افترشوا أسطح منازلهم هرباً من حرارة الطقس، فهاجمهم البعوض والذباب المعروفان بتزاحمهما في المنطقة الأشد حرارة في الأردن. ماذا يفعل أهالي الأغوار في طقس صعب، وهم يسعون لسهر الليالي في رمضان لأنها سهرات ليست كغيرها، ترافقهم فيها إيقاعات أجنحة الذباب وهي تخترق جدار الأذن، دون أي اكتراث للسامر المسكين. ففي الأغوار لا ملجأ للحماية من الحرارة حتى في منتصف الليل. وبعد تعب استثنائي لسامر أمضاه في نهارات يوم صعب لدرجات الحرارة التي تتجاوز الخمسين، ومن دون مكيفات وأحياناً بلا كهرباء. تنعكس على الطقس ليلاً، ولا تتوقف عن الارتفاع حتى في ساعات الفجر.
في الأغوار.. أطفال بلا ملابس، ومرضى يقودهم أبناؤهم على الكراسي، ومن صلح منهم فرجال افترشوا ظلال الأشجار يلعبون ورق الشدة أو يتعاطون الأرجيلة. والمفارقة أن كل ذلك يحدث وهناك في عمان على بعد 20 كم أو يزيد قليلاً ستكون ليالي السمر البهية كما يشتهي الصائم، نسائم لا تكف عن إمتاع الساهرين، ومساءات رائقة رائعة. صاخبة حيناً وهادئة في كثير من الأحيان. فهي عمان دار الأمان، أما الساهر في الأغوار حظه وضعه في بقعة هي الأكثر انخفاضاً على وجه الكرة الأرضية يعيش فيها إنسان. يفتقد المكان الذي يأوي إليه ليقيه من شمس، حتى وإن غابت فإن حضورها سيبقى طاغياً مسيطراً على كل ثانية من ثواني اليوم نهاراً أو ليلاً.
في مناطق البحر الميت، لا تختلف أوقات المساء عن ساعات النهار، فالشمس في الأحوال كلها تجبر أبناء الوادي على شراء أجهزة التكييف التي ارتفعت أسعارها بعد زيادة الطلب عليها، ما يجعل المواطن يقع ضحية عذابين: عذاب حرارة الطقس، ومرارة الأسعار المرتفعة كحرارة الطقس. وحتى إن اشترى ما يرطب يومه فذلك لا يعني شيئاً، فالكهرباء نفسها في حال انقطاع مستمر بسبب مطاردة بعض الخارجين عن القانون لمحولات الكهرباء وعبثهم بها وسرقة بعض أجزائها ما يجعل أحياء واسعة بالمنطقة تعيش في ظلام دامس.
وقد دفع ارتفاع درجات الحرارة في صيف الأغوار، العديد من المواطنين لهجرة المنطقة والبحث عن سكن في المدن والمرتفعات، لترتفع أجور المساكن بشكل لافت.
مواقف متباينة
يقول سلامة حسونة: "لم أجد بيتاً لأسكن فيه خلال الصيف بسبب ارتفاع الأجور بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة".
والعطلة الصيفية تدفع الأولاد لوحشة الفراغ، فيبحثون عما يقتل وقتهم لإطفاء حر النهار. وهنا لا مكان إلا العودة للسباحة في قناة الغور التي تشهد سنوياً ارتفاعاً بمعدلات الغرق والوفيات. ويمرّ حسونة يومياً عبر القناة فيجد الأطفال يسبحون في مياه غير مخصصة للسباحة أصلاً لكثرة الطين والزوائد. ورغم أن الأطفال يدركون أن السباحة في القناة تشكل خطراً على حياتهم، إلا أنهم لا يكترثون كثيراً، ربما لأنهم لا يظنون أنهم محصنين من تجربة أقرانهم الذين ماتوا غرقاً، وهكذا يموت بعضهم أيضاً.
يقول أحد الأطفال: نحن لا نملك في البيت إلا مروحة واحدة نضعها بالقرب من والدتي التي تعاني من الضغط والسكري وباقي العائلة تتوزع بين الأشجار أو السباحة بالقناة. وحديث الطفل يقود لأمر في غاية الخطورة، إذ يكشف عن واقع معيشة الفقراء الذين لا يملكون القدرة على شراء جهاز تكييف أو حتى مروحة بسيطة، ما يضع حياة العديد من الأطفال والمرضى في حالة خطر مستمر.
تكاليف المعيشة
ويساهم ارتفاع درجات الحرارة في الأغوار في زيادة تكاليف المعيشة على الأسر، فالتي تمتلك أجهزة تكييف تدفع مبالغ طائلة لفاتورة الكهرباء ومصاريف أخرى هي قيمة دواء ومياه وكهرباء. علماً أن تكلفة الصرف على المواد الغذائية صيفاً تتراجع مقارنة مع الأشهر العادية على مستوى الأسر مع ملاحظة أن مناسبة الأعراس وتقديم المناسف أخذت في التراجع بمناطق الأغوار بشكل لافت أيضاً.
وتكشف حرارة الصيف حقيقة الوضع الاقتصادي لأبناء الأغوار، ويوضح عبدالسلام خضر قائلاً: يمكن تحديد الأمور المالية لأبناء المنطقة، باعتماد ميزان حرارة الصيف، فالعائلة التي تمتلك عدداً من مكيفات التبريد تعيش نوعاً من البحبوحة الاقتصادية ومن تمتلك مكيف تبريد مياه، فحالتها متوسطة ومن لديه مروحة فقط، فمستواه الاقتصادي متدنٍ ومن لا يملك شيئاً فهو والأموات سواء. علماً أن فاتورة الكهرباء تحصد نصف مداخيل الأسر، غير المصاريف الأخرى.
أسر فقيرة
الكثير من الأطفال لا تمتلك أسرهم الفقيرة مالاً كافياً ليشبع بطون أفرادها، فكيف بها تغطية نفقات فواتير الكهرباء إذا كان الحديث هنا عن مكيفات كهربائية تتوزع على غرف البيت.

