هي جلسة بلون سياسي حالك، وصفعات أشعار "الجخ" الجارحة، مزيج من البسمة والسخرية مع سحائب دخان الأرجيلة ورائحة الشاي ذكي النهكة والمذاق.. هكذا كان لقاء السهرة على سفرة شاعر العامية المصري الثائر هشام الجخ صاحب الجماهيرية الكبيرة بين الشباب المصري والعربي في سحور في أمسية من ليالي الشهرالفضيل.
وعلى الرغم من امتداد الجلسة ،التي ضمت العديد من الساهرين ومنتظري موعد السحور، استطاع "الجخ" كعادته أن يضفي هالته وحضوره على السهرة، وأن يخطف الأضواء حتى من مائدة السحور العامرة التي أغدق فيها فحوت ما لذ وطاب من أكل وشراب . وكان من بين الجلوس شباب من الشعراء المبتدئين يستمعون بإصغاء شديد ،وترقب لشاعر جعلوه مثلًا ويريدون أن يتلمسوا خطاه نحو عالم الشهرة والنجومية ،ولينهلوا من خبراته وتجاربه الشعرية وربما الحياتية، فأخذوا يتبادلون أطراف الحديث في سلاسة، على الرغم من أنهم جميعا ربما يحملون رؤى وتوجهات مختلفة حول القضايا المثارة خلال السهرة.
أفكار ثائرة
يقول الجخ حين سأله أحد الساهرين في الجلسة عن بداياته ونشأته وكيف أثرت في تكوين إبداعاته ودوافعه الشعرية نحو اختياره لأفكاره الثائرة: لا أحب التحدث كثيرًا عن نفسي، لكم أن تعرفوني عندما تتعاملون معي، فأنا أرى أن الحديث عن النفس فيه بعض جوانب الإطراء الذاتي غير المبرر.
أما وإنكم تصرون على ذلك، فلقد ولدت بمحافظة سوهاج في صعيد مصر، والتحقت بكلية التجارة جامعة أسيوط، واستكملت تعليمي في جامعة عين شمس، وعُيِّنتُ مشرفًا على المركز الثقافي بها، ثم تقدمت باستقالتي؛ لأني لم أستطع التأقلم مع مفهوم ومتطلبات الموظف؛ فأنا أكره الوظيفة، ولا أصلح أن أكون موظفًا من الأصل، لأن كل طموحاتي أن أصبح شاعرًا فاعلًا مؤثرًا وأترك أثرا في وجدان الوطن، وأن أشارك بشعري في نهضته، وأن يتذكرني الناس في حياتي وحتى بعد مماتي.
وتابع فالشاعر والمثقف هما ترمومتر الحياة الاجتماعية بكل تفاصيلها، والميزان الذي تتحدد من خلاله زاوية العدسة التي يرى منها المواطن العادي حقائق وأحداث وهموم وأفراح بلاده، يقف من خلالها على المعيار الحقيقي غير المزيف لما يتلقفه من خدمات، وما ينقصه من مقومات تعينه على الإحساس بآدميته ووطنيته، الشاعر هو علاقة الشخص بمحبوبته، ببلاده، بأوطانه، بعروبته، بكل مشتملات حياته.
أصل العرب
ويزيد الجخ موجهًا كلمته للأجيال الشابة بأن الشعر بوجه عام هو "أصل العرب" وهو محور براعتهم وتفوقهم على غيرهم من الأمم من خلال اللغة وما تحملها من بلاغة ومجازات وجمل وتراكيب تعبر عن أعماق النفس البشرية بالشكل الذي تعجز عنه لغات الأمم الأخرى أن تعبر عن نفس المعاني بنفس القيمة، وليس أدل من أن لغة القرآن الكريم جاءت لتتحدى براعتهم بمعجزة لغوية يتأكدون من خلالها أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون إبداعًا ونظمًا وحكيًا وسردًا من قبل بشر، وهو أمر جلل، إنما يدل على أن الشعر العربي بكل مشتملاته وتنويعاته سيظل متأصلًا في وجدان الشعوب العربية، يحدد هويتها ويحجِّم كل ما من شأنه أن يريد غزوها وطمس هويتها.
كما وجه الجخ رسالته إلى شباب الشعراء بضرورة تحديد زوايا أهدافهم من الكتابة وتطلعاتهم لقضاياهم، وتصوراتهم بشأن ما يريدون الوصول إليه، واستخدام الشعر للتعبير عن الحرية والتحرر من قيود السلطة ومكبلاتها لدحض كل محاولات تكميم الأفواه وتبصير الناس بحقائق أمورهم ومد يد العون لهم في ثوراتهم ونضالهم، كما ناشدهم بالتوحد مع مفاهيم القومية العربية الأصيلة التي تجعل من وحدة العالم العربي هدف ومستهدف.
دور الشعر في المجتمع
الشاعر ماهر أبو المعاطي دفة الحديث متطرقا إلى مسألة مهمة وهي تحمل سؤالا له دلالته عن هل هناك أسباب محددة تعمل على تراجع دور الشعر في المجتمع بصفة عامة ومقارنتها بذي قبل، قائلًا: إن مكانة الشعر والشعراء تختلف من عصر إلى آخر، وأن هناك العديد من العوامل التي أدت إلى ذلك أبرزها التطورات التكنولوجية المتسارعة، حيث نما معها المزيد من الاهتمام بماهية الشعر الغنائي على حساب شعر القصيدة. وحملت السهرة بعض أهم ملامح الإجابات على ما طرحه الشباب من تساؤلات ونقاشات مع الجخ وأبو المعاطي، والتي ربما عبرَّت الكثير من الصور التي تمثل حالة التواصل المتعمدة بين جيل من الشعراء اقترب كثيرًا من مرحلة النضج الإبداعي والشعري بكل تجاربه وخبراته. إطراء ذاتي
لا أحب التحدث كثيرًا عن نفسي، أعرفوني عندما تتعاملون معي، فالحديث عن النفس فيه بعض جوانب الإطراء الذاتي غير المبرر


