جاء في الكتاب الكريم قوله تعالى: «وأمر أهلك بالصلاة» (سورة طه/ آية 13)، و«ما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون» (سورة الذاريات/ آية 56).. كيف يكون الأمر في الآية الأولى وهل يأتي بالنتائج المرجوّة من الصلاة، وما هي هذه العبودية التي خلقنا الله تعالى لأجلها؟
بحسب تفسير مفتي مدينة صيدا وأقضيتها (جنوب لبنان) الشيخ سليم سوسان، إن الأمر عندما يُطلق هنا لا يُقصد به الأمر بالمعنى الحرفي للكلمة، بل المراد منه هو كل حركة يقوم بها الإنسان من أجل الوصول إلى هدف جعل الأهل يطيعون الله تعالى ويعبدونه، على اعتبار أن «الصلاة تمثل العنوان البارز للعبادة لله والإخلاص له سبحانه».
ولذلك فإن على الإنسان أن يمارس كل الوسائل في هذا المجال، و«إذا لم ينفع الكلام، فقد نحتاج أن نصل إلى مرحلة الفعل، وذلك إما بواسطة الترغيب أو بواسطة الترهيب وإما بواسطة خلق الأجواء الملائمة، أو من خلال التحذير بالأجواء غير الملائمة، وما الى ذلك من الوسائل الإنسانيّة الطبيعيّة».
ولكون «الكلمة تعني التحرّك في هذا الاتجاه بكل الوسائل الممكنة»، يشير الشيخ سوسان الى أن كل الوسائل التي يحرّكها إنسان تجاه إقناع إنسان آخر بعمل ما أو بقول «لا يفترض فيها أن تكون منتِجة مائة في المائة، على اعتبار أنه مهما كانت عبقريّة هذا الإنسان، ومهما كان إخلاصه للفكرة التي ينطلق فيها، فإن هناك جانباً موضوعياً يحيط بهذا الإنسان الذي نريد هدايته، وطبيعة خصائصه الفكريّة في الإنفعال بالكلمة أو بالحركة أو بالجوّ، مع ملاحظة كل نقاط ضعفه وقوّته في عناصره الإيجابيّة والسلبيّة».
وبحسب تفسيره أيضاً، فإن كلمة «العبادة» تعني غاية الخضوع، أي أن الله تعالى ما أمر الجنّ والإنس إلا ليخضعوا له بكل ما يريد منهم، وأن تكون إرادتهم خاضعة لإرادته، وأن تكون حركتهم خاضعة لأمره ونهيه، وأن تكون كل حياتهم في الدنيا منطلقة من خلال ما أراده الله لهم في تحمّل مسؤولية خلافة الإنسان على الأرض.
وفي ضوء ذلك، يشير المفتي سوسان الى أن العبادة تتّسع لكل ما يتّسع له أمر الله تعالى ونهيه، ولكل ما تتّسع له محبّة الله ورضاه في الحياة، مذكّراً بالأحاديث التي تقول: «العبادة سبعون جزءاً، أفضلها طلب الحلال» و«أفضل العبادة العفاف» و«ما عبد الله بشيء أفضل من عفّة بطن أو فرج».
وبقوله سبحانه حول الحكمة من إرسال الأنبياء وإنزال الكتب: «لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط» (سورة الحديد/ آية 25).
ومن بوّابة إشارته إلى أن القيام بالقسط وتحقيق العدالة في الكون «نوع من العبادة الحركيّة التي يريد الله لعباده أن يتحرّكوا فيها»، يؤكد الشيخ سوسان أن الآية «وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون» لا تعطي المعنى الشعبي المعروف للعبادة، أي أن الله خلق الجنّ والإنس ليصلّوا أو يصوموا، لكون العبادة تتجاوز ذلك، فـكل عمل جاء به الإنسان بقصد رضا الله والقربة إليه يُعتبر عبادة».
