كنت من أول المتمردات على أنماط التفكير البالية، والتي ترفض عمل المرأة وتعليمها، وقد سددت ضريبة كبيرة بسبب هذا التمرد، وتعرضت لحملات ضارية من الرفض والاستنكار، غير أني لم أغير مبادئي ولم أبدل مواقفي، وصممت أن يكون لي مكانة ومكان تحت الشمس.
بهذه العبارة تبدأ رزيقة الطارش، الفنانة والإعلامية الإماراتية، حديثها، الذي تروي خلاله رحلتها مع التعليم، وعشقها لميكروفون الإذاعة منذ نعومة أظافرها، ومواصلتها ما فات من التعليم عبر الانتساب لجمعية نهضة المرأة الظبيانية، وصولاً إلى خوضها مجالات الإخراج المسرحي والكتابة للتلفزيون وأيضا التمثيل، حتى أصبحت واحدة من رائدات الفن في الإمارات.
ولدت رزيقة الطارش عام 1954، وبعدما أبصرت النور اختطف الموت والدها، فتجرعت مرارة اليتم مبكراً، وكفلها عمها وانتقلت معه إلى قطر في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي.
لم يكن دربها ممهداً، وإنما كان مفروشاً بالعقبات والأشواك، لكنها استطاعت أن تتخطى تلك الصعوبات لتساهم في تحريك دفة الفن في الإمارات منذ الستينات.
كُرمت على خشبات المسارح العربية والخليجية، وكان على رأس من كرموها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، بالإضافة إلى تكريم جامعات ومسارح إماراتية وخارجية، تقديراً لدورها المتميز في تطوير الحركة الفنية في الإمارات، على مدى أكثر من 35 عاماً.
وتستذكر حادثة مهمة في حياتها وقعت في عام 1995 في أبوظبي عندما تمكنت من بين جميع الحضور من الإجابة على سؤال على أحجية بدوية طرحها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، فأشاد بها الراحل الكبير، مبدياً إعجابه بفطنتها، وهي تعتبر هذه الإشادة أهم وأعظم شهادة ووسام فخر على صدرها.
ولها ذكريات عن بدايات تأسيس إذاعة أبوظبي، وكذلك مع كوكب الشرق أم كلثوم وغيرها من الأمور التي تكشف عنها عبر السطور المقبلة.
رحلة طفولة
تقول: رافقت عمي إلى الدوحة في الخمسينات، وتعلمت في مدارسها حتى الصف الرابع، ولما عدت إلى أبو ظبي كانت المدارس الحديثة قد أنشئت، فالتحقت بإحداها رغم معارضة خالي بشدة إلا أن وقوف عمي بجانبي ودعمه كان لهما أثران كبيران في تعليمي.
كنت أقبل على التعليم، مثلما تقبل الفراشات على مصادر الضوء، غير أن خالي بقي على موقفه المعارض، ولا أنسى الكلمات التي رددها خالي لوالدتي "هل ترغبين أن تصبح ابنتك كالكراني؟" والكراني هي المرادفة العامية القديمة لمفردة كاتب حاليا!
وفي السنوات الخمس الأخيرة من عقد الستينات، بدأت تباشير الحركة الفنية والمسرحية المحلية تتشكل، وكنت آنذاك في الصف السادس الابتدائي، فتم اختياري مع سبع طالبات للتمثيل في الإذاعة، فكانوا يصطحبوننا من العاشرة صباحاً دون علم أولياء أمورنا بمرافقة إحدى المعلمات، وبدأنا بتأدية أصوات الأطفال في الإذاعة.
وتضيف: في عام 1969 تولى الفنان الراحل محمد الجناحي قسم التمثيليات وأشرف على برنامج "ركن الأطفال" الذي شمل تمثيليات الأطفال وبعض الأحاديث الشريفة، فكثيراً ما كنت أتساءل عن دورنا في الإذاعة، وما الذي سيجنيه ذلك الكادر من تسجيل أصواتنا، ولا أنسى برنامج "أم سعد وأبو سعد" الذي قدمت فيه أدواراً مختلفة وسجلت 90 حلقة.
وعندما بلغت 12 عاماً، كانت المذيعة سامية مراد تقدم برنامج "المرأة "، وبرز دوري في ذلك البرنامج من خلال القصص القصيرة التي مثلت فيها، إضافة إلى "صواب أم صواب" وهو عبارة عن برنامج تمثيلي يعبر عن قصة زوج وزوجته يبحثان في قضاياهم ومشاكلهم اليومية.
افتتاح الإذاعة
وتقول: عندما افتتحت إذاعة أبوظبي رسمياً في 25 فبراير 1969، انضممت إلى طاقم العمل، وعندما سمع أولياء الأمور أصوات بناتهم الطالبات لأول مرة في الإذاعة تفاجأوا واشتعلوا غضبا، ومن المفارقات أن بعض الآباء من البسطاء ومحدودي التعليم، كانوا يظنون أننا نسافر إلى القاهرة لتسجيل تلك البرامج، ثم نعود في نفس اليوم وعلى الرغم من أننا كنا نمضي معظم يومنا معهم، لكن معظمهم أصرّ على منعنا من الذهاب إلى المدرسة.
عندما قررت العمل في الإذاعة لم تمانع والدتي ولكن كانت مواجهة خالي المحافظ إلى درجة التشدد هي العقبة الكبرى، وقد رد على إصراري على العمل، بأن قرر تزويجي لتقييدي عن الخروج والعمل وأنا في الثالثة عشرة من عمري، ولكنني تشبثت بالرفض حتى رضخ لي.
وتقول: في ذاك الزمان، لم يكن مستساغاً أن ترفض فتاة "ابن الحلال" ولا أن تتمرد على إرادة ولي أمرها، ولولا دموع أمي وتوسلاتها إلى أخيها، لما رضخ لي حتى إن قتلت نفسي، وفي واقع الأمر إن خالي لم يكن رجلاً قاسياً فظ القلب، ولكنه كان نمطياً شأنه شأن معظم الرجال في ذاك الزمان.
ولكي يعاقبني على عصيانه، فرض علي أن أرد المهر الذي سدده العريس من مالي الخاص، فكنت أؤدي المكافأة الشهرية التي أتقاضاها من إذاعة أبوظبي بالكامل، وكانت تبلغ 45 ديناراً بحرينياً، مما يعني أنني كنت أعمل بالمجان، ولا أجني شيئاً من تعبي، اللهم إلا إشباع هوايتي وحبي للميكروفون.
رجل عظيم
وتضيف رزيقة الطارش: في تلك الأثناء بدأ عشق الإذاعة يكبر في قلبي، مما دفعني إلى التدرب في الإذاعة في أواخر الستينات مع المذيعة البحرينية فاطمة شويطر، وأسماء أخرى أمثال سميرة سعاد، وعائشة التيجاني،
فتدربت على تقديم البرامج بعد أن افتتح الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله الإذاعة رسمياً، إضافة إلى الأدوار التمثيلية التي كنت أقدمها.
وزادت انتقادات المجتمع لي لما اعتبروه خروجا عن العادات والتقاليد، فكان لا بد من الزواج كما نصحني الجميع.
وتزوجت فعلاً في عام 1971 وكان اختياري ولله الحمد موفقا، لأن زوجي كان متفهما لحقيقة رسالة الفن، مؤمناً بأنه عمل سام نبيل،
ومتفهماً لمدى حبي له، ومن ثم لم يدخر جهداً من أجل مساعدتي، وساندني في مسيرتي، رغم العادات والتقاليد التي حاصرتنا، ومن خلال دعمه لي أستطيع أن أقول خلف المرأة العظيمة رجل عظيم.
وتتابع: كنت أعلم أن الرياح عنيفة، وكثيراً ما كنت أتحدث إلى زوجي عما يلاقيه من رفض أو نظرات استنكار من المجتمع، فكان يردد بثقة: لا تعيرهم بالاً، فهذه ضريبة الحداثة والتطوير، وذات يوم سيتغير الناس ويستوعبون حقيقة العمل الكبير الذي نسديه للوطن.
مرحلة مهمة على المستوى المهني
تحدثت رزيقة الطارش حول مرحلة مهمة على المستوى المهني، وخاصة بعد قيام الإتحاد، حيث اشتركت مع الفنان الراحل محمد الجناحي رحمه الله في دعم القسم الخاص بالتمثيليات، والذي تعرفنا من خلاله على بقية الممثلين في الإمارات الأخرى، وسجلت النصوص المشتركة معهم، ومن أهم الأحداث في تلك الفترة، افتتاح التلفزيون.
لذلك جاءت فرقة من دولة الكويت حاملة بعض شخصيات الدراما الهامة، فأشاروا علي بأن أمثل في بعض المشاهد، وبالفعل باشرنا في العمل التلفزيوني وقمنا بنسخ النصوص الإذاعية واستخدامها في التلفزيون، وكان عبد الله النويس وكيل وزارة الإعلام في تلك الفترة.
وعرض أول مسلسل على شاشة أبوظبي "حريم أبو بلال" وتكاثرت الأعمال والمسلسلات، وتسنّى لي خلال تلك الفترة الالتقاء لأول مرة بالفنان جابر نغموش في "شركة سهيل للمنفعة العامة" من تأليف عبدالرحمن صالح، وكان ذلك في الثمانينات وهي الفترة التي صبت علي الأدوار خلالها.
تفوقت على ابنتي في الدراسة
تقول رزيقة الطارش: التحقت بالدراسة في جمعية نهضة المرأة الظبيانية أثناء فترة عملي في التلفزيون ، كنت أدرس صباحاً وأعمل مساءً، وذلك من دون أن يعرف أحد من زملاء العمل بذلك، إلى أن وصلت إلى المرحلة الثانوية، فالتقيت مع ابنتي في الصف الأول الثانوي، وكانت المفارقة أنني نجحت في حين لم توفق ابنتي وعادت السنة.
وعملت على تطوير قدراتي المهنية عبر الالتحاق بإذاعة الشرق الأوسط في مصر، وحصلت على دبلوم متوسط، ثم انضممت إلى فرقة نجوم العرب في تلك الفترة التي قضيتها في مصر، وفي التسعينات عدت إلى الوطن ومارست الإخراج في قسم الدراما إضافة إلى الأعمال المكتوبة الخاصة بي، وأول عمل كتبته كان "ناعمة ونعيمة" وهو مسلسل كوميدي شاركت فيه الفنانة سميرة أحمد والفنان أحمد الأنصاري، كما ألفت نصوص بعض المسلسلات مثل "عذاب الضمير" و"عتيجة وعتيج".
هذا ما قالته لي أم كلثوم
وتتذكر رزيقة الطارش في نقطة ما من الحوار حدثا اعتبرته من الأحداث المهمة في حياتها، وتحدثت عنه بشيء من الفخر، خاصة وأنه حصل مع شخصية معروفة جدا في ذلك الوقت وهي المطربة أم كلثوم، وخلاصة تلك القصة تتمحور في أنه في عام 1972، أقيمت الاحتفالات الخاصة بعيد الجلوس الخامس للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وقدم الفنانون صورة فنية موسيقية على المسرح.
وكانت المفاجأة الكبرى مشاركة الفنانة الراحلة أم كلثوم في هذا الحفل، فجهز مسرح خاص بها خلال ثلاثة أيام، وذهبت لاستقبالها في المطار القديم، وعندما رأتني وضعت يدها على كتفي وقالت: "أنت لست مذيعة وإنما فنانة متعددة المواهب".
