إنه واحد من الرعيل الاول، الذين حملوا أمانة الدراما الإماراتية على عاتقهم، وتعهدوها بالرعاية منذ ولادتها، قبيل قيام الاتحاد، وحتى يومنا الراهن. عشق المسرح منذ طفولته المبكرة، واستهوت قلبه المسابقات التي كانت تقام في التمثيل، وسرعان ما اكتشف نفسه بنفسه، وأيقن أنه يحمل في أعماقه طاقة هائلة، ورغبة عارمة في أن يحترف التمثيل.

إنه الفنان الإماراتي، ظاعن جمعة، الذي نتوقف وإياه في محطات الذاكرة، راوياً أهم مراحل الدراما الإماراتية، ومتناولاً أهم الشخصيات التي رافقته في مشواره الفني مروراً بأجمل المواقف والذكريات التي امتازت بها تلك الفترة. ولد ظاعن جمعة في إمارة الشارقة عام 1951 في منطقة "اللية"، وكابد ظروفاً صعبة، وأحوالاً اجتماعية واقتصادية، أقل ما يمكن أن توصف به، بأنها كانت خانقة ضاغطة، مما كان يجبره في عطلة المدارس الصيفية، وفي سنه المبكر على الذهاب إلى السعودية والكويت للعمل والبحث عن الرزق، محترفاً الأعمال الشاقة، وذلك حتى يوفر المال اللازم للإنفاق على تعليمه.

يبدأ ظاعن جمعة حديثه عن هذه المرحلة قائلاً: في المرحلة الإعدادية، كانت مدرستي تقع على الضفة الأخرى من الخليج، ولم تكن وسائل النقل البحري قد توفرت بعد، مما كان يضطرني إلى السباحة يومياً لمدة حوالي عشر دقائق حتى اصل إلى المدرسة، وكنت أكرر الكرة كي أعود إلى البيت.

كانت أياماً صعبة، ليس فقط من ناحية الظروف الاقتصادية، وإنما أيضاً نتيجة عدم توفر التعليم بشكل كبير، وكانت الخدمات الطبية شبه منعدمة، أما الرزق فكان يعتمد على صيد الأسماك في بعض المناطق، والزراعة في مناطق أخرى. في مثل هذه الظروف، لم يكن الأهالي مهتمين بأن يتعلم أبناؤهم، لذلك قلما كانوا يبعثون بهم إلى المدارس، لأن خروج الأطفال إلى العمل كان يدر بعض المال، مما يساعد على تجاوز صعوبة الظروف.

ويتابع: كانت السباحة تنهكني كل صباح، وكان عليّ أن أسبح بيد واحدة، لأن اليد الثانية، كانت لحمل الكتب، فكنت أرفعها خارج الماء وأنا أحملها كي لا تبتل وتتلف. حينما أحكي هذا الموقف الذي كنت أواجهه يومياً، لشباب اليوم ممن ينعمون بالرفاهية والحياة الرغدة، تتسع حدقات عيونهم غير قادرين على التصديق، وبعضهم يسخر من الرواية ويشكك فيها، غير أنها صورة من صور حياتنا فيما سبق.

ويضيف: كنت الوحيد من أبناء "الفريج" الذي واصل تعليمه في مواجهة تلك الظروف الصعبة، وقد انتقلت إلى مدرسة القاسمية بعد أن أسسها البريطانيون، وتعلمت فيها حتى تم ابتعاثي إلى دولة الكويت، ثم واصلت تعليمي الجامعي في جامعة الإمارات، و في عام 1977 حصلت على شهادة البكالوريوس في تخصص التاريخ والسياسة. 

مهرجان

يقول: كانت بدايتي مع التمثيل في المدرسة، الذي استهواني في المرحلة المتوسطة، حيث كنت أجتمع وأصدقائي ونبتكر المشاهد التمثيلية، ونتدرب على تأديتها، إلى أن جاء المهرجان الرياضي المدرسي.

كان المهرجان غنياً بالمسابقات والفعاليات، ومن بين المسابقات، مسابقة فنية رياضية، تقوم فكرتها على أن يرمي الطالب سنارة الصيد في كومة ملابس، لكي يلتقط بعضها، ثم أن يرتدي ما يلتقطه مهما يكون، وتمثلت المفارقة في أنني لما اشتركت، كانت سنارتي تلتقط ملابس نسائية فقط، فارتديت الملابس وبدأت أرتجل مشهداً تمثيلياً، لامرأة عجوز فوجدت الطلاب والمدرسين غارقين في الضحك، وبعدها تم إعلاني الفائز الأول في مسابقة التمثيل.

وفي عام 1964انتقلت إلى معهد المعلمين في دولة الكويت ضمن البعثة الدراسية من الإمارات التي استمرت أربع سنوات وكان عددنا ما يقارب 12 شخصاً، وشكلت فرقة في المعهد قدمت خلالها أنا وأعضاء الفرقة مشاهد تمثيلية في كل يوم جمعة أمام البعثات العربية، ونظمنا يوماً مفتوحاً أمام أعضاء الهيئة التدريسية وبعض المسؤولين من وزارة التربية والتعليم في الكويت إلى أن عدت إلى الإمارات في عام 1967، واحترفت مهنة التدريس في مدينة الذيد بمدرسة سلطان العويس رحمه الله.

ويقول: مارست التدريس وكنت أتحرق شوقاً للتمثيل، غير أن ضيق ذات اليد، وكذا عدم وجود دعم من الدولة للحركة المسرحية، وعدم توفر دور العرض وما إلى ذلك من معطيات، كان يحول بيني وبين رغبتي. وفي نهاية الستينات، تزوجت وانتقلت إلى مدرسة القاسمية، ثم تأسس المسرح القومي في إمارة دبي، ومن ثم تنفست الصعداء، ووجدت ضالتي التي طالما كنت أتوق إليها. 

بداية

وبعد فترة قررت مع مجموعة من الفنانين، تأسيس المسرح العربي في الشارقة، وبدأنا نشبع شغفنا الذي لم يكن يرتوي لمدة عامين، ثم عدنا إلى المسرح القومي بدبي، وفي منتصف السبعينات، بدأ تلفزيون أبوظبي خطواته الأولى لدعم الإنتاج الدرامي المحلي، فكنت من ضمن الرعيل الأول الذي ظهر على الشاشة الفضية.

ويتذكر طبيعة العمل آنذاك قائلاً: كنا نسجل المسلسلات في أبوظبي ودبي، وكانت الوسائل والآليات في منتهى البدائيات، والتكنيك نفسه كان غريباً، حيث كان العمل يُسجل مرةً واحدة، ولم تكن ثمة فرصة للخطأ وإعادة التسجيل، لأنه لا توجد أجهزة مونتاج، مما كان يقتضي كل الحرص على حفظ النص، وعلى تأديته بالشكل الأمثل، حتى لا نكرر الكرة من البداية.

وعلى الرغم من المجهود الشاق الذي كان يبذل، كانت أجور الممثلين منخفضة للغاية، إلى درجة أن بعض الفنانين اعتزلوا مبكراً، كونهم غير قادرين على النهوض بأعباء الحياة، التي كانت آخذة في التزايد.

قضايا الوطن

ويتابع: ومن الملاحظات المهمة والجديرة بالانتباه، أن الدراما المحلية آنذاك، وعلى الرغم من شح الإمكانيات، كانت أقرب إلى الواقع المحلي، وتناقش قضايا الوطن الحقيقية، وليست مستوردة الأفكار والمضامين، كما هي معظم الأعمال الدرامية اليوم، وفي ذلك الوقت المبكر، طرحت الدراما قضايا: الزواج من أجنبيات، ومحو الأمية، وتعليم المرأة، وما إلى ذلك من قضايا، مما جعلها أكثر تأثيراً في وجدان الناس، إلى درجة أن البعض ما زال يتذكرها حتى الآن، في حين لا يلتفت لمعظم الأعمال الدرامية المنتجة حديثاً، لأنها لا تعبر عنه.

ويضيف: مضت الدراما المحلية التي ظهرت تباشيرها في الستينات بخطى واثقة سريعة، وفي السبعينات والثمانينات أصبح الإنتاج غزيراً، وظهر نجوم ونجمات حفروا أسماءهم في سجل المؤسسين الذين حملوا الأمانة، وغدا المجتمع أكثر تفهماً وتقديرا وقبولا لدور الفن في النهوض به، ثم اتسمت مرحلة التسعينات بالركود، نتيجة تحكم شركات الإنتاج الخاصة، وحرصها على فرض توليفات معينة، والاعتماد على نجوم دون غيرهم، ومع عودة تلفزيوني أبوظبي ودبي إلى الإنتاج، وحرص الدولة على دعم المبدع المواطن، عاد الاهتمام بنا من جديد.

ويختتم قائلاً: حينما أنظر إلى الصعوبات التي واجهتني، وأتفقد العقبات التي طالما واجهتني في مسيرتي الفنية، أشعر بأن ليس في الإمكان أفضل مما كان، فقد تحديت كغيري من رفاق الدرب، شح الإمكانيات، وأسسنا حركة مسرحية وقتما كانت الظروف خانقة، وحملنا الدراما التلفزيونية على أكتافنا، وواجهنا المجتمع الذي كان يتحفظ على فكرة العمل في التمثيل، وأخذنا بأيدي الجيل اللاحق، وصنعنا قاعدة من متذوقي الدراما في الإمارات.

مواقف
أكلة لحوم البشر

عاصرت أسماء كثيرة، ومررت بذكريات جميلة، ومن أهم الأسماء التي رافقتها: المخرج بدران الذي صقل مواهبنا في بداية ظهورنا، وبعض الفنانين مثل: عبيد بن صندل، موزة المزروعي، عايدة حمزة ومنى حمزة، عيد الفرج.

ولا أنسى الفنان الراحل سلطان الشاعر، وفي إحدى المرات عندما كنا نصور مسلسل شعبان ورمضان، وفي مشهد حول قصة سفينة غرقت ولاذ أصحابها بجزيرة، ثم وقعوا أسرى لدى أكلة لحوم البشر ممن ينتمون إلى قبائل بدائية في أفريقيا، فوجئنا بأن الممثلين قد اندمجوا أكثر من اللازم، وأخذوا يغرسون أسنانهم الحادة في لحمنا، مما حدا بنا إلى الصراخ، ومن ثم توقف التصوير، ولكن بعدما تركوا لنا جروحا غائرة في أجسادنا.

وهناك موقف آخر مع الفنان عبدالله المطوع ففي عام 1973 تحديداً، قدمنا سوياً مسرحية كان دوره فيها "نوخذة البحر"قائد السفينة، وكنت أنا أحد أفراد الطاقم الكسول، وفي أحد المشاهد اندمج المطوع وأخذ ينهال علي ضرباً بعصا غليظة كانت بين يديه.

اعتراف
فشل التجارة
 
قال ظاعن جمعة نحن الفنانين فاشلون في التجارة ومن الصعب أن ينجح الممثل في التجارة، لأن الفنان تغلب عليه العاطفة دوماً ويداه لا تحسن القبض على المال، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون هناك فنانون لهم نجاحات ما.

وأشار إلى أنه دخل سوق المال والأسهم والأراضي ولكنه لم يستمر لأن الفن كان يسلب منه معظم وقته، وإلى جانب الفن كانت له نشاطات رياضية وتحديداً في نادي "الخليج" قديماً، وبعد دمج نادي الخليج بنادي العروبة استلم بعض المناصب الإدارية واستمر لفترة طويلة.

كما ذكر أن الشيخ فيصل القاسمي رئيس نادي الشعب، أراد أن يقدم مباريات مع الأندية الرياضية الخليجية، فأقام مباراة بين نادي الشعب ونادي من سلطنة عمان، وأراد أن تقام على شرف تلك المباراة أمسية، وطلب منه تقديم مشهد مسرحي بعنوان "الزار".

مقلب
علقة ساخنة

قدم ظاعن جمعة مسرحية وبجواره الفنان الراحل سلطان الشاعر في عام 1973، وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله حاضراً، ويتمثل دور ظاعن جمعة في دور الفتي المستهتر، وفي أحد المشاهد كان عليه أن يظهر وبين يديه زجاجة خمر، فاندمج الشاعر إلى درجة انه ضربه ضربا مبرحا بالعصا وهو على المسرح، ناسياً أنهما يؤديان دوراً، وعلى الرغم من أنه أخذ يهتف قائلاً: إننا نمثل إلا أن الشاعر لم يتوقف عن الضرب.

وفيما كان ظاعن يصرخ من شدة الألم، كانت الجماهير تغرق في الضحك، حتى انتهى المشهد المضحك المؤلم، بأن رمى ظاعن الشاعر بشبكة وكبله بها.