يتزامن شهر رمضان هذا العام مع المهرجانات الصيفية التي تشهدها مختلف مناطق تونس، ومنها مهرجانات قرطاج والحمّامات وسوسة والمنستير وصفاقس وقابس وبنزرت والقيروان وقفصة، وتشهد تلك المدن أيضاً إبداعات على إيقاعات الفن بمهرجانات خاصة بالشهر الفضيل، أبرزها مهرجان المدينة في نسخته المختلفة الذي كان قد انطلق في الثمانينيات، قبل أن تتعدد المهرجانات التي تحمل الاسم ذاته بمدن أخرى، منها صفاقس والمهدية وسوسة وبنزرت.

وتأتي الدورة الخمسون لمهرجان قرطاج الدولي، أكبر الفعاليات الفنية الصيفية، متزامنة مع شهر الصيام والقيام والسهر والسمر، وأعدت وزارة الثقافة برنامجاً متميزاً، انطلق مع الأسبوع الأول من رمضان، ويتواصل حتى أواخر أغسطس المقبل. وتتخذ عروض مهرجان المدينة بعداً روحياً يتماشى وطبيعة الشهر الكريم، إذ يتم الاعتماد على التجارب الفنية الأصيلة والعريقة التي تحمل عبق الماضي، وخاصة في ديار الإسلام، من أقصى غرب أفريقيا إلى أقصى شرق آسيا، مع الانفتاح على التجارب الإنسانية الأخرى.

وتواصل المهرجانات الصيفية عروضها العادية، ولكن مع الأخذ في الاعتبار خصوصيات شهر رمضان، على أن تتواصل برامجها بعد عيد الفطر.

وينتظم في البلاد سنوياً نحو 400 مهرجان بين دولي ووطني وقبلي ومحلي، وبين عامّ ومتخصص، أغلبها تنظم في الصيف، وخاصة خلال شهري يوليو وأغسطس.

خصوصية وتميز

ويؤكد المطرب التونسي لطفي بوشناق أن لشهر الصيام خصوصياته التي تفرض نفسها على أي عرض فني، ويقول لـ«أنوار رمضان»: «طبيعة الشهر الكريم أنه للعبادة والتقوى والسكينة الروحية، لذلك تتم العروض بعد صلاة التراويح، وعادة ما تكون عروضاً مرتبطة بجذورنا الأصيلة عربياً وإسلامياً ومحلياً، إذ نعود إلى موروثنا، ونتواصل مع قضايانا.

كما نلتزم بالجوانب الروحية والدينية، وأنا شخصياً أحاول أن أبتعد عن الإيقاعات الصاخبة في سهرات وسمر شهر الصيام، وأن أنهل أكثر من القصائد والموشحات والأدعية والتراث الأندلسي والشرقي».

ويضيف بوشناق الذي يعتبر من ألمع نجوم الأغنية محلياً على مستوى الوطن العربي «أن مهرجاناتنا تعكس في رمضان صورة مختلفة، وخاصة «المدينة» الذي يعتبر حدثاً ثقافياً بالدرجة الأولى، وهو غير تجاري، ويهتم بالموسيقى الروحية وتراث الشعوب والتجارب المتميزة بخصوصياتها المحلية، سواء في الأداء أو العزف أو الحركة. والمهرجان يعتبر ذا صلة حميمة في تجمعات أسرية عبر فضاءات محدودة، إلا أنها تحمل عبق التاريخ وبوح المكان وأسرار الزمان».

فن وثقافة

وتقول المطربة الوطنية منيرة حمدي «إن رمضان في بلادنا صار شهراً للفن والإبداع والاكتشافات الثقافية، وفي الوقت نفسه شهراً للتقوى والعبادة والتقرب من الله، والإحسان للفقراء والمسكين بالتصدق والإنفاق في سبيل الله. والجميل في الأمر أن طول ساعات الصيام في الصيف، يقابله ليل حافل بالطرب والموسيقى والعروض الفنية المختلفة في المهرجانات والسهر والسمر بعطر الفل وعبق الياسمين وجلسات الأسر الحميمة».

وتعود الحركة ليلاً إلى الشوارع وفي الأحياء التي لا تنام باكراً. ويتحول المسرح البلدي بشارع الحبيب بورقيبة والقصور القديمة في المدينة العتيقة إلى منارات فنية من خلال مهرجان المدينة، ويشهد مسرح قرطاج الصيفي المفتوح وبقية المسارح الأخرى، عروضاً فنية تراوح بين الموسيقى والمسرح والسينما والرقص والشعر، وتزامن رمضان مع المهرجانات الصيفية يعتبر ميزة محلية ضاربة في التاريخ.

ويشير الإعلامي عز الدين بن محمود إلى أن الشهر الكريم في تونس له خصوصيته المحلية التي كان يتخذها عبر التاريخ، وتطورت بمرور الزمن، فقد كانت أحياء باب سويقة والحلفاوين بالمدينة القديمة، وبعض صالات الأفراح تتحول إلى مسارح للعروض الفنية والموسيقى الشعبية والمواقف الكوميدية وللرقص التقليدي.

وكذلك لرواة الملاحم الشعبية، وأغلبهم ممن يمتلكون مواهب مسرحية رائعة. ومنذ عقود أقرت مهرجانات رمضانية للإبقاء على تلك الخصوصية، وللانفتاح على تقاليد الشعوب الأخرى، وهو ما نراه اليوم من استقبال البلاد فرقاً وفنانين من دول عدة، بشكل يؤدي إلى تلاقح ثقافي، وتمازج حضاري، وتقارب إنساني بين الشعوب والأمم.