ثمة صدفة تقلب التاريخ، وتؤدي إلى تغيير المسار كلياً، وهي قد تكون «صدفة خير من ألف ميعاد»، كما يقول المثل العربي، وقد تكون هذه الصدفة شراً ووبالاً.
وبالنسبة لخالد حرية، فإن صدفة حسنة، دفعته من دون أن يخطط، لأن يكون واحداً من أشهر الطباخين ليس فقط في الدولة، وإنما في الخليج العربي بأسره، إلى درجة أن مطبخه الشعبي يعد حالياً "علامة تجارية" مشهودا لها بالجودة العالية.
عبر السطور المقبلة، ترسو سفن ذكريات خالد محمد عبدالله حسن الحمادي الملقب (بخالد حرية) على مرسى" البيان"، حيث يقلب صفحات ماضيه منذ ولادته عام 1961 مروراً بنشأته وطفولته وحتى يومنا هذا مختزلاً بها قصص الفرجان القديمة وحكاياته الغنية بالأحداث التي لا ينساها.
تبدأ رحلة الذكريات من خورفكان، حيث نشأ، وحول هذه المرحلة يقول: عشت حياة الفرجان القديمة، المتميزة في تلك الأروقة الهادئة والجدران التي يكسوها الطين وبمنأى عن الصخب اللهم إلا الناجم عن ضجيج الأطفال وهم يلعبون، وكنت أنا من الأطفال الأشقياء المزعجين.
كان المجتمع آنذاك يتسم بتكاتف أفراده، والروابط القوية التي تؤلف بين الناس، وفي رمضان كانت الفرجان تتميز عن الوقت الحاضر بغياب مكبرات الصوت في أوقات الصلاة، فعندما يحين رفع أذان المغرب يتجمهر الأطفال جميعا وعددهم ما يقارب 80 طفلا في ساحة الفريج انتظارا لصوت الأذان.
كان المؤذن يرتقي أعلى الأماكن ارتفاعاً، وما أن يؤذن حتى تنطلق صرخات الفرح من حناجر الصغار، ومن ثم يبدأ الجميع إفطارهم.
كانت الأطعمة الإماراتية هي الوحيدة على مائدة الإفطار لاسيما الهريس الذي لا يستطيع الجميع طهوه وإنما التجار الكبار والموسرون و"النواخذة" ويتعاون أبناء الفريج في ضرب "الهريس" بمضراب الهريس الخشبي، ويسمى "القافود" في المنطقة الشرقية، حيث كان "قدر الهريس" كبير الحجم، ويوزع بعد ذلك في صحون معدنية صغيرة على منازل الفريج.
أما المأكولات الساخنة فتطهى على الخشب المحلي وكان معظم الرجال يتقنون طهو الطعام خلال قضائهم رحلات السفر والصيد أو الارتحال خارج الدولة بحثا عن أسباب الرزق.
وتطرق حرية في حديثه إلى وصف مدينة خورفكان القديمة قائلاً: إنها بندر رباني في البحر، وكانت محطة للرحالة عبر الأسفار في البحر للتزود بالماء، وهي أحب مكان إلى قلبي وأروع بقعة على وجه الأرض، على الرغم من أني زرت معظم بلدان أوروبا والبلدان العربية.
وأشار إلى أنه بعد أن كان يقضي الصيف في الدول الأوروبية ولكن قبل سنوات قليلة اكتشف أن قضاء الصيف في مدينة صلالة العمانية أجمل، فهي مدينة تجتمع فيها كافة العناصر السياحية كما تتميز بتماثل عادات المجتمع، مع عادتنا وكذلك الأجواء المناخية الباردة المصاحبة للمنطقة.
رياضة الطفولة
وبرر حرية عشقه لرياضة كرة القدم بقوله: كنت أمارس هذه الرياضة مع أطفال الفريج في "السكيك" وكان الفريق يحمل اسم العاصفة، ولكني أصبت بعقدة من ممارسة كرة القدم، حينما كسرت يدي مما حال بيني وبين ممارسة الرياضة للأبد، وأصبحت أكتفي بالتشجيع.
بعدئذٍ أصبحت أشهر مشجع لمنتخبنا الوطني، وكذلك لنادي خورفكان، الذي تغير مسماه حالياً إلى نادي الخليج، وقد كونت أول رابطة مشجعين في عام 1987 على مستوى المنطقة الشرقية بدولة الإمارات، وكثيراً ما كنت أتنقل بصحبة الرابطة إلى الفجيرة وكلباء لحضور المباريات ومؤازرة الفريق بواسطة الحافلات.
وكنت أحد الأعضاء في الرابطة حتى دمجت النوادي التابعة لخورفكان وأصبح اسم النادي "الخليج" الذي نراه حالياً بناء على توجيهات حاكم الشارقة وأسوة بالخليج الذي كان في الشارقة عام 1978، وانتقل حبي وانتمائي إلى نادي الشارقة بعد انتقالي لها، ورافقت عيسى السركال رحمه الله رئيس رابطة مشجعي نادي الشارقة آنذاك حتى قدت الرابطة وترأستها بعد وفاته.
وصادف أن حقق النادي الفوز بالبطولات المختلفة في شتى المجالات الرياضية ليظل حبي ويبقى إلى الآن إلى هذا النادي وسوف استمر بتشجيعه حتى نهاية حياتي ولا أنسى منتخب الإمارات الذي رافقته في الفوز والخسارة منذ عام 1974 وحتى البطولة الأخيرة التي أقيمت في عدن، وسآزره في البطولات القادمة، وسأظل أبتكر وسائل التشجيع وأؤلف الأهازيج والأناشيد لمؤازرة منتخبنا الوطني إلى اخر يوم في حياتي.
الطهي
وفيما يتعلق بموهبة الطهو، فقد قادتني إليها الصدفة المحضة، أو فلنقل الظروف الاجتماعية، فقد عشت طفولتي عند جدتي التي كانت تعاني من المرض باستمرار في حين كان والدي يعمل في دولة الكويت، فبدأت الاعتماد على نفسي، وكنت أعد الشاي والقهوة وطعام المواشي الساخن "الفخارة" أو "المغبرة"، فوقعت عيناي على القائمين بالطبخ في الأعراس.
وتابع قائلا: كنت أراقب مسعود الملا رحمه الله وعبدالرحمن عبدالغني وأتابع عملية وضع البهارات وألاحظ خطوات الطبخ باستمرار، فكتبت المصطلحات المتعلقة بالطبخ وأسماء المأكولات ودونتها في أوراق لتصبح مرجعا لي عند الحاجة، وعندما كنا نقرر القيام بالرحلات كانت توزع المهام فيما بيننا، وكنت أنا "شيف الرحلة" فكانت ملامح الدهشة ترتسم على وجوه أصدقائي في جميع الرحلات بسبب المذاق الرائع في ما أقدمه لهم، لأنني ولله الحمد استعنت بخبرات أشهر الطباخين الذي رافقوا البحارة في المحيطات، والحجاج إلى مكة المكرمة والمدينة، فقد تشربت نفسي حب الطهو بعد ذلك الدعم المعنوي الذي حصلت عليه منهم. وفي شهر يناير سنة 1979 التحقت بالدفاع المدني في إمارة الشارقة في إدارة اللاسلكي، وانحسرت مهامي وضاقت لتمنعني من الحراك بحرية، وانتقلت بعدها إلى مهنتي ككاتب.
وعندما بدأت الحرب بين العراق وإيران وأعلنت حالة الطوارئ في الدولة، واجهت إدارة الدفاع المدني مشكلة الطهو بكميات كبيرة لتغطية احتياجات العناصر والضباط، مما دعا أحد الضباط لترشيحي للإشراف على الأمر، وقمنا بشراء المعدات اللازمة فأشاد الأفراد والضباط بجودة الطعام الذي كنت أعده لهم مما دفعني لمقايضتهم بخروجي من الطوارئ فور الانتهاء من إعداد الطعام، ووافق المسؤولون على ذلك، فتوافد الجميع علي وحصلت على تشجيع مطلق من جميع الأطراف، فبعد أن وفرت المال لنفسي والدعم المادي والمعنوي الذي حصلت عليه من سمو الشيخ عبدالله بن محمد القاسمي، وأنشأت أول مطبخ شعبي دون رخصة تجارية .
وباشرت بالعمل وتجهيز الولائم في المناسبات، حتى أصبحت حالياً أملك ثمانية فروع على مستوى الدولة أولها تأسس في إمارة الشارقة ومازال العمل به قائماً رغم تلك السنوات الطويلة التي مرت عليه، ولو خيرت بين التشجيع والطهي لاخترت الطهي لأنه مصدر رزقي.
وحول طموحاته قال خالد حرية: أعتقد أنني حققت الكثير من الطموحات، فما كنت أحسب أنني سأصبح ذات يوم صاحب أشهر مطبخ شعبي على مستوى الإمارات، غير أن الطموحات لا تنتهي، حيث أحلم بافتتاح سلسلة مطاعم تحمل اسم مطبخ خالد حرية الشعبي، في مختلف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، موضحاً أن هذا الطموح يتطلب رأسمال كبيراً، مما يستدعي مثلاً عمل شركة مساهمة.
وأشار إلى أن هذا الطموح قد يبدو غريباً بالنسبة للبعض، غير أنه طموح مشروع ومنطقي، متسائلاً: ما الذي يمنع مستثمراً إماراتياً من الطموح، لأن يحقق نجاحاً في مجاله مثلما تحقق المطاعم الأميركية الكبرى التي غزت العالم؟
وبالنسبة لطموحاته في مجال كرة القدم، فهي تتمثل في أن يصعد منتخبنا لتصفيات كأس العالم المقبلة، وأن يصل إلى دور الثمانية على أقل تقدير.
وأضاف: كما أتمنى أن يتمكن نادي الشارقة من الحصول على درع الدوري، كونه النادي الأكثر شعبية في الإمارة، وما يحققه من انتصارات تشيع السعادة في نفوس كل أبناء الإمارة.
وليست لخالد حرية طموحات مادية كبرى، حيث يقول: في هذا الصدد، إنني قانع بما حققت، ولا أطمح إلى المزيد، وأعتقد أن القناعة هي التي ترضي الإنسان ولا شيء سواها، فمهما كسب المرء من أموال، ومهما اقتنى السيارات، وشيد البيوت، يبقى فقيراً ما لم يحس في قرارة نفسه بالرضا والقناعة.
