«رب ضارة نافعة»، هذه هي الجملة التي تتلاءم مع قصة دار الأوبرا المصرية، التي افتتحها الخديوي إسماعيل عام 1869 وكانت أول دار تؤسس في إفريقيا والشرق الأوسط، مواكبة لافتتاح قناة السويس. وبالرغم من المظهر الحضاري الذي عكسته، بما يشير إلى تقدم مصر وارتقاء شعبها، إلا أن ما خفي كان أعظم..

حيث تم اقتطاع أموال بنائها من الشعب المصري آنذاك، ومع ذلك تعد دار الأوبرا صرحا ثقافيا ووطنيا مهما، كان بالإمكان الا تراه مصر لولا ما فعله الخديوي وهي من الاماكن التي تعتبر من المعادن النفيسة عربيا.

في زيارة خاصة للأوبرا اصطحبنا الموسيقار نصير شمة فبدأ حديثه متغزلاً فيها: إنها أحد منابر الفنون في العالم، ومنارة الفنانين ومحبي الثقافة والجمال، وهي قلعة الفنون وصرح الثقافة، وتعد وجهة للجميع باستقبالها لفنون من مختلف الجنسيات، وهي فكرة تتغذى بزوارها.

ومساهمة الخديوي إسماعيل لم تتوقف عند أمره ببنائها بل حرص أيضا على إبراز مكانة مصر في التاريخ، فأمر بتأليف أوبرا من الحكايات المحلية ووقع اختياره على عايدة المصرية التي تحدت الظروف لترفع شأن بلادها، وكتب الأشعار الإيطالي جيالا نزوق، وآلف موسيقاها الموسيقار فيردي، فخرجت عايدة بأغانيها الجياشة وموسيقاها الرائعة، كعبقرية يندر ان يجود الزمان بمثلها.

وتــــعرضت الدار للاحتراق عام 1971، مما تسبب في تغير موقعها من ميدان التحرير إلى أرض الجزيرة بالقاهرة، وافتــــتحت عام 1988، بحضور الأمير توموهيتو أوف ميكاسا، الشقيق الأصغر لإمبراطور اليابان، التي بنت الأوبرا الجديدة بمنحة منها، وقدم لأول مرة في مـــصر عرض كابوكي ياباني.

معمار إسلامي

وتعد الأوبرا صرحا ثقافيا وفنيا لا مثيل له، اذ تضم الدار شتى أنواع الفنون، بداية من السمعية ممثلة في المكتبة الموسيقية، ومسرح معهد الموسيقى العربية والغناء الأوبرالي، مرورا بعروض الباليه والرقص الكلاسيكي، وختاما مع الفنون التشكيلية وذلك من خلال متحف الفن الحديث الذي يعد خير شارح ودليل على الحركة الفنية التشكيلية في مصر، موضحا أنه تم بناء الصرح الجديد على الطراز الإسلامي المعاصر..

في حين كان المبنى القديم من الخشب ومبنيا على الطراز الفرنسي المواكب لشكل الأوبرا في فرنسا، وهي منبر ثقافي رفيع، ومنطقة جذب للكثير من المصريين من محبي الفن بأشكاله المتنوعة، حيث تعكس صورة حضارية، ووجود فرقة باليه وأوركسترا سيمفونية تضم عددا بالغا من المصريين، وتستضيف فرقا فنية ذات مســــتوى رفيع من جنسيات مختلفة.

عروض ومعارض

ساهمت الأوبرا في إثراء الحركة الفنية في مصر من خلال عدة منابر، يأتي على رأسها المسرح الكبير، والمخصص للعروض الأوبرالية والغنائية الضخمة، يليه المسرح الصغير والذي تعقد به الندوات والأمسيات الثقافية، ولمحبي الاستمتاع بالفنون في ظل الهواء الطلق هناك المسرح المكشوف، للعروض الصيفية والأمسيات السينمائية، والحفلات غير الرسمية، ويعتبر مركز الهناجر ومركز الإبداع من الأماكن المفضلة للشباب، لاسيما مع العروض الشبابية التي تقدم بهما، والمعارض الفنية التشكيلية المعاصرة.

حفلات للجمهور

وتقيم الدار أمسيات مفتوحة للجمهور من مختلف الجنسيات، تركز فيها على حفلات الإنشاد الديني في رمضان، إلى جانب الموسيقى الشرقية الأصيلة، وليالي السهر والسمر ذات الطابع الروحاني التي يقدمها كبار فناني الموسيقى العربية.