وهب حميد إبراهيم عبيد بن بشر مدير جمعية أم القيوين للفنون الشعبية، حياته من أجل قضية التراث وكرس طاقاته لجمع المقتنيات النادرة والثمينة، التي تعبر عن تاريخ مجتمع الإمارات وطبيعة حياة الأجداد.

كما بذل جهودا مضنية لحماية ماضي أم القيوين الجميل، الذي لا يزال يقاوم الإهمال والتجاهل والطبيعة القاسية من أجل البقاء.

علاقته بالجمعية التي يديرها، علاقة حب وارتباطه بها كبير، حتى أنه يصفها بأنها آلة الزمن الفريدة من نوعها، لأنها تعيده إلى عهد الآباء والأجداد بمجرد أن يصل إلى بوابتها، على حد تعبيره.

تولى بن بشر مسؤولية إدارة جمعية أم القيوين للفنون الشعبية قبل عشر سنوات تقريبا وتربطه بها الكثير من الذكريات الرائعة، يتحدث عنها قائلاً: كنت أسأل نفسي دائما عما أستطيع تقديمه لتطوير الجمعية، التي تعد قلب أم القيوين النابض، وتشبيه الجمعية بالقلب، يعد تشبيها صحيحا صادقا، فمثلما يضخ القلب الجسم بالدماء، فإن الجمعية بما تحمله من تراث أصيل تضخ في شرايين الإمارة القدرة على البقاء.

ويقول: ما أعنيه هو أن من ليس له تاريخ لا حاضر له ولا مستقبل، فالتراث ليس تاريخاً نطالعه ونقرأه، وإنما هو جذورنا التي تتشبث بالأرض، فتمدنا بالعناصر التي تكفل لنا البقاء في عالم اليوم الذي لا يستوعب إلا الأقوياء.

ويضيف: التراث هو الأكسجين الذي أتنفسه، وانطلاقا من حبي للتراث وإيماني بأهميته فكرت في تأسيس متحف يحتضن مفردات الماضي الجميل، وبفضل الله وبمساعدة سكان الإمارة، نجحت الفكرة وأصبح الحلم واقعاً، وتمكنا من جمع أكبر عدد من المقتنيات النادرة التي تعطي زوار المتحف صورة واضحة عن تراث الدولة وعادات مجتمعها وتقاليده بشكل عام وأم القيوين التي تتميز بطبيعتها البحرية الخلابة على وجه الخصوص.

تاريخ عريق

ويضيف: توثيق التاريخ لإمارة تميزت بقوتها البحرية والبرية ومعالمها التاريخية والحضارية المتمثلة بالقلاع والحصون والمتاحف، وكذلك توثيق تاريخ مجتمع بأكمله لم يكن أمرا سهلا، ولكن بفضل جهود زملائي في الجمعية تمكنا من جمع الكثير من القطع الأثرية والأدوات المنزلية التي كانت تستخدمها الإماراتيات سابقا.

بالإضافة إلى العديد من الوثائق والصور التي تم شراء بعضها وجمع بعضها الآخر، بالتعاون مع متحف أم القيوين وأهالي المنطقة الذين قاموا بتسليمنا القطع والأدوات التي كانت تستعمل في الإمارة نفسها في أزمنة سابقة، أصبح المتحف يضم بين جنباته مجموعة كبيرة من المقتنيات النادرة.

كما يحتضن المتحف نماذج للصناعات الخشبية التي شاعت في الماضي، مثل الصناديق والأسرة، وأدوات الغوص، هذا فضلا عن نماذج متنوعة للصناعات الحديدية مثل السيوف والخناجر وبعض الفضيات.

ويصف بن بشر الجمعية بآلة الزمن التي تعيده إلى زمن الأجداد والحياة البسيطة بمجرد دخولها، حيث يقول: أشعر بسعادة كبيرة عندما أكون في الجمعية لأنها تذكرني بحياة الماضي التي تعتمد على البحر بصورة رئيسية، حيث كان آباؤنا يكسبون معاشهم وقوتهم اليومي من صيد الأسماك والغوص للبحث عن اللؤلؤ، ويصنعون سفنهم وقواربهم الصغيرة بأنفسهم، ويصطحبوننا معهم إلى الأسواق لشراء المواد الغذائية والملابس.

 

حرارة الصيف

وفي إطار الحديث عن أجمل ذكرياته الرمضانية يوضح بن بشر أن حرارة الصيف ورطوبته العالية ميزت ذكرياته الرمضانية تارة وزينتها بالمواقف الطريفة تارة أخرى، فقد كانت الحياة شديدة البساطة، وعلى الرغم من صعوبتها آنذاك لعدم وجود الكهرباء .

وبالتالي عدم وجود المكيفات والثلاجات لتبريد المياه، إلا أنني أقول لنفسي دائما: ألا ليت رمضان أول يعود يوما، وذلك لحنيني الكبير إلى الأيام التي كنت أعصر فيها قطعة قماش مبللة بالماء وأغطي بها وجهي كاملا حتى أستطيع الصمود لحين يأتي موعد الإفطار.

ويتابع قائلا: كنت أبدأ يومي بأداء صلاة الفجر في المسجد وفي حال تغيب أحد الجيران أو الأصدقاء، كنت أبادر بالسؤال عنه والاطمئنان، وقد كانت هذه ميزة جميلة عند معظم الأهالي.

وحول يوميات رجال البحر في رمضان، يوضح بن بشر أنهم كانوا يتوجهون إلى البحر مباشرة بعد أداء صلاة الفجر، ولم يكن الاهالي يركنون إلى الكسل والخمول خلال شهر الصيام، حيث كانت النسبة الأكبر منهم تنزل إلى البحر للغوص بحثاً على اللؤلؤ وصيد الأسماك، أما البقية وهم نسبة قليلة فكانت تفضل أخذ قسطا من الراحة وقت الضحى.

وعندما يحين وقت الظهيرة يعود الرجال من رحلتهم وترسو السفن على الشواطئ ويتقاسم البحارة الأسماك المصطادة واللآلئ التي عثروا عليها، ليبيع كل واحد منهم ما يشاء من حصته ويترك الجزء المتبقي لتحضير مائدة الإفطار، وبعد صلاة الظهر يستسلم معظمهم للنوم ثم ينهضون مرة أخرى لأداء صلاة العصر والتعبد وقراءة القرآن الكريم.

 

إفطار جماعي

وكان حرص أهالي أم القيوين على تقوية الروابط الاجتماعية يبرز بشكل واضح من خلال موائد الإفطار الجماعي المفتوحة التي كان يلتف حولها الجميع ويأكل منها عابرو السبيل والمحتاجون.

ويقول بن بشر: كانت النساء تجتمع في منزل واحد ويشتركن في تحضير أصناف الطعام المختلفة مثل الأرز، الهريس،الثريد، الرطب، الكامي وهو الجبن المحلي الطبيعي المستخرج من المواشي.

ومن الذكريات الرائعة تلك التي تتعلق بقصص البحارة البطولية ومغامراتهم المشوقة التي كانت تخفف من حرارة الأجواء بعد صلاة التراويح، حيث كان الأهالي يجتمعون في أحد المجالس ويتبادلون الحكايات التي تدور حول البحر والصيد والمواقف الطريفة.

وكانت تلك التجمعات تنمي أواصر التعاون بين الرجال والنساء وحتى الأطفال، حيث كانوا يضعون الفوالة التي تكثر فيها الحلويات والأطباق الشعبية القديمة ومنها الخبيص، واللقيمات، والعراروط وهو الكستر بالمفهوم المحلي، والعصيدة، بالإضافة إلى الفواكه المعلبة التي كان يتم استيرادها من الهند.

ملامح مميزة 

قال بن بشر: إن أجمل ما يميز إمارة أم القيوين خلال شهر رمضان، هو نصب العائلات الإماراتية للخيام بالقرب من الشواطئ بهدف استقبال أكبر عدد من الزوار والترويح عن النفس بعد إتمام العبادات، مشيراً إلى أن أم القيوين مزيج رائع بين الماضي والحاضر وأجواؤها الرمضانية لا يعلى عليها.

وأضاف: كانت البيوت مفتوحة للجميع، وليس هناك ما يمكننا تسميته بالفوارق الطبقية، فكل الناس متآلفون متحابون ولا فرق بين نوخذة وصياد أو تاجر كبير وصياد محدود الرزق.

وفي رمضان لم يكن الفقراء يشعرون بالحاجة، فالموسرون كانوا يستغلون فرصة هذا الشهر الكريم، للتقرب إلى الله والسعي نحو ما يحقق مرضاته، فكانوا يوزعون الطعام ببذخ على الجميع، وهكذا كانت مائدة الجميع شبه واحدة، وكان كل أبناء الوطن يشتركون ويتشاركون العيش والملح.

شباب لا يهتمون بالتراث

يتحسر بن بشر على أن نسبة كبيرة من شبابنا لا يهتمون بالتراث ولا يقبلون عليه ولا يهتمون بالتعرف عليه ولو من باب الفضول.

ويقول: إن التعليم يجب أن يؤدي دوره في هذا الصدد، ولابد لمناهجنا أن تولي قدرا أكبر من الاهتمام بتعريف الناشئة بطبيعة الحياة والصعاب التي واجهها الأجداد وكابدوها، وعلى الأنشطة المدرسية أن تُكثر من زيارة المتاحف وتجعل جدولا سنويا يتم بمقتضاه أن يزور الطالب أكثر من متحف، فشبابنا إذا انسلخوا عن ماضيهم، وجرفتهم تيارات التغريب وكذلك في حال تركناهم من دون أن نحصنهم ضد الثقافات الوافدة، سينشأون في وطنهم كالغرباء، وهذه آفة تضر الوطن بأسره لا تضرهم وحدهم.

ويضيف: كما أطلب من المدرسة الاهتمام بقضية التراث، لابد أن أيضا أن يهتم أولياء الأمور بها، وعليهم أن يهتموا بغرس القيم الثقافية والاجتماعية المميزة للمجتمع في نفوس أبنائهم، مشيراً إلى أن التراث ليس مجرد الآثار والمقتنيات، وإنما هو أيضا منظومة العادات والقيم والأخلاقيات والتقاليد.

المطاوعة علمونا القراءة

مثلما يتحسر بن بشر على عدم ارتباط الكثير من الأبناء بالتراث، وتعامل بعض الأسر معه بوصفه ترفاً فكرياً، يتأسف على ما يصفه بانحطاط القدرات اللغوية في اللغة العربية لدى القطاع الأعم من الشباب,

ويقول: من المؤسف أن نسبة كبيرة من الشباب لا تتقن التعبير عن نفسنا بلغة القرآن، وهذا يرجع إلى أن الأسر أصبحت تعتمد بشكل كبير على الخادمات، وهناك أسر ترغم الطفل على التحدث بالإنجليزية في سنوات عمره المبكرة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى أنه ينشأ منفصلا عن لغته الأم.

ويتابع: وبالإضافة إلى الاعتماد على الخادمات الأجنبيات، وكذلك التعليم في المدارس الأجنبية، ووجود جاليات أجنبية بأعداد هائلة تعيش على أرضنا، هناك أيضا إقبال الشباب على وسائط التكنولوجيا الحديثة وعلى رأسها الإنترنت، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تعاملهم بالإنجليزية معظم الوقت، موضحاً أنه ينتمي لجيل تعلم اللغة العربية على أيدي المطاوعة وعبر حفظ كتاب الله، وهو أنجح السبل التي تنمي الموهبة والمقدرات اللغوية لدى الناشئة.

ويدعو بن بشر أولياء الامور إلى الاهتمام أكثر بأن يتقن الأبناء اللغة العربية لأنها ليست مجرد وسيلة للتخاطب، وإنما هي أيضا سمة ثقافية وحضارية وملمح من أهم ملامح وعوامل تماسك المجتمع.