الحجر الصلب القوي، لا ينكسر من الضربة الأولى، ولا من الضربة الأخيرة، وإنما بتوالي الضربات والاستمرار في الطرق عليه، فنيل المطالب ليس بالتمني، والدنيا يجب أن تؤخذ غلاباً.
هذه العبارة، التي سمعها الدكتور سليمان موسى الجاسم، مدير جامعة زايد، من أبيه حينما كان في نحو العاشرة من العمر، ظلت ترن وتتردد في رأسه الصغير، ولم يكف عن ترديدها كلما اصطدم بعقبة من عقبات الحياة، وكلما شعر بأنه إزاء تحدٍ من تحدياتها.
ولد في قرية مربح الوادعة على تخوم إمارة الفجيرة، وكان أبوه تاجراً ميسور الحال، وطبيعي في ذاك الزمان، أن يلحق الولد بأبيه ويقتفي خطاه، وكان منطقياً أن يشب الابن تاجراً يدير تجارة الأب ويسير على نفس نهجه، غير أن الأب آمن بالعلم وأصر على أن يلتحق أبناؤه وهم ذكران وثلاث إناث بالتعليم، مهما تكبد من عناء وأنفق من مال، كي يحقق هذه الغاية السامية.
ومن حلقات تحفيظ القرآن، على أيدي المطاوعة، مروراً بالالتحاق بمدارس خورفكان ودبي، ثم معهد المعلمين، وصولاً إلى الحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه من المملكة المتحدة، كانت رحلة الدكتور الجاسم، رحلة صعوبات، غير أن القدر ساهم في تذليل هذه الصعوبات الواحدة تلو الأخرى... ويبدو أن الصدفة لا تأتي إلا لمن يستحقها، ذلك أن الرجل لم يفوت فرصة تفلت من يديه.
يقول الدكتور الجاسم: درست الابتدائية والمتوسطة في إمارة الفجيرة، ولما قرر والدي إلحاقي بالدراسة الثانوية، انتقلت للعيش في إمارة الشارقة، وبعدها التحقت بمعهد المعلمين في دبي، وقد اخترت هذا التخصص لسببين، الأول: حبي لهذا التخصص، والثاني: أن إمارة الفجيرة كانت تدعم توطين قطاع التدريس، نظراً لأن صعوبة الحياة آنذاك، لم تكن تغري الأخوة العرب بالمكوث في الإمارة.
ومن المفارقات التي قد لا يصدقها أبناء اليوم، ممن لم يعايشوا الظروف الصعبة التي كابدناها، أن الطريق من الشارقة والفجيرة، الذي يقطعونه الآن في أقل من 90 دقيقة، كان يستغرق لقطعه أكثر من خمس ساعات، وذلك بسبب وعورة الطريق ووجود مساحات شاسعة غير ممهدة بين الوديان والجبال والمنحدرات الخطرة، إلى درجة أن الأهالي كانوا يتوافدون على كل من يعود إلى بيته، لتقديم التهاني له ولأسرته على سلامة الوصول.
الحياة العملية
ويضيف: بعد التخرج في معهد المعلمين شاءت الأقدار، أن أبدأ حياتي العملية، بالعمل مدرساً في مدرستي الابتدائية، وهي مدرسة المهلب ابن أبي صفرة في خورفكان، وهذه الفترة كانت من أمتع الفترات في حياتي، إذ كنت مدفوعاً بحماس الشباب وبالرغبة في العمل والعطاء.
وفي بداية السبعينيات، وبعد تأسيس دولة الاتحاد، كانت الحكومة قد أعلنت أن التوطين على رأس أولوياتها، وذات يوم تحدث المغفور له الشيخ محمد بن حمد الشرقي، في شأن توفير فرصة لي ولأخي للعمل في الحكومة الاتحادية، فتم ابتعاثي للدراسة في معهد التنمية الإدارية في القاهرة في هذه الفترة.
ويقول الدكتور الجاسم: هذه المرحلة كانت أهم مرحلة في حياتي، فالنقلة من قرية صغيرة هادئة، إلى قلب العروبة النابض، وحضور الندوات السياسية والفكرية والعروض المسرحية وحفلات فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، كان من أبرز المنابع الفكرية والثقافية التي نهلت منها، ومن ثم جرت في شراييني وترسخت في دماغي.
مكثت في القاهرة عاماً كاملاً، وكان هذا العام من أهم المراحل في حياتي، ولما عدت التحقت بالعمل في إدارة المراسم بوزارة الخارجية، مما ساهم بدوره في منحي فرصة للتعرف على مختلف ثقافات العالم، عبر التعامل مع الدبلوماسيين والشخصيات السياسية التي كانت تتوافد على الدولة.
نظرة نقدية
ويضيف: ليس لدي شك في أن عملي في الخارجية، قد منحني واحدة من أهم السمات، ألا وهي القبول بالآخر، والاهتمام بالتعرف على الثقافات الغريبة، ومن ثم التحلي بالنظرة النقدية، والقدرة على الأخذ بما يتناسب مع عاداتي وثقافاتي من سلوكيات، ونبذ ورفض ما لا يناسبني، وهذه ميزة يتحلى بها أبناء الإمارات، نتيجة مجموعة متشابكة من العوامل منها احترافهم التجارة منذ قديم الأزل، وكذلك لأن الدولة تحتضن كل الأجناس، مما يجعل الإماراتي عالمي النظرة والثقافة.
ويتابع: أعتقد أن البشر في اختلافهم وتجانسهم، بمثابة الكتاب الكبير، ومن يتمكن من قراءة بعض فصول هذا الكتاب، فقد أوتي حكمة قلما يتمتع بها إنسان... وهذا ما حرصت عليه طوال حياتي: قراءة ثقافات البشر، لا من الكتب، وإنما من الاحتكاك بهم والتعايش معهم والتأثر بهم والتأثير فيهم.
وفي عام 1974 سافرت مرة ثانية إلى المملكة المتحدة، للدراسة في جامعة أوكسفورد العريقة، ضمن برنامج الخدمة الخارجية للكوادر المواطنة في وزارة الخارجية، ومكثت هناك عاماً كاملاً، أتلقى علومي في مجالات: العلاقات الدولية والقانون والاقتصاد الدولي، مما ساهم في توسيع مداركي، ومن ثم تحليل القضايا العربية في إطارها الدولي.
واشتملت الدراسة زيارات إلى وزارات الخارجية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ومقر حلف الناتو في بروكسل، مما ساهم في تعريفي بطبيعة عمل هذه المؤسسات المرموقة.
ويواصل الدكتور الجاسم المرور على أهم محطات حياته قائلاً: بعدما رجعت من بريطانيا، توليت رئاسة الديوان الأميري في الفجيرة، وخلال هذه المرحلة، اهتممت بتفعيل الحركة الثقافية في الإمارة، واستقبل الديوان الاميري مفكرين وباحثين في مختلف مجالات الفكر الإنساني، كما تأسست جمعية الفجيرة التعاونية، من أجل تفعيل النشاط الاقتصادي ودفعه في الإمارة.
بعدئذٍ سافرت إلى الولايات المتحدة سنة 1977 مبتعثاً من قبل وزارة الخارجية للمشاركة في بعثتنا الدبلوماسية في الدورة الثانية والثلاثين للأمم المتحدة، ولما رجعت التحقت بجامعة الإمارات، وتخرجت سنة 1985 من كلية العلوم الإدارية. هكذا كنت أعمل وأدرس طوال الوقت، وكلما تمكنت من إنجاز مرحلة، كنت أبدأ مرحلة جديدة.
صدفة
فيما بعد شاءت الأقدار أيضاً، أن تهديني أحلى صدفة في حياتي العملية، حيث كنت في زيارة للدكتور عبد الله عمران، لتهنئته بالحصول على الدكتوراه، من المملكة المتحدة، فإذا به يحدثني عن ضرورة أن أحصل على الماجستير على الأقل.
والحقيقة.. إن هذا الحديث صادف هوى نفسي، غير أني كنت أشعر بصعوبة الأمر نظراً لمسؤوليات عملي في الديوان، فقال لي: فاتح صاحب السمو حاكم الفجيرة في الأمر، ولا أحسبه سيرفض.. وقد كان.
ويضيف مدير جامعة زايد: سافرت مجدداً إلى المملكة المتحدة، واختبرت حياة العزوبية لبضعة أشهر، فتعلمت فنون الطبخ، وعشت مع الدكتور عبد الله عباس في بيت واحد، وهو كان من أفضل الذين يعدون أكلاتنا الشعبية الإماراتية، وتعرفت على الكثير من الدارسين الخليجيين والعرب، وقد استفدت من تجربة الحياة في المملكة المتحدة فوائد كبيرة، ففيها تلتقي كل الأجناس، وتتلاحم الثقافات ومن ثم ينشأ حوار ثقافي ولا أروع.
الخطوة الأخيرة
ولما حصلت على الماجستير، شعرت بأن عليّ أن أقطع الخطوة الأخيرة، والحصول على الدكتوراه، فعدتُ لأستأذن صاحب السمو حاكم الفجيرة، فشجعني تشجيعاً صادقاً، وهكذا حصلت على الدكتوراه في نهاية الثمانينيات، وكان موضوعها هو التركيبة السكانية وكيفية الاستفادة من الموارد البشرية المواطنة.
ويقول: رجعت إلى عملي في وزارة الخارجية، وكنت أدرس الطلاب في جامعة الإمارات في العين، في كلية العلوم الإدارية، وأداوم في مقر وزارة الخارجية في أبوظبي، وأسرتي تقيم في الفجيرة، حتى التقيت بمعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، فسألني عما إذا كنت أرغب في العمل في كليات التقنية العليا، فوافقت على الفور، نظراً لإعجابي بمنهج الكلية الذي يتمثل في تأهيل مواطني الدولة، لتولي مسؤولية التنمية على أرض وطنهم.
وخلال عملي في الكليات، شرفت بأن كنت على اتصال مباشر ودائم مع معالي الشيخ نهيان، هذا الرجل شديد التحمس للتعليم وضرورة تطويره باستمرار، وذلك خلال فترة استمرت 16 عاماً من بداية عام 1990
وبعدما تقلد معالي الدكتور حنيف حسن حقيبة وزارة التربية والتعليم، توليت إدارة جامعة زايد خلفاً له، وهكذا أبدأ حياتي العملية بالتعليم، وأنهيها بالتعليم أيضاً، على اعتبار أن الجامعة ستكون محطتي الأخيرة في الحياة العملية.
هوايات
أحب الموسيقى والشعر
بعيداً عن العمل، يحب الدكتور الجاسم القراءة، في مختلف مجالات العلوم الإنسانية والمسرح والشعر. ويعد الكاتب محمد حسنين هيكل كاتبه السياسي المفضل، فيما يميل إلى كتابات محمد الماغوط الادبية، وأشعار نزار قباني التي يصفها بأنها كانت رفيقة مرحلة المراهقة.
كما يحب سماع الموسيقى الشرقية ويعشق صوت أم كلثوم وفيروز وعبد الحليم حافظ، ومحمد عبده وعبد الكريم عبد القادر، ويحب السيمفونيات الغربية وتحديدا أعمال موتسارت موسيقي النمسا الأشهر. وله اهتمام خاص بالمسرح، وقد كتب مسرحيتين وهما: غلط في غلط وسبعة صفر.
مدينة
توركي البريطانية عشقي الكبير
أثناء تحضيري رسالة الدكتوراه، عشت في واحدة من أجمل المدن البريطانية، وهي مدينة توركي، وفيها استأجرت فيلا واستقدمت أسرتي وأبنائي. المدينة ساحلية، وتقبع وسط سلاسل جبلية خضراء وذات مناخ رائع، إلى درجة أنها تسمى فينيسيا الإنجليزية.
في فصل الصيف يتضاعف سكان المدينة مرتين، ويزورها أكثر من 120 طالبا للدراسة، وهي تضم أكثر من 110 فنادق كبيرة وصغيرة.
وأذكر أن جاري في توركي كان عمدة المدينة، وكان رجلاً بشوشاً وقد ربطتني به صداقة مازالت قوية.
رضا
أفتخر بنجاحات طلابي
بدا الدكتور سليمان الجاسم كما لو أنه يريد أن يوصل في نهاية حديثه عصارة فكرته عن مهنة التدريس، فقال: أريد أن أختم كلامي بنقطة مهمة، وهي أنني رغم ما استفدته على المستوى المعرفي والثقافي من عملي في وزارة الخارجية، إلا أنني أجد متعتي الكبرى في ممارسة التدريس أو العمل في بيئة لها علاقة بالتدريس، وإنني أشعر بالفخر حينما ألتقي طلابي وطالباتي وأجدهم في مناصب مرموقة، حيث يشيع في نفسي إحساس بأني أديت دوري تجاه وطني.
رؤية
زايد اهتم بنشر المدارس في الإمارات قبل قيام الاتحاد
حينما تولى المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مقاليد حكم إمارة أبوظبي، اهتم بنشر المدارس ليس فقط في إمارة أبوظبي وإنما في كل الإمارات. كان الفقيد الكبير، يؤمن بالعلم ويرى أن هذه الإمارات، تمثل وحدة واحدة بغض النظر عن انضوائها تحت لواء واحد، وهو أمر تعززه عوامل متشابكة، منها علاقات المصاهرة بين القبائل، وتماثل العادات والتقاليد والعلاقات التجارية التكاملية وأيضاً العوامل الجغرافية.
حينئذٍ... لم تكن الإمكانات المادية تستوعب الطموحات الكبيرة، فكان يتم استئجار البيوت الشعبية المبنية من الطين، وتحويل غرفها إلى فصول دراسية. وكان الشيخ زايد انطلاقاً من حرصه على تشجيع الأهالي على الالتحاق بالمدارس، خصص راتباً شهرياً لكل طالب، وكان هذا الراتب يفوق ما يمكن لأي طالب أن يحظى به في حال التحق بسوق العمل في الزراعة أو الصيد. وبالتوازي مع جهوده في نشر التعليم، انتشرت فصول محو الأمية للكبار... مما ساهم في تكوين جيل من المتعلمين، وهؤلاء هم من يديرون مؤسسات الدولة حالياً.
فرصة
عملي في الخارجية أثراني فكرياً وثقافياً
خلال عملي في وزارة الخارجية، أتيحت لي فرص رائعة، والتقيت بعدد كبير من أشهر وأبرز القامات السياسية والفكرية في العالم العربي، منهم: الدكتور بطرس غالي، والكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل، وأحمد بهاء الدين وغيرهم من المفكرين الذين كانوا يشاركون في الأسابيع الثقافية للوزارة، مما ساهم في إثرائي ثقافياً ووجدانياً. ويقول: أعتقد أن الأقدار آزرتني ووقفت إلى جواري في هذه المرحلة المهمة من حياتي، وأعتقد أيضاً أنني لم أفوت فرصة لكي أحصل علماً، أو أتعرف على مهارة وخبرة ما، إلا وعضضت عليها بالنواجذ، وهكذا كنت مثل (الأسفنجة) أمتص كل ما يقال، وأفكر فيه بطريقة نقدية تحليلية.
