في كرة القدم، يقولون: إن الهداف هو الذي يسجل من أشباه الفرص، وفي الحياة فإن الشخص الناجح هو الذي لا يدع شبه فرصة تفلت من بين يديه، وإنما يتمسك بكل ما يتاح له، ويصر على الوصول إلى مآربه، مهما تكبد من صعوبات وتحمل من متاعب.
متسلحاً بطموحه الكبير، مضى يقطع الماراثون الطويل، في مسيرة صحافية ناجحة، آلى على نفسه ألا يحصد خلالها الميداليات الذهبية فقط، ومنذ أن مارس مهنة البحث عن المتاعب أو الحقائق، حينما كان في نحو السابعة عشرة، وحتى اليوم، لم يفقد شغفه وحماسه ورغبته في النجاح، فلم يكن غريباً، أن يحقق الجوائز المحلية والإقليمية، ويتبوأ أرفع المناصب. وإلى جانب ما حققه على المستوى المهني، يبقى الإسهام الأكبر للإعلامي والرياضي محمد الجوكر، متمثلاً في ما بذله من جهود لتوثيق التراث الرياضي، فضلاً عن مساهماته في مجال العمل الخيري الذي يقول عنه إنه «واحة استظل بها، من هجير الحياة القاسية».
يبدأ الجوكر سرد ذكرياته قائلاً: البداية كانت من مدرسة ثانوية دبي، التي تعتبر مهد الحركة الرياضية في الدولة، وفيها بدأت ممارسة الصحافة واكتشفت موهبتي، ومن ثم بدأت مسيرة ممتدة طويلة.
بدأت مندوباً للأخبار في صحيفة «الوحدة» بدبي والشارقة بمكافأة شهرية 500 درهم ثم ألف درهم في منتصف السبعينيات، وانتقلت في ما بعد إلى جريدة «الاتحاد»، وتم تعيني محرراً في مدينة العين أثناء دراستي الإعلام في الجامعة، وبعد تخرجي انتقلت إلى دبي وتوليت الإشراف على مكتب دبي والإمارات الشمالية، وفي هذه المرحلة بدأت أحصد ثمار حبي للصحافة. وكانت مرحلة جريدة الاتحاد التي بدأت عام 1981، واستمرت لمدة 10 سنوات، من المراحل المهمة، وخلالها هيأت لي الأقدار الاحتكاك برجل لا أنساه هو خالد محمد أحمد، الذي تذوقت معه مذاق النجاح، كما لا يفوتني ذكر الدكتور عبدالله النويس، وكيل وزارة الإعلام الأسبق، الذي كسبت ثقته عندما عينني رئيساً للقسم الرياضي عام 1985.
وقادتني الأقدار في ما بعد للانتقال إلى جريدة «البيان» في فبراير 1990، وتعتبر هذه المحطة من أكبر المحطات في حياتي، حيث ساهمت في إصدار أول صحيفة رياضية يومية منفصلة، ونجحت في استقطاب عشرين كاتباً من أهم الكتاب الإماراتيين، وأشرفت على إصدار عدد من الدوريات، ومن أبرزها الإمارات في مونديال عام 1990 في إيطاليا الذي تم طباعته أكثر من مرة، وما زلت أتشرف بالعمل في «البيان» حتى يومنا هذا، علماً بأنني توليت رئاسة القسم الرياضي 18 عاماً خلفاً لرئيس التحرير الحالي ظاعن شاهين، وفي عام 2004 تركت القسم الرياضي وأصبحت نائباً لرئيس تحرير.
الثورة الصحفية
ويضيف: تأثرت في بداياتي ببعض الصحف التي كانت ترد من مصر والكويت ولبنان، ناهيك عن بعض المجلات التي كانت تأتينا نهاية كل شهر من الدول نفسها من أبرزها مجلة «العربي» التي تصدر في الكويت. وحينما بدأ الاهتمام الرسمي بالصحافة يزداد، وشهدت صحافتنا الوطنية طفرة شاملة، بدأت قدماي ترسخان وتوثقت صلاتي وعلاقاتي مع صانعي القرار الرياضي، وساهمت هذه العلاقات في اقتراح عدد من القرارات المتصلة بالشأن الرياضي، والتي كثيراً ما أخذ المسؤولون بها.
شجن وفراق
ويتوقف عند فراق القسم الرياضي قائلاً: هذه سنة الحياة، غير أن فراق القسم الرياضي قد أثار الشجن في قلبي، فالأمر كان بالنسبة لي أشبه ما يكون بالخروج من البيت الذي ولدت فيه.
ويضيف: أفتخر بأنني أول مواطن يحترف الصحافة الرياضية، وكرست نفسي للبحث عن الخبر في ساحات الملاعب، ولكن «وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم»، وربما كانت نظرة أصحاب القرار مختلفة عن نظرتي الشخصية، وأنا أقف اليوم قائلاً لصاحب القرار: «جزاك الله خيراً»، لأنه فتح لي باباً آخر نحو آفاق إعلامية أوسع، منها العمل مستشاراً للعديد من الهيئات الرياضية التي أقدم لها خبرتي وتجربتي المتواضعة.
ويقول: ومن خلال عملي في الصحافة الرياضية، حصدت جائزتين متتاليتين في عام واحد، الأولى: جائزة الصحافة العربية وكنت أول إماراتي يحصل عليها، عام 2009، وجائزة الدولة التقديرية في عام 2011، وهذا يعتبر في حد ذاته انتصاراً كبيراً لإنسان شق طريقه من الصفر وتكبد العناء في مسيرة ما بين قلم الكتابة وميكروفون التعليق، ولم يهبط «بالبراشوت» أو يجلس على الكرسي، وإنما بدأت من الميدان، حيث نزلت إلى الملاعب بداية السبعينيات، أتنقل من ملعب إلى ملعب ومن تاكسي إلى تاكسي قبل أن أتولى مسؤولية أعلى بعدها.
أما خارج الوطن فقد كانت انطلاقتي الأولى في نهائيات كأس آسيا للأمم لكرة القدم عام 1980 في الكويت كموفد لصحافة الإماراتية، وفيها شهدت التعادل الثاني بين منتخبنا والكويت أيام مجده الذهبي.
الثروة الحقيقية
ويقول الجوكر: لا شك بأن الثروة البشرية «الشباب» هي الثروة الوطنية الحقيقية التي لا تقدر بثمن لأي مجتمع من المجتمعات، ومن خلال تجربتي الطويلة والممتدة أكثر من ثلاثين عاماً، أجزم أن الشاب الإماراتي لديه القدرة ولديه الإمكانيات لأن يحقق أعظم الإنجازات، ويصل إلى أعلى المراتب، وعلينا نحن المخضرمين وأولو الخبرة أن نمد يد العون للشباب حتى يحققوا ما تعلقه عليهم الدولة من آمال. وحول تأخر العرب عن الغرب في البطولات الكبرى، يرى الجوكر أنه يعود لاعتبارات كثيرة من الصعب أن نسردها في أسطر، وما يميزهم في الخارج النظام والدراسة والاحتراف، أما هنا (الوطن العربي) فقد وضعنا مفاهيم مختلفة في ما إذا تمت المقارنة في الرياضة، لأنهم ينتهجون الرياضة كعلم يدرس، أما عندنا فهو عبارة عن تسلية وترفيه.
ضريبة صحافي
وتابع: المواقف التي يمر بها أي شاب طموح يريد أن يحقق رغبته لا يستطيع أن ينساها، والمواقف التي مررت بها سوف تظل راسخة في ذهني حتى لو كانت سيئة أو سلبية لأني تعلمت منها الكثير، والمواقف التي أتحدث عنها لا تخلو من الصعوبات والتحديات، ولكن استطعت بعزيمتي وإصراري أن أتجاوزها، ومن الصعوبات التي واجهتني أيضاً في عام 1980 تعرضي للاعتداء من قبل أحد الفرق الرياضية، وكاد أن يغلق هذا الاعتداء أمام وجهي الصحافة الرياضية، ولكن تجاوزتها بدعم المسؤولين ووقوفهم معي، وأيضاً تحطيم سيارتي أكثر من مرتين من قبل بعض جماهير الأندية ولله الحمد تخطيت هذه المشاكل جميعها بإصرار.
ويمضي في حديثه قائلاً: التعليق الرياضي والصحافة اتجاهان قد يكونان مختلفين، من حيث كونهما فنين إعلاميين لكل منهما شروطه، ولكنهما يرتبطان من حيث أنهما يؤديان وظيفة الإخبار والترفيه لجمهور الرياضة، ومن المواقف التي تعرضت لها من جراء كوني معلقاً وصحافياً، تعرضي لتعصب الجماهير لفريق آخر وهذا هو السبب الذي دفع البعض منهم إلى القيام بردات فعل شنيعة. وأذكر واقعة بين فريقين وخلافاً بين اللاعبين وكنت حينها صحافياً وطلبت من المصور أن يصور هذه الواقعة، ونتيجة رفض اللاعبين التصوير استشاط بعضهم غضباً وحطموا آلة التصوير، بالإضافة إلى محاولتهم لتكسير نظارتي، ولكن ولله الحمد تجاوزنا هذا الموقف بسلام دون إصابات تذكر، لكنها كانت تجربة قاسية، حيث كان معظمهم أصدقائي في المدرسة، وهذه زادتني صلابة والتمسك بمهنة المتاعب.
ميكروفون التعليق
أمسك (الجوكر) ميكروفون التعليق في سن مبكرة جداً، ولم يدفعه إلى ذلك سوى تعلقه بهذه الهواية وحبه الشديد لها، حيث كانت بداياته في عام 1976 وهو في سن السادسة عشرة، واستمر لفترة طويلة.
وقال: خرج صوتي على الهواء مباشرة قبل 31 سنة في لقاء القمة بين النصر والأهلي، أما انطلاقتي الخارجية الأولى تعليقاً خارج الإمارات عام 1980 بين منتخبي الإمارات والجزائر في بطولة العالم العسكرية، بالإضافة إلى دورات كأس الخليج التي لي معها قصص وروايات لا تنتهي، كما علقت في دورات السادسة والسابعة والثامنة والثانية عشرة والثامنة عشرة، ووجدت الرعاية والتقدير في جميع هذه الدورات وحللت ضيفاً عليها وارتبطت بكأس الخليج منذ عام 1972 في الرياض انتهاءً بالدورة الأخيرة في اليمن التي لم أحظ بحضورها، بسبب تصادف تكريمي من الدولة وحصولي على الجائزة التقديرية.
واستطرد قائلاً: توقفت عن التعليق الكروي لفترة ما بسبب انشغالي في العمل، ثم رجعت لعامين وتوقفت كذلك، وعدت في عام 2007 لأعلق على مجموعة من المباريات، ولكن لبعض الظروف الخاصة توقفت عن التعليق الذي أعتبره من أجمل هواياتي، وبكل صراحة أنا أرى أننا كجيل قديم اكتفينا بهذا القدر، وعلى الجيل الحالي والبركة فيهم أن يأخذ فرصته في مجالات الحياة كافة.
وأضاف: لم يكتشف أحد موهبتي في التعليق، وإنما كنت متأثراً ببعض المعلقين العمالقة في الوطن العربي والخليج أمثال: خالد الحربان من الكويت صاحب الصوت الوحيد الذي كان يدخل بيوتنا ونسمعه، والمعلق المصري محمد لطيف، رحمه الله، بالإضافة إلى المعلق الفلسطيني أكرم صالح الموسوعة «الكوكتيل»، الذي لن تنجب الرياضة العربية معلقاً مثله، وهناك معلقون رياضيون إماراتيون على مستوى عال جداً نحن فخورون بهم اليوم.
الصحافة أولاً
السؤال لم يكن صعباً عندما طرحناه على محمد الجوكر، أيهما سيختار التعليق أم الصحافة، حيث أجاب بكل ثقة: لا شك سأختار الصحافة لأنها عشقي الأول، وتعتبر زوجتي الأولى، وارتباطي بها عميق جداً وقد لا يعلم كثيرون بأني أبدأ حياتي من الثامنة صباحاً أقرأ جميع صحف المنطقة، وأتعمق في قراءة بعضها إذا شدتني عناوينها المكتوبة.
إن النجاح لا بد أن تقف أمامه الكثير من العقبات، خاصة وأن الإعلامي الناجح يستقطب الكثير من النقد، ومن اليقين بأن تخطي المحنة والأزمة وامتصاصها يعد مؤشراً حقيقياً على النجاح.
هكذا وصف الإعلامي محمد الجوكر رحلته الصحافية، فقد تجاوز ما تعرض له من عثرات وفترات قاسية.
وقال: إن الإعلامي الناجح يجب أن يظل كالجدار الصامد أمام جميع العقبات والنقد، وعليه توثيق كل ما خط قلمه من مقالات وموضوعات صحافية، لأن قلمه يرصد التاريخ.
على الهامش
مشروع
«التوثيق» رؤية حتى لا نفقد تاريخنا
مشروع وطني تبناه وقدم من خلاله 80 حلقة تلفزيونية، بالإضافة إلى 120 صفحة نشرها عبر جريدة «البيان» خلال سنته الثالثة حالياً، ويستهدف التعريف بالرعيل الأول وهم رجال من الزمن الجميل.
وقال: نحن نعاني من عدم الاهتمام بتاريخنا، وحتى تنجح تجربة التوثيق على مستوى الدولة اقترح تشكيل لجنة وطنية عليا من الجهات المعنية، وأقصد مركز التوثيق الوطني التابع لديوان الرئاسة والهيئة العامة لرعاية الشاب والرياضة، بجانب استحداث قسم أو إدارة تسمى بإدارة الوثائق والبحوث والدراسات، تضم في عضويتها ممثلين عن الهيئات الوطنية المختلفة.
وأوضح أن التوثيق هو الأرشيف الكامل للحياة العامة في الدولة عبر التواصل الإلكتروني مع الهيئات وجمع أوراق وصور، وهي نقطة الانطلاق إلى الحفاظ على تاريخنا المهدَّد بالضياع.
إسهامات
جوكر الإعلام الإماراتي حقاً
هو عضو مجلس الأمناء لجائزة محمد بن راشد للإبداع الرياضي، وعضو لجنة تحكيم جائزة الصحافة العربية عامي 2002 و2010، ونائب رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي، وعضو لجنة جائزة صالح كامل للإبداع الرياضي، وعضو بارز في العديد من المنظمات العربية والإقليمية، والمنسق الإعلامي لوفد الدولة في ثلاث دورات أولمبية وعربية وقارية، شارك في تغطية العشرات من المناسبات والأحداث الشبابية والرياضية محلياً وعربياً وقارياً وعالمياً، له ثمانية إصدارات عن رياضة الإمارات من أبرزها كتاب «الفارس».
والذي يتناول المسيرة الرياضية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي صدر بمناسبة جائزة الإبداع التي تحمل اسم سموه، وهو كاتب عمود يومي يصل ما كتبه تقريباً حتى الآن منذ دخول عالم الصحافة إلى 15 ألف زاوية يومية، وآخر تكريم له يوم 11 أبريل الماضي، كونه أول صحافي مواطن قام بتغطية بطولة كأس صاحب السمو رئيس الدولة لكرة القدم، أما ما يشغل باله حالياً فهو العمل على توثيق ما نشره عن مسيرة الكرة الإماراتية طوال الخمسين سنة الماضية، حيث يستعد حالياً لإصدار موسوعة كروية بجانب إقامة مكتبة توثيقية رياضية هي الأولى من نوعها على مستوى المنطقة.
حرص
المشاركة في الندوات والمحاضرات العلمية
نظراً لخبراته، فقد شارك في إلقاء عشرات المحاضرات في مجال الإعلام الرياضي والشبابي، التي بدأت في مهرجان التلفزيوني السنوي للنادي الأهلي عام 1986، واستمرت معه في مختلف الميادين والأندية والهيئات والمؤسسات الرياضية والتعليمية والإعلامية، فقد شارك في آخر محاضرة له عن رياضة المعاقين في مايو الماضي في المؤتمر الدولي بأبوظبي، بينما كانت آخر محاضرة خارج الوطن في الملتقى الإعلامي العربي في الكويت، بعنوان «تأثير الإعلام الرياضي وتاريخ الصحافة الرياضية في منطقة الخليج» بجانب رؤساء الاتحاد الدولي والعربي والخليجي.
وله العديد من المحاضرات التي القاها في اكثر من مناسبة ويعد الجوكر من اكثر الرياضين حضوراً في الوسط الرياضي الاماراتي والخليجي والعربي .
