عشق الكتب فأسس أول مكتبة عامة في عجمان، وإن أردت البحث عنه فسوف تجده بين أرفف المكتبة وغارقا بين الكتب صباح مساء، يحفظ منها الكثير بل لنقل كل عناوين أمهات الكتب والمئات من المراجع،
محاور من الطراز الأول، ومتحدث في كل التخصصات، وكما يفتح قلبه لزواره يفتح أبواب مكتبته للباحثين عن العلم وطلاب الجامعات وهواة قراءة الكتب، تخرّج من هذه المكتبة مئات من طلبة العلم، واستفاد منها آلاف الطلاب الجامعيين، فالمكتبة غنية بالمراجع التي يحتاجون لها في بحوثهم العلمية والدينية، وهي اليوم وقف لحكومة عجمان، التي دعمت صاحبها ويسرت له المساحة الكبيرة لإنشاء المكتبة والمسجد والمرافق التعليمية للأطفال في منطقة الجرف.
صاحب هذه المكتبة الإسلامية ومؤسسها في عجمان هو سالم بن عبد الله آل حميد، الذي جمع لمشروعه هذا أكثر من خمسين ألف عنوان بعد أن أضاف لها مجموعة عناوين في الفترة القصيرة الماضية، يستفيد منها اليوم آلاف الطلبة والباحثون عن مختلف العلوم. مكتبة عمرها الزمني 48 عاما، كبر معها صاحبها عاما بعد عام حتى تجاوز اليوم الستين عاما،
وخلال هذا العمر تزوج بنسائه الأربع اللاتي أنجبن له عددا من الأبناء والبنات، وهو يحمد الله ويعتبرها نعمة من نعمه الجليلة، بعدما سخر له الأبناء إلى جانب الكتب النادرة والقيمة بكتبها وعناوينها المرجعية، وفي زيارتنا لبيته ومكتبته سمعنا على لسانه خلاصة علاقته بالمكتبة والكتب عندما عبّر لنا عن عقيدته الفكرية بالقول إنه بين ثنايا الكتب يوجد غذاء الروح.
الحلم
التقينا سالم بن عبد الله آل حميد ليحدثنا عن البداية وكيف تشكلت مكتبته التي ينظر إليها اليوم كوجهة معرفية مهمة، يقول لنا في مستهل حديثه: قبل 48 عاما كان هناك حلم يروادني منذ الصغر وتحديدا منذ كنت في العاشرة من العمر، هذا الحلم بدأ يكبر معي عندما شعرت بشغف كبير تجاه الكتب واقتنائها، ومنذ ذلك الوقت كونت مكتبتي الخاصة في الوقت الذي لم تكن هناك مكتبات عامة في الإمارة،
ومع مرور الزمن توسعت المكتبة، وصار بعض الأصدقاء يزورونني، ومنهم من كان يحتاج إلى بعض المراجع ويجد مبتغاه فيها، لذلك قررت أن أحولها إلى مكتبة عامة يستفيد الناس منها، فكانت المرحلة الأولى من تأسيسها عام 1988في منطقة النعيمية بعجمان في إحدى غرف بيتي الصغير، وبعدها بعام تم إنشاء مبنى لها قريب من جامعة عجمان، الأمر الذي سهل على الطلبة في هذه الجامعة ارتيادها والاستفادة من مراجعها في بحوثهم العلمية، وهكذا كلما توسعت المكتبة زاد عدد روادها.
وهنا قد يقول المرء كيف زادت عناوين الكتب، فأقول إن الباحث عن العلم لا يحتاج إلى من يرشده إلى الطريق، فقد كنت أطرق أبواب الجمعيات الخيرية والدينية والدول العربية والإسلامية، وللمملكة العربية السعودية دور كبير في إنشاء المكتبة من خلال رفدنا ببعض الكتب القيمة، إلى ان جاءت مكرمة صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، بتخصيص قطعة أرض كبيرة في منطقة الجرف تبنى عليها المكتبة والمسجد وبعض المرافق، وتم إنشاء المبنى الجديد، وضم إلى جانبها مركز لتحفيظ القرآن الكريم ومكتبة خاصة بالأطفال، ومسجد.
وتوفر المكتبة اليوم مختلف الكتب في شتى العلوم، ولا تقتصر على العلوم الإسلامية فقط، بل تحتوي على أكثر من 50 ألف عنوان بعد أن أضيف لها عشرة آلاف عنوان جديد، تضم مختلف المعارف العامة والأدب والفلسفة وعلم النفس والديانات والعلوم الاجتماعية واللغات والعلوم الطبيعية والفنون والآداب والتاريخ والجغرافية والتراجم والعلوم التطبيقية أي أنها تمثل مكتبة عامة متكاملة.
الإعارة
وفي مجال التخصص في علم المكتبات، أضاف سالم بن عبد الله: تم تصنيف المكتبة وفق نظام (ديوي العشري)، الأمر الذي يسهل على القارئ الوصول إلى الكتاب، كما قسمت المكتبة إلى ثلاث قاعات، هي قاعة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم وهي مخصصة للرجال، والقاعة الرئيسية باسم الشيخ حميد بن راشد النعيمي، وقاعة الشيخ عبد الله بن حميد المخصصة للنساء، وبهذا الشكل يسهل على مرتادي المكتبة الوصول إلى المصادر المناسبة الموجودة في القاعات، أما إعارة الكتب فتعتمد على نظامي الإعارة الداخلية التي تتم داخل المكتبة، والإعارة الخارجية التي تتطلب أخذ ضمان على الكتاب حيث نحصل من المستعير على وثيقة خاصة به مثل رخصة قيادة السيارة أو جواز السفر، تعود إليه بعد إعادة الكتاب، ونحن لا نأخذ المال للتأمين على الكتاب لأننا قد نفقد الكتاب بهذه الطريقة، وفي مجال التخصص يعمل في المكتبة أشخاص متطوعون منهم المتخصص ومنهم غير المتخصص.
التعليم
في زيارتنا له يحدثنا أيضا عن حياته فيقول: عملت 19 عاما في مركز الإرشاد والدعوة في دبي، ثم في الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء لمدة عشرة أعوام، وبعد التقاعد تفرغت للمكتبة والعمل فيها، وكان اهتمامي منذ البداية بالعلوم الإسلامية، وقد بدأت دراستي في الكتاتيب عند "المطاوعة" وشيوخ الدين وحفظت القرآن الكريم وأنا في سن صغيرة، ثم أنهيت التعليم الابتدائي في الرياض، وبعدها درست العلوم الشرعية بدار الإفتاء هناك، وأكملت تعليمي النظامي في مدارس الدولة بالدوام مساء إلى جانب عملي في الصباح، ولم يكن لعملي علاقة مباشرة بإنشاء المكتبة بتاتا، فهي شكلت طموحا وحلما منذ الطفولة، وما زلت أرى أن هناك الكثير من العمل والجهد لأحقق ما أصبو إليه، والمكتبة هي فعلا تستحق منا كل جهد ممكن، وأحمد الله أنها اليوم تشكل معلما معرفيا مهما في إمارة عجمان، وهي التي تستحق فعلا ان تكون وقفا للإمارة.
القراءة
وعن ذكرياته في رمضان يقول سالم بن عبد الله آل حميد: ليس هناك أجمل من أن يقضي الإنسان أيامه وهو وسط الكتب، صحيح ان مائدة الإفطار تجمعني في بعض الأوقات بالأهل من الزوجات والأبناء والأحفاد والأقارب، إلا أنني أجد في المكتبة الزاد الديني والروحي، وأجد الراحة والاطمئنان والصفاء الذهني، وكلما قرأت كتابا جديدا زادت معرفتي بالحياة ولذلك معظم أيام رمضان أقضيها في المكتبة، بل ان كثيرا من الأبناء والطلاب ومن هواة القراءة، يأتون في ليالي رمضان للمكتبة بحثا عن الكتب الدينية والثقافية.
وفي كثير من الأحيان تمتلئ بهم المقاعد حتى ان البعض لا يجد مكانا للجلوس، فيأتون في ساعات محددة من النهار.
واعتقد أن القراءة في شهر رمضان وخاصة قراءة القرآن الكريم هي الزاد الحقيقي للإنسان، ونصيحتي للجميع بأن يقرأوا، فالقراءة في حقيقتها غذاء الروح، وهواء العقل، ولن تجد شيئا أصعب على العقلاء من أن تمنع عنهم هذه الحياة المتمثلة في القراءة والمعرفة، ولا ننسى أن أول كلمة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت (اقرأ) وهو الأمي الذي لا يقرأ، لكن بناء حضارة إسلامية كانت تعني أن يكون العلم والقراءة والمعرفة أولى الخطوات لبناء تلك الحضارة، ومن تتبع حركة التاريخ وجد أن كل الحضارات التي قامت إنما قامت بفضل العلم والمعرفة والقراءة، وكل الحضارات التي انهارت فلأن أهلها تركوا العلم والمعرفة وركنوا للهو واللعب.
الأسرة
وعن حياته العائلية يقول: أحمد الله أن رزقني ذرية صالحة، وأنعم علي بزوجات أربع صالحات وبعدد من الأبناء والبنات أسعدوني بأحفادهم (فلذات أكبادنا)، وكل هذا بفضل ربي الذي انعم علي أيضا بهذه المكتبة التي أصبحت جزءاً من العائلة، فكل أبنائي قضوا الساعات الطوال بين أروقة المكتبة وبين صفحات الكتب، ومنهم ابنتي مريم التي تعيش معظم الساعات في هذه المكتبة، وقد وهبت كل ساعاتها في سبيل ترتيب وتنظيم الكتب وإقامة المسابقات الخاصة بالأطفال، وحثهم على القراءة والبحث عن المعرفة، وهي بحق مساعدتي الأولى ومعها المتطوعون من طلاب العلم.
واليوم أولادي والحمد لله منهم من شق طريقه في هذه الحياة واختار منهجه الديني الذي هو خيارنا جميعا معشر المسلمين، ومنهم من يعمل في سبيل تحقيق أهدافه فلكل منهم طموحه وأحلامه، ولكن الحمد لله أنني أنشأتهم على السلوك الطيب والتواضع في تعاملهم مع الآخرين، وصحيح أنني لا أومن بالصراخ كسلوك في التربية، لكن أبنائي يقولون لقد استفدنا منك من خلال صمتك حتى أصبحنا نعرف ما الذي تريده وما الذي لا تريده فينا، ويكفي ان الإنسان عاش هذا العمر ليرى أبناءه وأحفاده وهم في أطيب حال وأفضل مكان.
متعة
القراءة قد تفوق الملذات المحسوسة
يقول سالم آل حميد في مسألة متعة القراءة (هذه حقيقة لا يتنازل عنها العظماء والمفكرون وهي أن للقراءة متعة وحلاوة قد تفوق متعة الملذات المحسوسة، حتى أن المثقف يجد أثرها في حياته عامة فهو حين يفرح أو يسعد فإنما يسعد من طرفين، بإحساسه البشري الذي يشاركه فيه حتى الجاهل، وبعقله المدرك الذي يتفاوت من شخص لآخر، لكن البعض لا يشعر ولا يحاول أن يشعر بهذه المتعة الرائعة فمتى ما أمسك بكتاب تملّكه الشعور بالنعاس والملل، وكلما رأى كتاباً هاله كثرة صفحاته وضخامة حجمه فأحجم عن قراءته، وربما قرأ يوماً كتاباً دسماً لم يفهم شيئاً من محتواه فأصيب بوهم العجز عن القراءة، وهذه الحالات انتشرت كثيراً في عالمنا العربي حتى غدت هي الحالة العامة لدى الناس، والشاذ عنها من يقرأ أو يطالع، فمن الصعب أن ترى شخصا يحمل كتابا، أو يجلس في مقهى أو مكان عام ليطالع، وهو وضع لا يسرّ).
كتاب
هذه نصيحتي للمهتمين بالقراءة
ونصيحة يوجهها الى كل مهتم بالقراءة فيقول له (اقرأ في المجالات التي تحبها وتجد في نفسك الرغبة في التعمق فيها، وفي أوقات صفائك الذهني والعقلي، وحاول أن تصطحب معك كتاباً في أماكن الانتظار وأوقات السفر، تقطع بقراءته ملل الانتظار، وأملأ مكتبتك بالكتب المتنوعة في شتى المجالات تختار من أي تخصص أو مجال،
وجرب أن تقرأ كتب الأدب العربي فستجد فيها المتعة والفائدة وتحبب لك القراءة والمطالعة، وابدأ مثلاً بكتب لمفكرين عرب ومسلمين وستشعر كم هي القراءة ممتعة، المهم أن لا تنقطع عن القراءة، بل وأجعل من الكتاب صديقك المفضل والأقرب إليك في كل الاوقات وعليك اختيار عناوين الكتب المناسبة التي سوف تزيد من ثقافتك ومعارفك .
تربية
معاملة الأبناء بالصمت
حول تعامل سالم آل حميد مع أبنائه تقول ابنته مريم: ( بالنسبة لي أرى أن تعامله مع أفراد إخوتي وأخواتي يختلف من أخٍ إلى آخر ومن أخت إلى أُخرى، كُلّ حسب فهمه وفكره، أما معاملتهم على نسق واحد في النصح والتوجيه، فقد يحدث نوعا من سوء الفهم قد لا يعيه أحدهم لاختلاف المستوى الفكري بين صغير وكبير وجامعي ومدرسيّ، لهذا فالنزول عند المستوى الفكري للشخص أدعى لقبول ما تسعى إلى تعليمه وتفهيمه وغرسه فيه، وربَما أكون قريبةً من فهم الوالد فيستخدم الإشارة والتَلميح وهنا أعتبره مدرسةً صامتةً، تعلمت من صمته أكثر من حديثه، وقديما قيل: العبد يقرع بالعصا .. والحر تكفيه الإشارة، وأحيانا قد تكون وجهة نظري غير متوافقة مع والدي، فيبدي الوالد رأيه ولكن الرأي الأول والأخير لما نراه ولا إجبار طالما كان الرأيان صحيحين).
وتضيف: (أما تأثير الكتاب والمكتبة وأبي فأنا لا أبالغ إن قلت إن كتب والدي ربما تكون أغلى من أبنائه، وبما أنني أعتبر المكتبة جزءاً مني، والمكتبة من روح والدي، فأكيد أنا جزء من ممتلكات مقدسة، ويحق لي أن أعتز بهذا، ومن يؤمن بالكلمة ودورها في تقدم الأمم يفهم تلك المشاعر والأحاسيس).
