يعد تأسيس مطبوعة صحافية خاصة، واحدة من أكثر المغامرات خطورة، فالمنافسة قد غدت شرسة ضارية، والمتلقي لم يعد يحصل على المعلومة، من الصحف والإذاعات والتلفزيونات فحسب، فقد دخلت التكنولوجيا الساحة، وأصبحت لاعباً مهما، وبواسطتها غدت شبكة الإنترنت، مصدراً رئيسياً للأخبار، وحتى الهاتف المحمول قد أصبح وحدة إرسال واستقبال مصغرة، يستطيع المستخدم أن يتلقى عليها، الرسائل النصية طيلة اليوم، وأيضاً يرسل الصور والمشاهد ومقاطع الفيديو والأخبار.
وخلال السنوات القليلة الماضية، أصبحت ساحة الصحافة الإماراتية، تزدحم بالمجلات والدوريات، ولبعضها ميزانيات ضخمة، وكوادر مدربة مؤهلة، وشبكات توزيع وإعلانات تمتد في كل مكان.. فترى كيف أضمن البقاء في هذه الساحة؟
هذه الأفكار دارت في رأس ابراهيم الذهلي، رئيس تحرير ومؤسس مجلة أسفار المتخصصة في شؤون السفر والسياحة، حينما شرع في استصدار ترخيص مجلته قبل أحد عشر عاماً.
كانت المخاطر محدقة وجسيمة، ففشل المشروع لا يعني انتهاء حلم طالما راوده، وعاش في أعماقه، منذ كان طالباً يدرس الإعلام والسياسة في جامعة الإمارات، وإنما كان يعني خسارة كل مدخراته، وربما تكبيله بديون لا طاقة له بها.
وعلى هذا الأساس، فإن وصفة النجاح يجب أن تنطلق من أن تسد المطبوعة الجديدة، فراغاً ما في السوق، وتتخصص في خدمة صحافية، لا تقدمها كافة المجلات والصحف.
عندئذٍ قرر ابراهيم الذهلي، أن يصدر مطبوعة تهتم فقط بشؤون السياحة، ولدى توجهه لاستخراج الترخيص، كانت عيون موظفي وزارة الإعلام آنذاك، تنظر إليه في تعجب... فأبوظبي لم تكن قد بدأت الاهتمام بالسياحة، وعدد الفنادق فيها كان محدوداً للغاية، ووكالات السياحة تعد على أصابع اليد الواحدة... فمن أين واتته الفكرة، ولماذا السياحة والسفر تحديداً؟
يقول الذهلي: كنت مؤمناً بأن أبوظبي ستخطو خطوات واسعة في مجال الاستثمارات السياحية، وكنت أعتقد بأن المستقبل القريب سيحمل في طياته الكثير من التطور في هذا القطاع، والحق أنني كنت أغامر مغامرة خطيرة، لكنها محسوبة بدقة.
خيارات مختلفة
ويتابع: فكرت كثيراً قبل أستقر على قرار تأسيس أسفار، في البداية كان خياري أن أطلق مجلة رياضية، غير أنني تراجعت بعد فترة، في ضوء أسباب منطقية، منها: إن صحفنا اليومية تحتوي على ملاحق رياضية يومية، لا تكاد تترك شاردة أو واردة، فضلاً عن أن تجربة المجلات الرياضية ليس في الدولة فقط، وإنما في الخليج العربي بأسره غير مشجعة.
وفكرت في الصحافة السياسية، غير أني تراجعت لأن التعاقد مع كتاب مرموقين كان فوق قدراتي المالية المحدودة آنذاك، هذا فضلاً عن أن نسبة كبيرة من المتلقين أصبحوا يميلون إلى القنوات الإخبارية، أما الصحافة النسائية فقد كانت بعيدة عن تفكيري، لأن السوق يمتلئ بالدوريات المتخصصة والتي رسخت جماهيرتها على مدى سنوات طويلة.
ويضيف: كنت أتابع الصحافة الغربية، ومن خلال متابعتي لها، وجدت أنها تتسم بالتخصص، فهناك مجلات تتخصص في أخبار الحاسبات الآلية وتقدم كل ما هو جديد بشأنها، ومجلات تهتم بالدرجات النارية، وأخرى بالأجهزة الصحية، وبالديكور والغذاء الصحي وما إلى ذلك من موضوعات تبدو بالغة التخصص، خلافاً للدوريات العربية التي لا تركز على موضوع محدد، فقررت أن أركز فقط على موضوع السفر والسياحة.
ويتابع: بعد صدور المجلة بوقت قصير، بدأت إمارة أبوظبي تخطو على درب الاستثمار السياحي، وبدأت المجلة تتحول إلى مشارك فعال في دعم هذه الخطوات، وقد كتبت أنا شخصياً للمطالبة بتأسيس هيئة تعنى بالسياحة في الإمارة، ودعوت إلى تعزيز سياحة المؤتمرات والمعارض، وإلى الاهتمام بالجزر حول مدينة أبوظبي، ورويداً رويداً بدأت هذه الأحلام تتحقق على أرض الواقع.
ويقول: لكي أكون منصفاً يجب أن أؤكد أن النجاح الذي حققته أسفار يعود إلى حد كبير إلى احتضان المؤسسات المعنية بالعمل السياحي على أرض الدولة لها، وأخص بالذكر دائرة السياحة في دبي، وهيئة أبوظبي للسياحة، فالمسؤولون فيهما نظروا إلى المجلة باعتبارها مجهودا ذاتياَ لشاب مواطن طموح، يريد أن يؤدي دوره في مجال خدمة وطنه، موضحاً أن المجلة طالبت بالكثير من القرارات.
ومنها تأسيس هيئة اتحادية تهتم بالاستثمارات السياحية، بحيث تنضوي كل الجهود المحلية تحت مظلتها، وحالياً تخوض المجلة معركة مهمة، ألا وهي تأهيل وتدريب الكوادر المواطنة، للعمل في هذا المجال الحيوي والمهم.
خوض الغمار
ويضيف: يبلغ عدد العاملين في أنشطة لها علاقة بالسياحة، ما لا يقل عن مائة ألف، ومازال هذا القطاع محرماً على المواطنين، وتوجد نسبة كبيرة من أبناء الدولة، ترفض خوض هذا المجال، لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد، ولكن ما من شك أن نهوض قطاع السياحة لن يتحقق بالصورة المنشودة، ما لم يخض المواطنون الغمار، إذ ليس مقبولاً ولا مقنعاً أن يكون المرشد السياحي الذي يرشد الغرباء عن معالم وآثار الدولة غريبا هو الآخر، موضحاً أن تدريس الإرشاد السياحي بشكل مبسط في المرحلة الثانوية، قد يكون من الوسائل التي تساهم في نشر الثقافة والوعي بأهمية توطين هذا القطاع.
ويجب أن تقوم الدولة بافتتاح معاهد عليا لتدريس الفندقة والسياحة، بحيث تخرج كوادر تتولى كافة الوظائف المتعلقة بالسياحة، فهكذا فقط نكون قد وضعنا أرجلنا على الدرب الصحيح.
ويرى الذهلي أن الدولة بصفة عامة، وإمارة أبوظبي على وجه الخصوص مقبلة على قفزات سياحية هائلة، موضحاً أن اطلاق مشروع عالم فيراري في أبوظبي، سيدفع الحركة السياحية دفعات مهمة، مما يستدعي أن تتواكب هذه الطفرة مع تأهيل الكادر المواطن الكفء والمدرب.
ويقول: قد يكون من المقبول أن نستعين بوافدين للعمل في الفنادق مثلاً، ولكني لا يمكن أن أتقبل فكرة أن يعمل وافد مرشداً في متحف، أو يعمل موظف استقبال في مطار، فهذه وظائف يجب أن يضطلع بها المواطن، ولا أحد سواه.
وينتقل الذهلي إلى الحديث عما يصفه بانخفاض الثقافة السياحية لدى السائح الخليجي قائلاً: معظم السائحين الخليجيين لا يخططون لقرار السفر، فهم يسافرون فجأة من دون جدول محدد للرحلة، وبعضهم يشد الرحال إلى الوجهات السياحية المتعارف عليها، من دون أن ينهوا إجراءات الحجر في الفنادق، ومن ثم يصطدمون بعقبات كبيرة، وهناك من يرتكبون سلوكيات خاطئة، فيبددون الأجازة في النوم نهاراً والسهر ليلاً، وبعضهم لا يركز إلا على التسوق، على الرغم من أن أسواقنا تعد أفضل وجهة عالمية لمحبي سياحة التسوق.
سفير للوطن
ويقول: إن المواطن حينما يكون خارج الدولة، فإنه يعد سفيراً لوطنه، ومن ثم لابد من أن يتحرى الصواب فيما يفعل ويقول، لأننا تحت المجهر في كل الأوقات، ولعلنا نذكر الضجة التي افتعلتها الصحافة العالمية على خبر المخالفات المرورية التي حررت ضد مواطن في العاصمة البريطانية، مشيراً إلى أن سائحاً يابانياً أنفق أربعة ملايين استرليني من أجل التسوق، ولم تهتم الصحف البريطانية إلا بنشر خبر مقتضب.
واهتمت أسفار منذ صدورها على ترسيخ الأفكار الصحيحة بشأن السياحة، ففي الأسفار سبع فوائد، ففي السفر يتثقف الإنسان ويتعلم ويتعرف على الحضارات المختلفة، ويتفكر في بديع صنع الله عز وجل، وليس منطقياً اختزال هذه الفوائد في التسوق أو السهرات.
ويقول: من المفارقات الغريبة، أن بعض المواطنين يسافرون سنوياً إلى ذات الوجهة، وهم يمارسون نفس سلوكياتهم في البلد الذي يزورونه، إلى درجة أنهم يملأون حقائبهم بالمواد الغذائية التي اعتادوا عليها، مشيراً إلى السياحة الحقيقية، تستدعي أن تتعايش مع الناس وتشاهد فنونهم ومتاحفهم وآثارهم وتذوق طعامهم.
ويقول: إن السفر خارج الدولة يجب أن يكون فرصة لإعادة الدفء إلى الأسرة، وعلى أولياء الأمور أن يهتموا بأن يتعلم أبناؤهم كل ما يمكن أن يتعلموه في السفر، وعليهم أن يصطحبوهم إلى المتاحف والمسارح وما إلى ذلك من مرافق، مشيراً إلى ضرورة تغيير الوجهة السياحية سنوياً لأن زيارة كل بلد تمثل تجربة مستقلة بذاتها.
شبكة السكك الحديدة ضرورة ملحة
يمثل استقلال القطار والتنقل بين المدن والبلدان الاوربية متعة رائعة، بالنسبة لابراهيم الذهلي، فمرور القطار بين الحقول الخضراء والقمم الجبلية الشامخة من أروع المشاهد التي تسحر العين، وتشيع في القلب سكينة.
ويطالب الذهلي بالاهتمام بعمل شبكة قطارات حديثة في الدولة، فهذا مشروع أمني وسياحي وثقافي حضاري وبيئي.
ويقول: إن طبيعة الدولة تتطلب سرعة تنفيذ هذا المشروع، فهناك موظفون ينتمون لإمارات ويعملون في إمارات أخرى، ووجود القطار سيؤدي إلى اختزال الوقت، لأنه بطبيعته أسرع، وسيقلل العوادم الناجمة عن السيارات، وكذلك الازدحام المروري والحوادث، وسيعكس الصورة الحضارية للدولة.
ويتابع: في الدول الغربية والآسيوية، توجد معوقات طبيعية كالجبال والمنخفضات والمرتفعات، وهي معوقات لا توجد عندنا، حيث تتميز أراضينا بأنها منبسطة، ومن ثم يمكن عمل شبكة قطارات على أفضل وأحدث النظم العالمية.
أبوظبي على الطريق الصحيح
بدأت إمارة أبوظبي تنفيذ خطوات مهمة لاستغلال مواردها السياحية، فالاهتمام بالجزر والمحميات الطبيعية قد أصبح أعلى مما كان بكثير، وهناك الرياضات البحرية والرياضة التي تتعلق بالرمال، هذا بالإضافة إلى سياحة المعارض، وقد كان تحديث المطار، والتوسع في إنشاء الفنادق من أهم ما يدعم السياحة.
وبالنسبة للقول بأن المناخ في الدولة لا يساعد على السياحة، فهذه مقولة مردود عليها بأن الدولة تتمتع بمناخ رائع في الشتاء، وفي هذا الوقت، تكون الوجهات السياحية الأشهر في اوربا متجمدة من شدة البرد.
ومع اهتمام أبوظبي بسياحة المحميات الطبيعية والجزر والرياضة البحرية، تهتم دبي بسياحة التسوق، مما يجعل الإمارات واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم، ومن هذا المنطلق يجب أن نهتم أكثر بالتكامل في طرح خدماتنا السياحية على العالم.
جمال عبد الناصر على الرصيف
إلى جانب حبه للسفر، يعشق ابراهيم الذهلي جمع التحف والأشياء النادرة، لذلك يحرص كلما زار بلداً على التوجه إلى أسواقها الشعبية، وهو يقول: لدي في بيتي غرفة خصصتها للتحف التي اشتريتها من شتى بقاع الأرض، وبعضها حصلت عليه من مزادات.
ويقول: أثناء زياراتي لموسكو قبل سنوات، فوجئت بأن باعة الأرصفة يبيعون أوسمة منحها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر للضباط والخبراء العسكريين السوفييت، أثناء مشاركتهم في إعادة بناء الجيش المصري، وقد لجأ هؤلاء إلى بيع مقتنياتهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبعدما أصبحوا يعانون من الفقر وشظف العيش، أو لأن أحفادهم قرروا بيعها لأنها ليست ذات قيمة لهم.
ويضيف: حينما رأيت هذه الاوسمة والميداليات شعرت بالحزن الشديد، وقد كانت تباع بأرخص الأسعار، مما دفعني إلى شراء بعضها، واشتريت أيضاً ساعات قديمة وأجهزة مذياع وغيرها.
