوحد صائما عن عالمنا ممتنعا لا إراديا عن مشاركتنا إلى أن يضع الوالدان لمراحل حزنهم نهاية ويتفهم المجتمع هذا الشخص ويتقاسم مع أسرته فرحة عيد إفطاره من صيام التوحد ولو بشكل جزئي. 

روتين رمضاني مرفوض

وعلى الرغم من تمسك شطا بأطباق مائدة الإفطار السعودية وبعض التقاليد الرمضانية، إلا أنها لا تزال تشعر أن يوم رمضان في هذا العصر لا يختلف في شيء عن الأيام العادية، ومضت قائلة: صحيح أنني قمت بتعويد زوجي وأبنائي على بعض العادات مثل تبخير الأكواب والاكتفاء بتناول "السمبوسة والفول والشوربة" عند الإفطار، ولكنني لست مستمتعة بروتين الحياة خلال الشهر الكريم، فأوقات الدوام في الأيام العادية تبقى نفسها في رمضان، حيث يبدأ في تمام الساعة الثامنة صباحا وينتهي عند الثانية ظهرا، وهذا يجبرني على النوم باكرا ويحرمني من لذة السهر مع الأصدقاء والمعارف ومشاهدة المسلسلات، كما أنني أضطر في كثير من الأحيان إلى ترك ضيوفي في المنزل مع زوجي وأبنائي والذهاب بسرعة إلى عيادة الأسنان بعد الإفطار إن كانت هناك حالة طارئة.