عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ) ثُمَّ قَرَأَ (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ. سورة غافر الآية 60).
وليسَ أفضلَ عندَ اللهِ سبحانَهُ مِنَ الدعاءِ كمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي:( لَيْسَ شَيءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ). فهل تأملت أخي الصائم هذه المعاني السامية؟!هلّا اهتبلت الفرصة ـ أي اغتنمتها ـ في أوقات الإجابة لتسعد في الدارين! واعلم عزيزي أن تارك الدعاء إما جاهل أو مستكبر، وأعيذك بالله أن تكون ـ أخي ـ الثاني! والحقيقة أن كثيرا منا فرّط في سلاح ماض ومنقذ قاض، ألا وهو.. الدعاء، وهو القائل عز وجل (ليس لها من دون الله كاشفة). وفي هذه الأيام المباركات لابد لنا من العودة لهذا السلاح والتفقه في استخدامه واستغلالها.
لطيفة تفسيرية
وإليك لطيفة تفسيرية ما تنبّه لها إلا القليل، ألا وهي قول الله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. سورة البقرة الآية 186) لماذا أتت هذه الآية البديعة بين آيات الصيام قبلها وبعدها؟ لماذا قرن الله بين الصيام والدعاء في هذا السياق؟
إليك الإجابة من العلَم التفسيريّ ابن كثير قال رحمه الله : (وَفِي ذِكْرِهِ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ الْبَاعِثَةَ عَلَى الدُّعَاءِ، مُتَخَلِّلَةً بَيْنَ أَحْكَامِ الصِّيَامِ، إِرْشَادٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ إِكْمَالِ العِدّة، بَلْ وعندَ كُلِّ فِطْرٍ) انتهى كلامه رحمه الله، بتصرف.
مَن منا لا يريد الجنة؟
قال صلى الله عليه وسلم : ( ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ)، وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: (وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ). فمَن منا لا حاجة له عند الله عز وجل؟ ومَن منا لا يريد أن يغفر الله له ويستره في الدنيا والآخرة؟ ومَن منا لا يريد الجنة؟
أناس شغلوا قلوبهم بتحضير الطعام والملذات وأناس شغلوا قلوبهم بمناجاة رب الأرض والسموات! أناس ضاع ليلهم بين اللهو والتسوّق، وأناس قطعوا ليلهم عبادة ولسان حالهم أنا لجنة ربي متشّوق! هل يستويان مثلا؟ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون.
فأقبل أخي الصائم على ربك وانشغل بالدعاء وأحسن الظن بربك الكريم الرحمن.
الشرف المعطّر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي)، هلا استشعرت معية الله؟ وأنت تدعو أنت في حضرة ملك الملوك، فالله أكبر والله أكبر هذا هو الشرف المعطّر.
إذا عرضت لي في زمانيَ حاجةٌ/ وقد أشكلت فيها عليَّ المقاصدُ
وقفت بباب الله وقفةَ ضارعٍ/ وقلت: إلهي إنني لك قاصدُ
ولست تراني واقفاً عند باب مَنْ/ يقول فتاهُ: سيديْ اليومَ راقدُ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلّا البِرُّ).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ)، فيا مَن وقفت بأبواب الفقراء من أهل الدنيا ترجو منهم قضاء مسألتك، بربك هل لذت ولجأت إلى ربك؟ أنزل حاجتك بالله رحمن السموات والأرض ورحيمهما وانظر كيف ستسير الأمور؟
وإني لأدعو اللهَ والأمرُ ضيّقٌ/ عليَّ فما ينفكُ أن يتفرّجَ/ وربَّ فتىً ضاقتْ عليه وجوهُهُ/ أصاب له في دعوة الله مَخْرَجا.
خاتمة القول
ولنا بإذنه تعالى ـ إن أمد في أعمارنا ـ مع آداب الدعاء وقفات في حلقات تاليات، والله المقصد والجنة الموعد وصلى الله على نبينا محمد.
