الذاكرة الشعبية عماد نبع مهم من ينابيع التراث الثقافي، فهي بمثابة المصنع للتراث، تتم فيها صناعة أنماط جديدة من التراث وأدبياته، في الحياة العامة تتبع التقاليد بشكل دقيق ونمطي، لكن الخروج على التقاليد لا يدوّن إلا في ثنايا الذاكرة الشعبية.
في هذه الإطلالة سوف نستعرض وإياّكم بعض ما سجلته الذاكرة الشعبية، والذي يعتبره الكثير من الباحثين من هوامش التراث، فهم لا يعدونه في متن التراث إلا فيما ندر.
عنواننا هو شعبيات عبر محطات، في كل جانب سنتناول موضوعا مختلفا حول معطيات الذاكرة ومخزوننا منها، في هذه المساحة تتنوع الموضوعات، وتتوالى اسماء الشخصيات التي تستعرضها.
للألعاب الشعبية في الإمارات العديد من الفوائد أهمها تعويد الصبي أو البنت الاعتماد على النفس، وحب المعرفة، وتعوده على الحماس والحركة، وتنمي قدراته البدنية، وتساعده على التفكير السريع والابتكار مع تنشيط الذاكرة، كما تغرس المعاني الحميدة لدى النشء وتعودهم على الصبر والمثابرة، وهي علاج نفسي، كما أنها تنمي روح الفريق والجماعة بين الصبيان والبنات.
يمكن تصنيف الألعاب في الإمارات حسب الجنس إلى ألعاب ذكور وألعاب إناث، ويمكن تصنيفها حسب البيئة إلى ألعاب الساحل وألعاب الريف وألعاب البدو، وألعاب سكان الجبل. كما يمكن أن تصنف الألعاب حسب العمر إلى ألعاب الأطفال وألعاب الصبيان وألعاب الفتيات وألعاب الرجال.
ويمكن تصنيف الألعاب الشعبية حسب نوع اللعبة وطريقة أدائها إلى ألعاب فردية وألعاب جماعية، وألعاب حركية وذهنية ومنطقية أو كلامية، وألعاب هزجية أو غنائية. وهناك العشرات من الألعاب الشعبية في الإمارات والتي كانت متداولة قبل ظهور النفط ومارسها الأولاد والفتيات في الفرجان والأحياء آنذاك، وهنا نذكر بعضاً من ألعاب البنات:
الجحّيف
من ألعاب البنات المحببة وتمارس طوال السنة، إذ تحضر الفتيات (جحف) أي قحف من الفخار دائري الشكل ويخططن في الأرض مربعات حسب الشكل المحدد، وعند اللعب تتنافس الفتيات بأن تلقي إحداهن بالجحف في المربع الأول ثم تتحرك على قدم واحدة بالقفز، وتحرك الجحف بأصابع قدمها اليمنى من وإلى نقطة البداية، فإذا تمكنت من إيصاله إلى نقطة البداية عند المربع المستطيل، تكون حققت نقطة ويحق لها الاستمرار.
فتخرج وتبدأ من جديد بأن ترمي الجحف في المستطيل الثاني وهكذا. ولهذه اللعبة شروط فإذا وضعت اللاعبة قدمها اليمنى في المربع تخرج من اللعب، أما إذا استطاعت إحدى اللاعبات اجتياز المربع الاول والثاني والثالث فإنها تستطيع ان تحقق الفوز، لأن باقي اللاعبات لا يستطعن القفز على ثلاث مربعات لدفع الجحف.
المحاماة
هي من ألعاب البنات وقد تصاحبها أناشيد وأهازيج ترددها اللاعبات، وعند اللعب تجلس ثلاث لاعبات أو أربع (جب الركب) أي على ركبهن، ويتحركن بالزحف على الساق وهي مثنية تلامس التراب، على ان تكون اليدان موضوعتين على الفخذين، ومن تجتاز المساحة حتى الخط النهائي عدة مرات فإنها تكون فائزة على رفيقاتها.
خوصة بوصة
من الألعاب التي تصاحبها الأهازيج إذ تتجمع اللاعبات على شكل دائرة وتجلس لاعبة واحدة في الوسط على أن تكون هذه اللاعبة أكبرهن سنا، وتقوم بترديد الأهازيج وأثناء اللعب تنشد الأناشيد وتحرك إصبعها (السبابة) على ركبة كل فتاة من اللاعبات وتقول عند بدء اللعب :
خـوصــة بـوصــة يا النبوصــــة/ كــلاج الـــدود مـــن حـنـــــدود/ لــيــن عقـــارب لـــيــن الســود/ مرينا، على صبي غاوي، قماري، يسنــد علــى ضـــو القمـــر/ موزة موزة عطينـــا جــدركــم/ بنلاقــي به عبدالله بن سلطــان/ لادغتنه عقربـــيـة شقــــربيـــــــة/ دوسة خيل والا مطية.
ثم تقول خيل ولد سلطان أو هب، ومن تقع عليها الكلمة أثناء تمرير إصبعها (السبابة) على ركبة كل لاعبة فإن هذه الفتاة إما أن تختار أن (تُقرص) أو تكنس الرمل أو تخرج من اللعب. فإذا اختارت أن تُقرص تقوم اللاعبة الأولى بقرصها بشدة، وتكابر الثانية في التحمل فإذا قالت (مطية)، تخرج أما إن كابرت وقالت (خيل) تستمر باحتمال القرص فترة، وهكذا تستكمل اللعبة، وهي تعتمد على المقدرة على التحمل.
الحِيَا
ولعلها أهم ألعاب الفتيات فهي لعبة العرائس أو(الحِيَا) أي الدمى، وهي أن تصنع البنات دمى بأشكال مختلفة من قوارير الزجاج الفارغة من المشروبات، أو القطن أو القماش من مخلفات الخياطة، وتشكل العرائس بطرق معينة وتتجمع البنات في مكان ما ليلعبن هذه اللعبة المسلية في بيت من الكراتين أي الصناديق الكرتونية حيث تحفظ العرائس عند نهاية اللعبة في الكرتون.
لكن الحِيَا عبارة عن تصور متكامل عن البيت ومعناه ومحتوياته وعناصره التي تكوّن الحياة. (العروس) وكان يطلق عليها (الصورة) وهي الدمية وتحمل اسما بشريا، حيث تتفنن الفتاة بأن تحيك لها ثيابا من مخلفات الخياطة وتجعلها ابنتها، تحملها معها أينما ذهبت.
وتحتفظ بها بجانبها في الفراش. كان مصدر الدمى الأساس الباعة الجوالون بعرباتهم المكشوفة الزاهية بأشكال والوان وأنوع الالعاب التقليدية، وأما المصدر الثاني فهم العائدون من السفر فتكون الدمية افضل واثمن (صوغة) تجلب للبنات. و(الصورة) كانت من أهم مكونات الحِيَا.
كانت الفتيات تتبارين بما يحويه صندوق كل منهن (الحيا) حيث يبدأ بدمية واحدة، تهتم الفتاة بنظافتها وتأمين ملابسها. ويتزايد بعد ذلك محتوى الصندوق، الذي يعتبر بعد ذلك بيتا، حيث يبدأ بتشكيل نموذج لأسرة وأفرادها، فيضم الأم والأب والأبناء إناثا وذكورا وبعض الحيوانات كالقطط والكلاب والأغنام، إضافة إلى الأواني ومعدات الطبخ، والأثاث والأسرّة والوسائد وغير ذلك من أدوات ومكونات البيت المفترض، وهو بذلك سُمّيَ (الحِيَا).
تجتمع الفتيات في الفريج للعب وكل منهن تحضر حِياها. وأيضا حين تصطحب الامهات بناتهن لزيارة الجيران والاقرباء، وتنشغل الأم بتبادل الأخبار مع النساء، تنشغل الابنة باللهو مع ابنة الجيران بالحِيَا، وكلما كان الحيا أكبر، ومشتملا على أكثر عناصر ومكونات البيت؛ كان ذلك دليل أهمية صاحبته، فتكون مركز الاجتماع حيث تجلب كل منهن حياها. حين يكتمل الحيا، يصبح اللعب محاكاة للواقع، فتسرد الدمى على ألسنة الفتيات الأخبار والمواقف والمشاعر، تماما كما تفعل النساء حين يجتمعن.
شروط اللعب ملزمة
للألعاب الشعبية مواعيد وأوقات تمارس فيها، فهي تفقد بعض ميزاتها إذا لعبت في أوقات غير أوقاتها، وللألعاب شروط وقوانين ونظم يلتزم بها اللاعبون، وذلك يجعلهم جادين في أداء اللعب بالتزام تام بقوانينها وأنظمتها.
والألعاب الشعبية في دولة الإمارات تتنوع مع تنوع البيئات، إذ إن لكل بيئة وفريق ألعابهم الخاصة، وتمارس الألعاب بأدوات مأخوذة من البيئة يبتكرها أو يصنعها اللاعبون.

