«يتميز شهر رمضان بالجوانب الروحانية الكبيرة التي تؤثر في دواخل الإنسان، ما يدفعه للتأمل والتفكّر والنظر العميق، والفنان تحديداً بما له من أحاسيس مرهفة ومشاعر جياشة يستطيع أن يترجم تلك الدفقات الروحانية العميقة ويحولها إلى أعمال فنية تخاطب العقل والوجدان والفطرة السليمة»، ذلك ما أكده المنشد التونسي حسين بن عامر في جلسة ضمت الصحبة الطيبة من الأصدقاء.

 بينما قال زميله فوزي بن قمرة إن الإنشاد الديني يحتل مرتبة متميزة خلال رمضان في بلادنا، وخصوصاً من خلال المهرجانات، وقد شهد في الأعوام الماضية تطوراً ملحوظاً من حيث الكلمة واللحن والأداء، أو حتى في الجانب الترويجي والانتشار الإعلامي.

وفي لقاء في أحد استوديوهات التسجيل الموسيقي بتونس، جمع الفنانين حسين بن عامر وفوزي بن قمرة ومحمد الجبالي، أرجع المطرب والملحّن محمد الجبالي ما يشهده فن الإنشاد الديني من إقبال جيد محلياً وعربياً، إلى الدور المهم الذي تقوم به وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وقال: في ظل التطور الكبير لوسائل الاتصال والتواصل، باتت المواهب الحقيقية تفرض نفسها على الجميع وتنطلق نحو الفضاء الأوسع.

اعتزال مفاجئ

فوزي بن قمرة بدأ حياته الفنية في الغناء الشعبي والاستعراض، وحقق نجاحاً كبيراً في مجاله، إلا أنه اعتزل الفن فجأة، وبقي بعيداً عنه، قبل أن يعود إليه من باب الإنشاد الديني، يقول:

«ظهرت ميولي نحو الفن الشعبي فانخرطت فيه، وبفضل من الله ثم بما حباني من طاقة صوتية، وتشبّع بالإيقاعات الشعبية، أنجزت في فترة قصيرة نسبياً نجاحاً كبيراً. وقد أُعجب الكثيرون بطريقتي الجديدة في أداء الأغاني والرقصات الوطنية؛ وهو ما أكسبني شهرة واسعة وجعلني، بشهادة الجميع، أتربع على عرش الغناء الشعبي المحلي خلال عشر سنوات كاملة».

وعن سرّ انتقاله من نجومية الغناء الشعبي إلى الإنشاد، يقول: «هناك عوامل عدة دفعت بي إلى أهم قرار اتخذته بحياتي، ولعل أهمها: ظروف التنشئة، فقد نشأت في بيئة متوسطة مادياً، ومحافظة على قيمها وعاداتها العربية الإسلامية، ومن بينها الحرص منذ الصغر على أداء الواجبات الدينية؛ رغم فترات الانقطاع من حين لآخر، غفر الله لنا جميعا».

وتابع: «لم أترك الصلاة خلال الأعوام الأخيرة ، ولكن بدأ ينتابني قلق كبير، وحالة من عدم الرضا عن النفس لما كنت أقدمه من غناء، وبدأت نفسي تملّ الأجواء التي كنت أعيشها، وبدأت رحلة البحث عن حلّ.

ولم تكن المهمة سهلة، وأحسست بالحاجة إلى سند ودعم من الذي يملك ناصية القلوب ويقلبها كيف شاء. وبمساعدة بعض أصدقاء الخير الذين لن أنسى لهم مثل هذا الفضل توجهت إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك العمرة في شهر رمضان من سنة 2001، السنة التي تركت فيها الغناء. لقد عاهدت الله في مكة الكرمة على ترك الغناء..

وفي ليلة من ليالي رمضان الكريم، أظنها كانت ليلتي الأخيرة بمكة، ذهبت إلى الحرم المكي وصليت الفجر، وبينما كنت ساجداً في الركعة الأخيرة، على ما أذكر، إذا بشيء غريب يحدث بداخلي، وشعرت بقوة عجيبة تتملكني، واندفعت في الدعاء والابتهال إلى الله لكي يساعدني، وإذا بي أعاهده، وإذا بالعهد يخرج من فمي إلى رب العزة ألا أعود إلى الغناء، وظللت أدعوه وأنا في بيته الحرام أن يعينني على ما عزمت. وفي عام 2008 انطلقت تجربتي مع الإنشاد الديني بقصائد التوحيد والمدح النبوي، ضمن فعاليات مهرجان المدينة.

قرار نهائي

المنشد حسين بن عامر بدأ كذلك حياته الفنية بأداء اللون الشعبي والعاطفي تحت اسم حسين العفريت، والعفريت هو لقب مغنّ تونسي يهودي كان معروفاً بأغاني الغزل الفاضح، واختار اللقب لأدائه النوع الشعبي الاحتفالي بالأعراس، قبل أن يحظى بنجومية في الإذاعة والتلفزيون ويشارك بالمهرجانات، وأخيراً انتقل للإنشاد الديني والمديح النبوي، يقول: «هناك تحوّل مهم شهدته في حياتي الخاصة ونظرتي للوجود، وبعد تجارب عدة مع الغناء الديني والصوفي طيلة الأعوام الماضية، قررت التوقف عن الغناء العاطفي نهائياً، والتخصص بالإنشاد الديني والمديح النبوي».

وأشار الفنان محمد الجبالي إلى أن توجه بعض نجوم الغناء نحو الإنشاد الديني يعتبر موقفاً وخياراً محترماً، فهو أدرى بتحولات حياته، ويدرك علاقاته بنفسه وبالمجتمع والواقع، وعندما يكتشف ماذا يريد، وأين تكمن سعادته، يسير في الطريق الذي اختاره. ولابد هنا من الإشادة بجيل المنشدين الشباب..

والذي يبشّر بكل خير نظراً لأنه يعتمد على تقنيات جديدة ومتطورة في التسجيل والتصوير والنشر والترويج لأعماله، ويتعامل مع موسيقى متطورة وشعراء وملحنين بارزين، ومع معان جديدة ومتقدمة في العلاقة بالله والدين والحياة.