الذاكرة الشعبية عماد نبع مهم من ينابيع التراث الثقافي، فهي بمثابة المصنع للتراث، تتم فيها صناعة أنماط جديدة من التراث وأدبياته، في الحياة العامة تتبع التقاليد بشكل دقيق ونمطي، لكن الخروج على التقاليد لا يدوّن إلا في ثنايا الذاكرة الشعبية.
في هذه الإطلالة سوف نستعرض وإياّكم بعض ما سجلته الذاكرة الشعبية، والذي يعتبره الكثير من الباحثين من هوامش التراث، فهم لا يعدونه في متن التراث إلا فيما ندر. عنواننا هو شعبيات عبر محطات، في كل جانب سنتناول موضوعا مختلفا حول معطيات الذاكرة ومخزوننا منها، في هذه المساحة تتنوع الموضوعات، وتتوالى اسماء الشخصيات.
موضوع اليوم عن المهن القديمة، حيث إن الصناعات التقليدية والحرف جزء مهم من الثقافة المادية، حيث تعتمد على عناصر أساسية ثلاثة.. هي (الإنسان، والمواد الأولية، والحاجة) وقد ظهرت طبقة من الحرفيين في كل مناطق الخليج واكتسبت الخبرة اللازمة، وقامت بتدريب أجيالها لتعليمهم هذه الحرف، وأنتجت ما يطلبه المجتمع، وسوقت إنتاجها إلى أبعد من مناطقها.
وأكدت أبحاث المؤرخين وعلماء الآثار والدراسات الذين قاموا بها في منطقة الخليج، أنها كانت منطقة مزدهرة. وقد تعاقبت عليها حضارات مختلفة، وقد عرفت هذه المجتمعات حالة الاستقرار بما فيها من رعي وزراعة وصناعة، واعتماد الإنسان على نفسه وبيئته في عيشته وعيشة جماعاته. مما يؤكد أن الإنسان وفر حاجاته الأساسية وصنع وصدَّر منتجاته إلى مناطق مجاورة وبعيدة.
ولعل السؤال هنا له شرعية وقبول وهو.. لماذا لم تستمر هذه العملية الانتاجية بالوتيرة والتطور نفسيهما حتى الوقت الحالي؟! مع إدراكنا لعملية التطور المختلفة التي شملت جوانب ومجالات الحياة بكل عناصرها، مع الانفتاح على مجتمعات صناعية تعتمد على أجهزة وتقنية حديثة.
جسر زمني
ولو انتقلنا بالزمن سريعا وحتى بدء الفترة الاسلامية الأولى فسوف نلاحظ أن الكثير من الأقاليم والمدن في الخليج كانت تصنّع وتصدّر، فمن صناعات النسيج عرفت قطر بالأردية القطرية.
واشتهرت البحرين وشرق السعودية بصناعة الملاحف والفوط، والأحذية والبرود المصنوعة من الوبر وصوف الأغنام. واشتهرت الظهران بصنع الثياب المعروفة بـ(الظهرانية)، وفي عمان نسجت الأزرة والأثواب والقمصان (الصحارية)، واشتهرت نزوى بالثياب المنمقة المزجاة بالحرير، كما عرفت عمان بشكل عام بالصناعات القطنية.
صناعات مختلفة
أما في فترة ما قبل (حوالي 40 ـ 50 سنة) وهي الفترة الاسلامية المتأخرة، فقد استمرت عملية الانتاج والتصدير من هذه الدول فعرف الكثير من الصناعات في جميع دول الخليج. فمن الصناعات في مجال الذهب والفضة والدباغة، و.. من سعف النخيل والسدو، والنسيج والمأكولات المختلفة، المعتمدة على مواد البيئة الطبيعية، ولهذا ظهرت طبقة الحرفيين الذين ما زال بعض منها باقياً على قيد الحياة إلا أنهم قد تقدم بهم العمر.
إنتاج وتسويق
كل ذلك الثراء والتنوع في التصنيع والانتاج والاعتماد على النفس يجعلنا اليوم نتباكى على تراثنا، ونأسف على ضياعه، ونحاول أن نجمعه بل ونشتريه بأثمان باهظة من أوطاننا ومن الخارج. إننا نجمع عينات متحفية للحفاظ على نماذج لحرف وصناعات تقليدية اندثرت، أو في طريقها إلى الاندثار.
ولعل هناك العديد من الدعوات والجهود والتوجهات اليوم لنخطو نحو العمل على إعادة بعث هذه الصناعات وتطويرها والاستفادة منها وإقناع مواطنينا أولا باستعمالها. صحيح أن بعضها لا يصلح إلا أن يكون تحفة في معرض أو في منزل أو مكتب، ولكن هناك بعضا منها صالح للإنتاج والتسويق.
حرف الماضي
ظهرت طبقة من الحرفيين في دول الخليج في الماضي، وكانت مهمتها تلبية حاجات المجتمع من الحرف والصناعات، وسافرت هذه الطبقة من بلد إلى آخر للعمل في الصناعة والتسويق ومنهم النساجون والقلافون والصاغة، واشتهرت مناطق كعمان والبحرين وشرق وجنوب السعودية ومناطق أخرى فيها بالصناعات التقليدية.
كما اشتهرت بعض الإمارات مثل الشارقة ورأس الخيمة والمنطقة الشرقية من الإمارات بعدد من الحرفيين لسد حاجة المجتمع لبعض المنتجات، وقد ساعدها على ذلك وجود المواد الأولية من البيئة ووفرة الأيدي العاملة المدربة المتوارثة للمهنة والسوق لتصرف تلك المنتجات.
تنوع
هناك صناعات تعتمد على المواد الأولية للنخيل ومنها الحصر والسلال والجريد (الدعون) والحبال والجذوع أو (اليدوع). أما الانسجة القطنية والسدو (الوبر) والتلي فمصدرها جلود الاغنام والجمال. كما عرفت الصياغة للذهب والفضة، وصناعات النحاس والمعدن (الالمونيوم).
وعرفت الدباغة والجلود، والجلافة وصناعة السفن، والنجارة وصناعة الابواب والشبابيك وغيرها. وصنعت المأكولات الغذائية بأنواعها (المعتمدة على مصادر البر والبحر)، وعلى رأسها التمور والدبس، والأسماك المملحة والمجففة. ك
ما عرفت الحدادة، وفن العمارة والبناء وزخارفهما. كما امتهنوا الغوص وما يتصل به، وصيد السمك وما يتصل به، إضافة إلى صناعة الفخار، والعطور والبخور. كما اعتمدوا على الخياطة وتطريز الأزياء النسائية. وقد ظهر من الحرفيين: النساجون والخياطون والصاغة والدباغون والجلافون والنجارون والحدادون والبناؤون والغواصون وصيادو السمك والبحارة، وكانت هذه الحرف تتوارث أباً عن جد.
واقع الحرف التقليدية
لقد اضمحلت جميع الحرف والصناعات تقريبا أو في طريقها إلى الاضمحلال فقد تركها الحرفيون إلى أعمال أخرى، أو هجرت بتقدم عمر أصحابها، أو رحلوا إلى الدار الآخرة. علما أن بعض تلك الصناعات لا يزال مستمرا وهي ذات مردود اقتصادي لأصحابها ولو كان قليلا، ففي الإمارات لا تزال صناعة السفن أو اللنشات، وصناعة القراقير، وسلال السمك، وصناعة البشوت التقليدية، ومنتجات النخيل، والأواني الفخارية.

